قال في القسم الخامس المشبه بالتجنيس ويسمى المجنب. ثم إنه أخذ في الاستشهاد على ذلك بقول القائل.
أبا العباس لا تحسب بأني لشيبي من حلى الأشعار عار
فلي طبعٌ كسلسالٍ معينٍ زلالٍ من ذرى الأحجار جار
إذا ما أكبت الأدوار زندا فلي زندٌ على الأدوار وار
ثم قال: وهذا القسم فيه عندي نظر، لأنه بلزوم ما لا يلزم أولى منه بالتجنيس. وأخذ يعلل ذلك بأشياء تعسف فيها.
أقول: الصحيح أن هذا من أقسام التجنيس. وهو النوع الذي يسمونه بالمزدوج. ولزوم ما لا يلزم باب معقود بذاته لا مدخل له في هذا، ولا لهذا فيه مدخل. فإن اللزوم عبارة عن أن يأتي الشاعر أو الكاتب في القافية قبل الروي بحرف أو أكثر، يلتزم بورود ذلك في كل قافية. كما ورد في قول المعري:
لا تطلبنّ بآلةٍ لك رتبةً قلم البليغ بغير حظٍ مغزل
سكن السماكان السماء كلاهما هذا له رمحٌ وهذا أعزل
فإن المعري التزم بالزاي قبل الروي وهو اللام. ولو قال مع ذلك: معول وأول وأفضل لصحت القافية ولكن ورود الزاي لزوم ما لا يلزم، وكما تقول: الحمام والغمام والتمام والكمام. أو: البدور والصدور أو الشذور والنذور.
فإن الميم والدال والذال لزوم ما لا يلزم. ويجوز أن تقول مع الحمام، السلام ومع البدور القبور ومع الشذور، الحرور.
وعلى هذا الشرط بنى المعري لزومياته من أولها إلى آخرها. وأما الذي أورده ابن الأثير، فلم يكن كذلك، لأنه قبل الألف الأولى عين، والثانية جيم، والثالثة واو. ففات اللزوم.
ومما اتفق لي من نمط أبي الفتح البستي:
تذكرت عيشا مرّ حلوا بكم فهل لأيامنا تلك الذواهب واهب
وما انصرفت آمال نفسي لغيركم ولا أنا هذي الرغائب غائب
سأصبر كرها في الهوى غير طائعٍ لعلّ زماني بالحبائب آيب
وقلت أيضًا:
بنفسي من إذا ادّكر اكتئابي وأني لا أرى الأوزار زارا
يبيت وللتّقى حرس عليه ولي فإذا رأى الأسحار حارا
[ ٣٣ ]
ولي قلبٌ إذا اذّكر الزمان ال لذي نلنا به الأوطارا طارا
وقلت أيضًا:
إن أنت أصبحت ربّ أمرٍ فلا تعره لباس باس
وإن تمادت بك الأماني لا تعرها من قياس ياس