قال: قال بشار بن برد:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج
أخذه سلم الخاسر وكان تلميذه فقال:
من راقب الناس مات غمّا وفاز باللّذة الجسور
فبين البيتين لفظتان في التأليف..
أقول: ما أنصف سلم الخاسر، وما يقال في هذا: بينهما لفظتان في التأليف إذ اللفظة تصدق على الحرفين، مثل: من وعن وما وغير ذلك. بل على الحرف الواحد كباء الجر ولامه، والأحسن في هذا أن يقال: بينهما تسعة أحرف. فإن الأول أربعة وأربعون حرفا، والثاني خمسة وثلاثون حرفا وكذا قول أبي العتاهية:
وإني لمعذورٌ على فرط حبّها لأنّ لها وجها يدلّ على عذري
أخذه أبو تمام فقال:
له وجهٌ إذا أبصر ته ناجاك عن عذري
الأول أربعة وأربعون حرفا، والثاني ستة وعشرون حرفا، فبينهما ثمانية عشر حرفا. وسلم الخاسر ممن له القدرة على الاختصار. ألا ترى قوله:
أقبلن في رأد الضّحى يسترن وجه الشّمس بالشّمس
وقول الآخر:
وإذا الغزالة في السّماء تعرّضت وبدا النّهار لوقته يترحّل
أبدت لعين الشّمس عينا مثلها تلقى السّماء بمثل ما تستقبل
وكذا قوله أيضًا:
[ ٩٤ ]
سقتني بعينيها الهوى وسقيتها فدبّ دبيب الخمر في كلّ مفصل
وقول عبيد الله من شعراء الحماسة:
شققت القلب ثمّ ذررت فيه هواك فليم والتأم الفطور
تغلغل حيث لم يبلغ شرابٌ ولا حزنٌ ولم يبلغ سرور
قال: وعلى هذا ورد قول ابن الرومي:
كأني أستدني بك ابن حنيّةٍ إذا النّزع أدناه من الصّدر أبعدا
أخذه بعض شعراء الشام وهو ابن قسيم الحموي، فقال
فهو كالسّهم كلّما زدته من ك دنوّا بالنّزع زادك بعدا
أقول: وأخذه أيضًا الأرجاني فقال:
فلا تنكروا حقّ المشوق فإننا لنا وعليكم أنجم اللّيل تشهد
أرانا سهاما في الهوى ونراكم حنايا فما تدنون إلاّ لتبعدوا
وكرره فقال:
قد قوّس القدّ توديعا وقرّبني سهما فأبعدني من حيث أدناني
وكرره أيضًا فقال:
كالسّهم راميه يقرّبه ولأجل بعدٍ ذلك القرب
وقال:
ما ضمّني يوم الرّحيل هوىً بل كان يدنيني ليبعدني
وقال:
والإلف قد عانقني للنّوى فالتفّ خدّاي وخدّاه
كأنه رام إلى غايةٍ تناول السّهم بيمناه
حتى إذا أدناه من صدره أبعده ساعة أدناه
وأخذه كشاجم قبل الأرجاني فقال:
أرى وصالك لا يصفو لآمله والهجر يتبعه ركضا على الأثر
كالقوس أقرب سهميها إلى عطفت عليه، أبعدها من منزع الوتر
وكرر ابن الرومي هذا المعنى في موضع آخر فقال:
رأيتك بينا أنت جارٌ وصاحبٌ إذا بك قد ولّيتنا ثانيا عطفا
وإنّك إذ تحنو حنوّك معقبا بعادا لمن بادلته الودّ والعطفا
لكالقوس أحنى ما تكون إذا حنت على السّهم أدنى ما تكون له قذفا
وولد ابن باك من هذا معنى آخر فقال:
أصبحت في صولجانه كرةً يبعدها قربها من الضّارب
وما أحسن قول ابن المغلس ملغزا فيها:
أراد دنوّها حتّى إذا ما دنت منه بكدٍّ أيّ كد
قلاها ثمّ أتبعها بضربٍ وبدّل قربها منه ببعد