[ ١١ ]
قال في الفصل الثامن في الفصاحة والبلاغة عند ذكر البلاغة، بعد أن قرر أن البلاغة للمعاني والفصاحة للألفاظ: البلاغة شاملة للألفاظ والمعاني، وهي أخص من الفصاحة، كالإنسان من الحيوان. فكل إنسان حيوان وليس كل حيوان إنسانًا. وكذلك يقال: كل كلام بليغ فصيح، وليس كل كلام فصيح بليغا ويفرق بينها وبين الفصاحة من كل وجه آخر غير الخاص والعام، وهو أنها لا تكون إلا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب، فإن اللفظة الواحدة لا يطلق عليها اسم البلاغة، ويطلق عليها اسم الفصاحة، إذ يوجد فيها الوصف المختص بالفصاحة وهو الحسن. وأما البلاغة فلا يوجد فيها لخلوها من المعنى المفيد الذي ينتظم كلامًا.
أقول: قد ادعى أن هذا الفارق الثاني غير الأول، وهو هو بعينه ومينه. فإنه أراد أولا، كل كلام فصيح يطلق عليه أنه بليغ ولا ينعكس. ومعنى هذا، إذا قلنا: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل فإن هذا الكلام بليغ باعتبار أن معناه بلغ في صوغ تركيبه إلى حد له توفية بتمام المراد. وفصيح باعتبار بيان مفرداته وحسنها وعذوبتها في السمع. وإذا فككنا هذا التركيب وأخذنا كل فرد من ألفاظه، كان كل فرد فصيحا، ولا يكون بليغا لعدم التركيب في المعنى. فكانت الفصاحة أعم من البلاغة لأنها وجدت في الإفراد والتركيب. وكانت البلاغة أخص لكونها لا تتناول إلا المركب فقط. فحيث وجدت البلاغة مع عذوبة الألفاظ وجدت الفصاحة ولا ينعكس. فصح أن البلاغة كالإنسانية في خصوصها، والفصاحة كالحيوانية في عمومها. وهذا المعنى موجود بعينه في الفارق الثاني الذي أبداه. فإنه قال: إن البلاغة لا تكون إلا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب.. إلى آخره فتأمل كلامه يظهر لك ما قلته.