بأبي غزال غازلته مقلتي قال وقد أورد في محاسن المعاني قول القائل:
بأبي غزالٌ غازلته مقلتي بين العذيب وبين شطّي بارقٍ
الأبيات.
وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى، ولقد خفت معانيه على القلوب حتى كادت ترقص رقصا، والبيت الأخير هو الموصوف بالإبداع، وبه وبأمثاله أقرت الأبصار بفضل الأسماع
أقول: هذه الأبيات لابن بقي، وأوردها ابن الأبار في تحفة القادم ثم قال: وقد نسب بعض أهل عصرنا ابن بقي إلى الجفاء في قوله:
أبعدته عن مهجة تشتاقه
ولو قال: أبعدت عنه أضالعا تشتاقه، لكان أحسن.
ثم أورد بعد ذلك لأبي الحكم جعفر بن يحيى بن عتال الداني:
حبّك لذّ بكل معنى إلى كرى ملت أو سهاد
إن كان لا بد من رقادٍ فأضلعي هاك عن وساد
ونم على خفقها هدوّا كالطفل في نهنه المهاد
ولما وقفت أنا على ما ذكره ابن الأبار من الإيراد على ابن بقي، وأبيات ابن العتال خطر لي أن يكون ذلك نظما. فنظمت ذلك على روي ابن بقي ووزنه:
أبعدته من بعد ما زحزحته ما أنت عند ذوي الغرام بعاشق
هذا يدل الناس منك على الجفا إذ ليس هذا فعل صبٍ وامق
إن شئت قل أبعدت عنه أضالعي ليكون فعل المستهام الصادق
أو قل فبات على اضطراب جوانحي كالطفل مضطجعا بمهد خافق
فانظر إلى ما استحسنه ومدحه وفضله كيف أورد الناس عليه وعابوه، ولعمري إنه نقد حسن ومأخذ دقيق وإيراد متوجه.
وأما خفق الفؤاد واضطرابه من المحب، فللمتأخرين فيه مقاصد لطيفة المغزى. من ذلك قول الحظيري الوراق:
يقول لي حين وافى قد نلت ما ترتجيه
فما لقلبك قد جا ء خفقه يعتريه
فقلت وصلك عرسٌ والقلب يرقص فيه
وقول
لا تنكروا خفقان قلبٍ جاء الحبيب إليه زائر
ما تلك إلا داره دقت له فيها بشائر
وقول ابن سناء الملك:
أما والله لولا خوف سخطك لهان عليّ ما ألقى برهطك
ملكت الخافقين فتهت عجبا وليس هما سوى قلبي وقرطك
وقول أبي الوليد بن الجنان الشاطبي:
وأبيك لم يخفق جناني إنما طربا بأيام العقيق يصفّق
لا يدّعي فيه الفؤاد خفوقه فوشاح من أهوى لعمري أخفق
وقول الآخر:
ملك القرط والفؤاد فحقا إن تسمّى بمالك الخافقين
واحد الحسن في الورى ثاني الغص ن إذا ماس ثالث القمرين
وقول البدر يوسف بن لولو الذهبي:
وأحوى فاتر الأجفان ألمى رشيقٍ قده رخص البنان
[ ٥٢ ]
تملّك قرطه والقلب مني فصار له بذاك الخافقان
وقول ابن سناء الملك من مرثية:
أوسعت فيك الدهر عتبا مؤلما فأجابني بالبهت والبهتان
قلبي يحاسبه على إجرامه ويعدها بأنامل الخفقان
وما أحسن قول القاضي الفاضل أيضا:
وقد خفقت راياته فكأنها أنامل في عمر العدو تحاسبه
وقول معين الدين بن تولوا:
لم أنسه إذ قال أين تحلّني حذرا عليّ من الخيال الطارق
فأجبته: قلبي فقال تعجبا: أرأيت عمرك ساكنا في خافق
وهو مأخوذ من قول:
وسكنت قلبا خافقا يا ساكنا في غير ساكن
وما أحسن قول السراج الوراق:
يا ساكنا قلبي ذكرتك قبله أرأيت قبلي من بدا بالساكن
وجعلته وقفا عليك وقد غدا متحركا بخلاف قلب الآمن
وقول شمس الدين محمد بن التلمساني:
يا ساكنا قلبي المعنّى وليس فيه سواه ثان
لأي معنى كسرت قلبي وما التقى فيه ساكنان
هذا المعنى، رأيت جماعة من أهل العصر قد لهجوا به واستحسنوه، وهو فاسد، وذلك أن القلب وعاء للساكنين، والظرف غير المظروف، والقاعدة ان الساكنين إذا التقيا كسر الثاني منهما، وإذا كسر قلبه فليس بعجيب لأنه غير الساكنين وليس واحدا منهما، فما لإنكاره عليه معنى، فتأمل ذلك يظهر فساده.
ومن معنى قول معين الدين بن تولوا قول ابن سناء الملك، ولكنه سلك به مسكا آخر حيث قال:
من كل محتكم الأجفان يخرجنا من أرض سلوتنا في الحب ساحره
يأوي إلى خافق القلب الشجيّ به فاعجب لمن وكره في الحب طائره
وقوله:
يا طائر الحسن الذي وكره قد حلّ من قلبي في طائر
وقوله أيضا:
وطائر حسنٍ طار قلبي بحسنه فيا عجبا من طائرٍ وكر طائر
ومن هذا قول ابن قلاقس وقد وصف المركب:
ونحن في منزلٍ يسري بساكنه فاسمع حديث مقيمٍ بيته غاد
ومما قلته في خفقان القلب:
لما رقدت أتى خيالك بغتةً فغدا فؤادي خافقا يتموّج
لو أنّ صحبي شاهدوني في الكرى والقلب يرقص في الخيال تفرجوا
ومن قولي أيضا:
حسبي الذي ألقاه فيك من الجفا وعلى الصحيح فبعض ذاك كفاني
فانظر إلى قلبي إذا قابلته يا غصن كيف يطير بالخفقان