كما أن أوصاف الجنة لها ألفاظ تخصها عذبة سهلة لذيذة إلى السمع. مثل: لان نسيمها، ودام نعميها، ورف ظرها، وراق زلالها، وعذب تسنيمها.
ألا ترى أن المديح له ألفاظ تخصه، والهجاء له ألفاظ تخصه. فيذكر الرأس والفرق في المديح، والدماغ والقذال في الهجاء.
ووصف أبو زبيد الطائي للأسد بحضرة الصحابة بمجلس عثمان ﵁ مما يؤيد هذا الكلام. من جملة ذلك أنه قال:
[ ٣٠ ]
لبلاغمه غطيط، ولصدره نحيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض، كأنما يخبط هشيما أو يطا صريما، وإذا هامة كالمجن وخد كالمسن، وعينان سجراوان كأنهما سراجان يقدان، وقصرة ربله ولزمة رهلة، وكتد مغبط وزور مرط، وعضد مفتول وساعد مجدول وكف شثنه البراثن إلى مخالب كالمحاجن. فضرب بيده فأرهج وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة، وفم أشدق كالغار الأخرق، ثم تمطى فأشرع بيديه، ثم حفز وركيه برجليه، حتى صار طوله مثليه ثم أقعى فاقشعر، ثم مثل فاكفهر، ثم تجهم فازبأر. فلا وذو بيته في السماء ما اتقيناه إلا بأول أخ لنا من فزارة، ضخم الجزارة، فوقصه ثم أقعصه، ثم نفضه نفضة فقضقض متنه وبقر بطنه وجعل يلغ في دمه. فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا فهجهجنا به فكر مقشعرا بزبرة كأنها شيهم حولي، فاختلج من دوننا رجلا أعجر ذا حوايا، فنفضه نفضة تزايلت لها مفاصله، ثم نهم فقرقر، ثم زفر فبربر، ثم زأر فجرجر، ثم لحظ. فوالله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه عن شماله ويمينه. فأرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل، وأطت الأضلاع، وارتجت الأسماع، ولحقت المتون، وشخصت العيون وساءت الظنون، واخزألت المتون. ثم تبهنس وحلق، ثم حدق وحملق، فإذا له عينان سجراوان مثل وهج الشرر، كأنما نقرا بالمناقير عن عرض حجر. لونه ورد، وزئيره رعد، وجبهته عظيمة، وهامته شتيمة. إن استقبلته قلت أدرع، وإن استدبرته قلت أقدع. وإذا الليل اعرنكس تبغى وتحسس. هوله شديد وشره عنيد وخيره بعيد، متى قاسم ظلم، ومتى بارز حطم، ومتى نال غشم. ثم أنشد:
عبوسٌ شموسٌ مطرخمٌ مكابرٌ جريءٌ على الأعداء للقرن قاهر
براثنه شثنٌ وعيناه في الدّجى كجمر غضا في وجهه الشر طائر
يدلّ بأنيابٍ حدادٍ كأنها إذا قلّص الأشداق عنها خناجر
قال الراوي: فحبق أحد الحاضرين، فقال له عثمان ﵁: مه رض الله فاك فلقد رعبت المسلمين.
فانظر إلى هذه الألفاظ ومواقعها في النفس، كأنها أسود تلتهم أو أساود تلتقم، هل يحسن شيء منها أن يكون في وصف ظبي أو طاووس؟ كلا. وقد عجبت منه كونه خفي مثل هذا عليه.