قال في النوع الثامن والعشرين في الإرصاد: ورأيت أبا هلال العسكري قد سمى هذا النوع: التوشيح. وليس كذلك، بل تسميته بالإرصاد أولى.
أقول: هذا الإرصاد الذي ذهب إلى أنه أليق من التوشيح بالمعنى الذي قرره، مثاله قول البحتري:
أحلّت دمي يوم الفراق وحرّمت بلا سببٍ يوم اللقاء كلامي
وليس الذي حلّلته بمحلّلٍ وليس الذي حرّمته بحرام
وهو أن الشاعر يأتي بنصف بيت يفهم منه النصف الثاني، أو صدر يفهم منه العجز، أو من البعض يفهم الكل، وهو دليل التمكن وجودة الطبع.
ووجه المناسبة بين هذا المعنى وبين التوشيح، أن ينزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح، وينزل دلالة ما في أوله على آخره منزلة الوشاح الجائل عليهما. وهذا معنى لائق بهذا المسمى، ونفس اللفظ أعذب في السمع من الإرصاد.
قال: وقد سلك قوم في منثور الكلام ومنظومه طرقا خارجةً عن موضوع علم البيان وهي بنجوة عنه، لأنها في واد وعلم البيان في واد.
فممن فعل ذلك الحريري صاحب المقامات، فإنه ذكر تلك الرسالة التي هي كلمة معجمة وكلمة مهملة، والرسالة التي هي حرف من حروف ألفاظها معجم والآخر غير معجم.
ونظم غيره شعرا، آخر كل بيت منه، أول البيت الذي يليه. وكل هذا وإن تضمن مشقةً من الصناعة، فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة.
أقول: إن الحريري رحمه الله تعالى لم يأت بما أتى به من هذه الأنواع وادعى أن هذا هو الفصاحة والبلاغة، وإنما أتى بذلك ليستوعب أنواع الأدب، ويبين للأديب ما يلزمه معرفته، وكل ذلك دليل القدرة والتمكن.
ولو أن الحريري فعل ذلك في المقامات كلها لكان غير حسن.
[ ٩١ ]
ومثل هذه الأشياء من اللغز والأُحجية والأغاليط، والإتيان بالكلمة المعجمة وبعدها المهملة، وبالحرف المعجم وبعده المهمل، أو صدر بيت كذا وعجزه كذا.. كل ذلك لائق بالمقامات. أما في الترسل والخطب، فإنه يكره ويستثقل. لأن الترسل ليس المراد منه التفقه في الأدب وإنما هو إما لهناء أو عزاء أو شكر أو مدح أو وصف أو استعطاف أو عتب أو شوق أو غير ذلك. ومثل هذه الأشياء لا يليق بها التكلف.
على أنه وإن كان هذه الأنواع في المقامات، فينبغي أن يكون كاللمع اليسيرة، فإنها إذا كثرت سمجت. ألا ترى أن العماد الكاتب رحمه الله تعالى لما جعل كلامه مشحونا بالجناس لا تكاد كلمة تخلو من ذلك، ثقل على الأسماع والقلوب، ولم يكن له خفة كلام القاضي الفاضل على القلوب.
وقد يكون الشاعر مجيدا، فيأتي بنوع من التكلف وليس عليه أثر الكلفة. كقول ابن حمديس:
مزرفن الصدغ يسطو لحظه عبثا بالخلق، جذلان أن أشك الهوى ضحكا
لا تعرضنّ لوردٍ فوق وجنته فإنما نصبته عينه شركا
فالأول يجمع حروف المعجم كلها على عدم تبين الكلفة عليه.
وكذلك قول القائل:
لبقٌ أقبل فيه هيفٌ كلّ ما أملك إن غنّى هبه
فإن كل كلمتين من هذا لا يتغير معناهما بالانعكاس إلا القافية فإنها في نفسها معلومة. وليس عليه أثر الكلفة.
ومثله أيضًا:
أرضٌ خضرا فيها أهيف ساكب كاس
وكذا قول القائل:
أرانا الإله هلالا أنارا
وكذلك قول القائل:
تقتل تأثم تجور تندم
إذا عكس وصحف كان:
مذيب روحي متى نلتقي
ومثله قول القائل:
رفّت شمائل قاتلي فلذاك روحي لا تقرّ
ردّ الحبيب جوابه فكأنّه في اللفظ درّ
أول كل بيت، عكس الكلمة الأخيرة منه. وليس عليه كلفة.
وأما ابن الأثير، فكأنه يظن أن الأدب عبارة عن الترسل فقط، ولم يعلم أنه جزء منه وإن كان جزءا كبيرا، ونوعا جليلا.
وأقل هذه التكلفات استثقالا ما كان كله مهملا، لا بل لا يعد في شيء من الاستثقال، بل هو خفيف عذب في السمع والقلب. كقول الحريري:
أعدد لحسّادك حدّ السّلاح وأورد الآمل ورد السّماح
القصيدة كلها في غاية الحسن.
وقد وجدت للقاضي الفاضل رحمه الله تعالى خطبة وضعها لدخول العام الجديد، وهي طويلة كلها عري عن الإعجام، وهي في غاية الحسن. ولولا خوف الإطالة لأثبتها.
وقد وجدت الوراق الحظيري قد تكلف أشياء من هذه الأنواع، من ذلك بيتان كل كلمة منهما مهموزة. وهما:
بأبي أغيدٌ أذاب فؤادي إذ تناءى وأظهر الإعراضا
رشأٌ يألف الجفاء فإن أق بل أبدى لآمليه انقباضا
وفي انقباض نظر؛ كاد قول أبي الطيب:
أُمّي أبا الفضل المبرّ أليّتي لأُيممنّ أجلّ بحرٍ جوهرا
يكون من هذا اللزوم، وفيه مع تكرار الهمز تكرار الشدات.
ومن ذلك قطعة إذا قرئت لا تتحرك فيها الشفتان. وهي:
ها أنذا عاري الجلد أسهرني الذي رقد
آهٍ لعينٍ نظرت إلى غزالٍ ذي غيد
أريتني يا ناظري صيد الغزال للأسد
إنّ الضّنى لهجره يا عاذلي هدّ الجسد
حشا حشاي إذ نأى نار الغضا حين شرد
يا غادرا غادرني على لظى نارٍ تقد
ألاّ اصطنعت ناحلا لا يشتكي إلى أحد
ومن ذلك قطعة، أنصافها الأول معجمة، والثواني مهملة. منها:
بي شغفٌ شبّ بين جنبي دواؤه الودّ والوصال
يبثّ بثّي خفيّ غيظٍ أحور موعوده محال
زين بشيئين غنج جفنٍ وملح دلٍّ له كمال
قال: وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم:
وفتىً من مازنٍ قد فاق أهل البصره
أمّه معرفةٌ وأبوه نكره
وهل يشك في حسن هذا المعنى ولطافته.
[ ٩٢ ]
أقول: ما أولى هذين البيتين بالشك، وأحق ناظمهما بالصك، أي حسن فيهما وأي لطف، مع هذه الألفاظ المستثقلة في استعماله البصرة بتحريك الصاد، وما فيهما من الزحاف وإن كان جائزا. وهل فيهما غير ذكر المعرفة والنكرة؟ وأي كبير أمر في ذلك!.
ولو شاء كتاب هذا العصر أن يستعملوا أبواب النحو وألقاب الإعراب من أول الفن إلى آخره في أي معنى أرادوا لفعلوه.
أما في النثر، فقد وجدت للقاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر رحمه الله تعالى رقعة كتبها شفاعة على يد شخص إلى كبير. وهي: لا زال علم علمه مرفوعا أبدا، وبناء مجده منصوبا بخفض العدى، ولا برحت حروف أقلامه لأفعال الشك جازمة، ووفود السعود عن أعدائه متعدية ولأوليائه لازمة.
وينهى أن فلانا حضر وذكر أن اسمه رخم في غير النداء، وجزم والجزم لا يدخل على الأسماء، واستثني من غير موجب بخفض وليس الخفض من أدوات الاستثناء، وادعى أن العامل الذي دخل عليه منعه من التصرف ولزمه لزوم البناء، ودخل معه في الشرط وأفرده بالجزاء، والمؤثر أيده الله نصب محله على المدح لا على الإغراء، ورفع اسمه المعرى من العوامل على الابتداء ففيه من التمييز والظرف ما يوجب له العطف، ومن العدل والمعرفة ما يمنعه من الصرف. لا زال باب مولانا للعائد والصلة، وحال مكانته شائعة غير منتقلة.
فانظر إلى صناعة هذا المنشئ في هذه الرسالة ما ألطف ما أتى بهذا المصطلح النحوي في معنى الشفاعة والدعاء والثناء على من شفع له من أول كلامه وإلى آخره.
وأما النظم، فإنه قد عبث الشعراء به كثيرًا، وهو مشهور. وما أحلى قول البهاء زهير:
لم يقض زيدكم من وصلكم وطره ولا قضى ليله في هجركم سحره
تركتم خبري في الهجر مبتدا وكلّ معرفةٍ لي في الهوى نكره
وما في البيتين اللذين أوردهما ابن الأثير، غير الكناية عن المذكور أنه ولد زنا لا يعرف أبوه. وما أحسن قول ابن عنين يهجو ابن سيده:
قل لابن سيدةٍ وإن أضحى له خولٌ تدلّ بكثرةٍ وخيول
ما أنت إلاّ كالعقاب فأمّها معلومةٌ ولها أبٌ مجهول