قال في النوع الثاني والعشرين في المبادىء والافتتاحات:
[ ٨٥ ]
ومن الحذاقة في هذا الباب، أن يجعل الدعاء في أول المكاتبات السلطانيات والإخوانيات وغيرهما مضمنا من المعنى ما بني عليه ذلك الكتاب، وهذا شيء انفردت بابتداعه، وتراه كثيرًا فيما انشأته. ثم قال: ومن ذلك ما ذكرته في الهناء بمولود وهو: جدد الله مسرات المجلس الفلاني، ورسل صبوح هنائه بغبوقه، وأمتعه بسليله المبشر بطروقه، وأبقاه حتى يستضيء برأيه ويرمي عني فوقه، وسر به أبكار المعالي حتى يخلق أعطافها بخلوقه، وجعله كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه.
أقول: هذا وقد عاب على الصابي وعلى جماعة من الشعراء في الافتتاحات، وادعى هذه الدعوى، ثم أتى بمثل هذا الافتتاح في الهناء بمولود.
وليس في أول سجعة ما يدل على أن الهناء بمولود أو ختان أو عرس أو فتح أو عيد أو برء من مرض أو غير ذلك من أنواع المسار، وإنما دلت على مطلق الهناء.
وأما قوله: وسر به أبكار المعالي حتى تخلق أعطافها بخلوقه، ما أدري ما في هذا من البلاغة.
وكتبت أنا في هناء بمولود: وزان أفق السعادة بنجمه الذي أصبح بازغا، وبلغه في صباه أعلى المفاخر حتى يكون قبل البلوغ لغايات المعالي بالغا، وشغل به السيادة فإن قلبها إلا من هذا البيت لا يزال فارغا.
وكتبت أيضًا: وحفظ على غاب الممالك شبله، وجعله طليعة بشرى لما بعده كما جاء ساقة خير لما قبله، وأهله لأن يكون أمام صفوف الحرب إماما، كما جعل وجهه للحسن جامعا ويده للقبل قبلة.
وكتبت أيضًا: وأقر عينه بهذه القرة، وبلغه نهايات آماله فيه من السعود فإنها مترجمة في هذه الطرة، وجعل الأصيل زعفران هذا الخلوق والشفق عقيقة هذه الدرة.
وقد كتبت جوابا عن كتاب ورد قرين تفاصيل قماش مطاير. فقلت يقبل الباسطة لا زالت جمل جودها مشكورة التفاصيل، وتحف برها المرقومة تعمل لوليه ما يشاء من محاريب وتماثيل، ونقوش هداياها ترمي نفوس العدى بالهلاك من طيورها الأبابيل.
وعلى ذكر الهناء بالولد. فمما جاء في كلام القاضي الفاضل رحمه الله تعالى وهذا الولد المبارك هو الموفي لاثنى عشر ولدا، بل لاثنى عشر نجما متقدا، فقد زاده الله في أنجمه عن أنجم يوسف نجما، ورآهم المولى يقظةً ورأى تلك حلما، ورآهم ساجدين له ورأينا الخلق لهم سجودا، وهو قادر أن يزيد حدود المولى إلى أن يراهم أبا وجدودا.
ومن كلامه أيضًا: ونهي أن الله وله الحمد رزق الملك العزيز عز نصره ولدا مباركا عليا، ذكرا سويا، نقيا تقيا، من ذرية بعضها من بعض، ومن بيت كادت ملوكه تكون ملائكةً في السماء ومماليكه ملوكا في الأرض، في غرة الهلال من جمادى فلهذه الليلة غرتا هلالين، بشرتا بالأنواء صادقتين. وأصدر المملوك هذه الخدمة مبشرا بأن الله تعالى لا يخلي مولانا في كل وقت من زيادة أولاد يمنحها، أو زيادة بلاد يفتحها. فهو في كل يوم مبشر، بما هو له ميسر، والفلك بما نرجوه له جار وله مسمر، فيطلع عليه نجومه نجما نجما، وتستهل سحبه عليه سجما سجما، وقد ورد في الأثر أن الولد ريحان الجنة، فالبيوت الكريمة على هذه بساتين، والأولاد البررة على هذه رياحين، فلا عفا بستاننا، ولا ذوى ريحاننا، وعلا جد بني مولانا الذي هو جدهم وأبوهم وسلطاننا.
وقد ادعى ابن الأثير أنه الذي انفرد بمناسبات المبادىء، وهذا ما زال غالب الناس يراعيه. وقد نص على ذلك ابن خلف في المنثور البهائي قال: ومن ذلك مفتتح كتاب إلى ديوان الخلافة، وساق مقدمة الكتاب، وفي آخرها: وقد يعبر عن الكتاب ونائله، بالسحاب ووابله، فإن صدر عن يد كيد الديوان العزيز فقد وقع التشبيه موقع الصواب، وصدق حينئذ قول القائل، إن البحر عنصر السحاب.
أقول: ليس هذا من التحقيق في شيء، ومن ادعى أن السحاب من البحر، فليس عنده علم بحقيقة ذلك وكيف والبحر ملح أجاج، والقطر المنزل من السحب عذب فرات؟.
وقد فسر قوله تعالى: " وفي السماء رزقُكم وما تُوعدون " أنه السحاب التي تمطر، ولو كان كما زعمه، لقال: وفي البحر رزقكم.
وقال الله تعالى: " الله الذي يُرسِل الرّياح فتُثير سَحابا "، فجعل علة منشأ السحاب إرسال الرياح، ولم يذكر البحر.
وما أحسن قول ابن زيدون:
للشفيع الغناء والحمد في صو ب الحيا للرّياح لا للغيوم
[ ٨٦ ]
إشارةً إلى معنى الآية الكريمة. وإن كان جاء في ذلك نقل يوثق بصدقه، يرد بالتأويل إلى هذا.
وقد قال أبو العلاء المعري:
وقد يجتدى فضل الغمام وإنّما من البحر فيما يزعم الناس نجتدي
فاحترز بقوله: فيما يزعم الناس. يعني: في الظاهر. وإن كان الأمر في الباطن بخلاف ذلك.
وما أحسن قول الحسين بن مطير يصف مطرا:
لو كان من لجج السّواحل ماؤه لم يبق في لجج السّواحل ماء
وربما كابر بعض الجهال وقال: إن السحاب من البحر ولكن الرياح تقصره فيحلو. ومن هذا قول التهامي:
كالبحر تمطره السّحاب ومالها فضلٌ عليه لأنّه من مائه
وما يليق بهذا المكان غير التنبيه على أن المطر ليس من البحر، وأن البحر ليس بعنصر السحاب. وغير ذلك يؤخذ من كتب هذا الفن في الطبيعيات.
وما أحلى قول القاضي الفاضل رحمه الله تعالى: وصل كتابه وقد انقضى الربيع وعهده، وصدر وارده وقوض ورده، فنابت سطوره فأحسنت النيابة، وعرف الناس ما بينه وبين الربيع من القرابة، بل الأخوة فإن أمهما السحابة.
قال: ومن جملة الكتب المشار إليها، مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وأرسلته إليه من الموصل ثم ذكر الكتاب.
ولما فرغ منه، بخبخ لنفسه وأثنى، وساق كتبا أخر في معنى الثناء على المراسلات الواردة، ومنها من الحسن بعض إحسان، وإذا قرنتها بكلام الفاصل قلت فتى ولا كمالك ومرعىً ولا كالسعدان.