قال في النوع التاسع عشر في الكناية وقد أورد قوله تعالى " أيحِبُّ أحدُكم أنْ يأكلَ لحمَ أَخيه مَيتا " الآية: فأما جعل الغِيبة كأكل الإِنسان لحمَ الإِنسان الآخر، فشديد المناسبة، لأنّ الغِيبة إنما هي ذكرُ مثالب الناس وتمزيق أعراضهم، وتمزيق العرض مماثل لأكل لحم من تغتابه، لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة.
أقول: دعواه أن مناسبة الغيبة بأكل لحم الإنسان لأنها تمزيق عرض والتمزيق أكل، ليست بواضحة فإن تمزيق العرض من باب أكل اللحم، وهما كناية عن أمرين معقولين بأمرين محسوسين. والأحسن في مثل هذا أن يقال: لأن الذي يغتاب يذكر مثالب وارتكاب محرمات وغيرها مما يجب فيها على المغتاب الحد، ولعل ذلك الحد يكون ضرب عنق أو قطع يد أو جلد ظهر، وذلك تفصيل أعضاء وتمزيق أجزاء، فهو أشبه شيء بالأكل، لأن الأكل يفرق الأجزاء من الأجسام. ألا ترى قول السراج الوراق ما أحسنه في هذا المعنى:
وربّ شخصين قطّ ما اجتمعا إلاّ على هرت غائبٍ فهما
ما مرّ يومٌ إلاّ وعندهما لحم رجالٍ أو يولغان دما
مضمن.
وهذا التعليل أنسب، وبه يعلل تمزيق العرض أيضًا فأما قوله كتمزيق العرض، فإنه أحال على أمر يحتاج إلى بيان، وينتقل السؤال من الغيبة إليه، وبمثل هذه المناسبة التي ذكرتها أنا، لا يحتاج إلى ذلك.
قال في هذا النوع: وأما القسم المختص بما يقبح ذكره من الكناية، فإنه لا يحسن استعماله لأنه عيب في الكلام فاحش وذلك لعدم المراد من الكناية فيه. فمما جاء منه قول الشريف الرضي يرثي امرأة:
إن لم تكن نصلا فغمد نصال.
أقول: أما هذه الكناية فإنها في غاية الحسن في كون المرأة يغمد فيها ذلك العضو المخصوص وليس في بابها مثلها ولا تقبح من حيث الصناعة وتخيل المعنى. وإنما قبحها بالإضافة إلى المقام، إن كان المقام مقام تعظيم قدر المرثي، لأنها أم ملك أو بنت كبير القدر، أو أخت أمير. فإنه ليس من الأدب أن يسمع فيها قريبها هذه الكناية لتعلقها بفرجها وذكر عورتها. كما عيب على أبي الطيب قوله يرثي أم سيف الدولة:
رواق العزّ فوقك مسبطرّ وملك عليّ ابنك في كمال
فإنه ليس من الأدب أن يذكر أم السلطان ويقال: فوقها ممتد، فإن النفوس الكبار تأنف من ذكر عورات النساء.
ويقال: إن بعض الولاة أحضر إليه جماعة من الفساق، فأراد تأديبهم، فجعلوا يقسمون عليه ولا يزداد عليهم إلا قسوة وغلظة، وكان فيهم مخنث فقال: تنحوا يا حمير، أكذا يحلف الأمير ثم قال: يا أمير بحياة أمك، فاشتد غضبه عليه وهم يجلدونه، فقال: بحياة وجهها، بحياة عنقها، بحياة كذا بحياة كذا حتى قال: بحياة سرتها. فقال الأمير وليس بعد السرة إلا الحرة. أطلقوهم.
وما أحسن قول كشاجم يرثي أمه:
[ ٧٦ ]
فأُقسم لو أبصرتني عند موتها وجفني يسحّ الدّمع سجلا على سجل
رثيت لنصلٍ يأخذ الموت جفنه وأُعجبت من فرعٍ ينوح على أصل
وقد تحسن هذه الكناية من الشريف الرضي في باب التهكم وتكون نهاية في الحسن. وعلى الجملة فقبح الكناية التي ذكرها ليس لذاتها بل لأمر عرض عليها على أنه قد أورد بعدها قول الفرزدق يرثي امرأته:
وجفن نصالٍ قد رزئت فلم أنح عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وقال: هذا حسن بديع في بابه، وما كني عن امرأة ماتت بجمع أحسن من هذه الكناية ولا أفخم شأنا.
فيقال له: أي شيء حسن هذه وقبح تلك؟