وبلغني عن أبي العلاء أنه كان يتعصب لأبي الطيب، حتى إنه كان يسميه الشاعر ويسمي غيره من الشعراء باسمه.
وزاد ابن الأثير في ذم المعري وقال: إن الله قد جمع له بين العمى في البصر والبصيرة.
أقول: إن المعري معذور في تفضيل المتنبي على غيره، وليس هو ببدع في ترجيحه على غيره من الشعراء فأكثر الناس على هذا المذهب. وما المعري ولا غيره ممن رجحه يعتقد أنه معصوم لا يقع في الخطأ. وإنما الرجل إذا أجاد لم يلحقه أحد، وما له عندي نظير غير القاضي الفاضل رحمه الله تعالى، فإن الفاضل هكذا ينحط في بعض الأوقات إلى الحضيض، ثم يثب وثبة تكون الثريا لها ثرى، ويدع من اتبع أثره وقفا خطاه وقد رجع القهقرى. كقوله: وخواطري كليلة، وتصرفاتي قليلة، وحميتي كما يعرفها، والخلطة تخليط، فإن سمع سيدنا بابن شفة عني فهو لقيط.
وكذلك أبو الطيب، بينا تراه على عادة الشعراء من متوسط وردي، حتى يأتي بجيد ترك الناس ينفضون غبار سبقه من هواديهم، وجلس على أسرة الأفق مطمئنا والشعراء يهيمون في واديهم. كما قال:
فذي الدار أخدع من مومسٍ وأمكر من كفة الحابل
ثم أردفه بقوله:
تفانى الرجال على حبها وما يحصلون على طائل
وكما قال يرثي والدة سيف الدولة:
أتتهنّ المصيبة غافلات ودمع الحزن في دمع الدلال
ثم قال:
وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ولا التذكير فخر للهلال
وكما قال منها:
رأيتك في الذين أرى مملوكا كأنك مستقيمٌ في محال
ثم أردفه بقوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
وكما قال في رثاء ابن سيف الدولة:
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل فهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي
ثم أردفه:
كأنك أبصرت الذي بي وخفته إذا متّ فاخترت الحمام على الثكل
وكما قال:
ليت المدائح تستوفي مناقبه فما كليبٌ وأهل الأعصر الأول
ثم أردفه بقوله:
خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به في طلعة الشمس ما يغنيك عن زجل
وكما قال:
نلومك يا عليّ لغير ذنبٍ لأنك قد زريت على العباد
ثم يقول بعد ذا:
كأنّ الهام في الهيجا عيونٌ وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صنعت الأسنّة من همومٍ فما يخطرن إلا في فؤاد
وهذان البيتان وإن عدت سرقاتهما فما فيها ما له هذه الديباجة ولا فيه هذه الطلاوة.
وكما قال:
[ ٤٠ ]
وشبه الشيء منجذبٌ إليه وأشبهنا بدنيانا الطّغام
ثم يردفه بقوله:
ولو لم يعل إلا ذو محلٍّ تعالى الجيش وانحطّ القتام
وكما قال:
أذمّ إلى هذا الزمان أهيله فأعلمهم فدمٌ وأحزمهم وغد
ثم يردفهما بقوله:
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدوّا له ما من صداقته بدّ
قيل إنه لما ادعى النبوة قيل له: ما معجزك؟ فقال: قولي ومن نكد الدنيا.. البيت وكما قال:
ستبكي شجوها فرسي ومهري صفائح دمعها ماء الجسوم
ثم يقول بعد هذا:
وكم من عائبٍ قولا صحيحا وآفته من الفهم السّقيم
وكما قال:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا وعناهم من شأنه ما عنانا
ثم يقول:
وإذا لم يكن من الموت بدٌ فمن العجز أن تكون جبانا
وكما قال:
نتاج رأيك في وقتٍ على عجلٍ كلفظ حرفٍ وعاه سامعٌ فهم
ثم يقول:
صدمتهم بخميس أنت غرته وسمهريّته في وجهه غمم
فكان أثبت ما فيه جسومهم يسقطن حولك والأرواح تنهزم
وكما قال:
وإنما يبلغ الإنسان طاقته ما كلّ ماشيةٍ بالرجل شملال
ثم يقول:
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ما قاته، وفضول العيش أشغال
وهذا البيت فيه ثلاثة أمثال.
وكما قال:
عجبت لمن له قدٌ وحدٌ وينبو نبوة القصم الكهام
ثم يقول:
ولم أر في عيوب الناس شيئًا كنقص القادرين على التمام
وكما قال:
ذريني أنل ما لا ينال من العلا فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل
ثم يقول:
تريدين لقيان المعالي رخيصةً ولا بدّ دون الشّهد من إبر النحل
وكما قال:
أبا شجاعٍ بفارسٍ عضد الد ولة فنّاخسرو شهنشاها
أساميا لم تزده معرفةً وإنما لذةً ذكرناها
فهذا يسير من كثير، وقليل من غزير. ولكن هذا القدر كاف في الدلالة على ماله من الجيد، فانظر إلى انحطاطه وارتفاعه. ولكن أين ارتفاعه. وهذان الرجلان قد سار ذكرهما وثبت أمرهما وأسكرت الألباب خمرهما.
وفي تعبٍ من يحسد الشمس ضوءها ويزعم أن يأتي لها بضريب
فالقاضي الفاضل ﵀ انفرد بالترسل، وانفرد المتنبي بالشعر مع مالهما من الانحطاط، ولكن انحطاط المتنبي أوضع وأشنع.
ولو أن الناس إذا رأوا جوادا بخل في وقت، أو شجاعا فر في وقت، أو صانعا ماهرا قصر في وقت، يرمونهم بالعيب ويطعنون عليهم ولا يعدون لهم إحسانا، لما كان في الوجود جواد ولا شجاع ولا صانع ماهر ولا خطيب بليغ ولا شاعر مجيد. وإنما العبرة بالأغلب والأكثر، والقليل معفو عنه، لأن العصمة لا تشترط إلا للمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه.
وللمعري بيتان يفضل فيهما أبا الطيب على أبي تمام وهما:
ما حبيبٌ إلا أديبٌ ولكن ما أراه يقارب المتنبي
ذا المعاني الغرائب اللائي أسهرن جفوني دهرا وتيّمن قلبي
ولما فرغ أبو العلاء من تصنيف كتاب اللامع العزيزي في شرح ديوان أبي الطيب وقرىء عليه، أخذ الجماعة في وصفه. فقال: كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ الغيب إذ يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
وقيل: إن المعري كان إذا خلا ممن لا يثق إليه قال: ناولوني معجز أحمد، يعني ديوان أبي الطيب وإذا كان في غير الخلوة يقول: الشاعر.
وهذا شبيه بما يحكى عن أفلاطون من أنه كان إذا جلس للناس، واستدعي منه الكلام قال: اصبروا حتى يحضر الناس، أو ربما قال: حتى يحضر العقل. يريد أرسطو. وكان يسمي ديوان أبي تمام ذكرى حبيب ويسمي ديوان البحتري عبث الوليد. وهذا يحتمل المدح والذم. أما المدح فلأن عبث الوليد حلو على القلوب. وأما الذم فلأن العبث من حيث هو مذموم عند العقلاء.
ويسمي ديوان ابن هانىء المغربي رحى تطحن قرونا ولعمري إن أبا العلاء المعري ما أنصف ابن هانىء في هذه التسمية. أليس هو الذي يقول في القصيدة الرائية:
[ ٤١ ]
وجنيتم ثمر الوقائع يانعا بالنصر من ورق الحديد الأخضر
ومنها
لا يأكل السرحان شلو طعينهم مما عليه من القنا المتكسر
وبعض الناس يمغلط في هذا البيت ويقول: هو بالذم أشبه منه بالمدح، لأنه وصفهم بأنهم لكثرة ما يجتمعون على الواحد من أعدائهم، يكسرون القنا في الطعان عليه حتى يقتلوه، فيجتمع عليه من الرماح المكسرة ما يمنع السرحان من أكله وليس الأمر كذلك، لأن الطعين المراد به أنه من الممدوحين أنفسهم، والمعنى: أنه إذا مات منهم طعين لا يموت إلا بعد أن يجتمع عليه من الأعداء خلق كثير. فالطعين من الممدوحين لا من عدوهم وهذا في غاية المدح.
أليس له تلك القصيدة الفائية، وما فيها من تشبيه الكواكب حتى انتهى إلى ذكر السهى فقال:
كأنّ سهاها عاشقٌ بين عوّدٍ فآونةً يبدو وآونة يخفى
وهي مشهورة وكلها جيد.
أليس له القصيدة الدالية التي أولها:
إمسحوا عن ناظري كحل السّهاد وانفضوا عن مضجعي شوك القتاد
أو خذوا مني ما أبقيتم لا أحب الجسم مسلوب الفؤاد
ومنها في وصف الدروع:
كل رقراق الحواشي فوقه كعيونٍ من أفاعٍ أو جراد
فعلى الأجساد وقدٌ من سنا وعلى الماذيّ صبغٌ من جساد
أليس له الفائية الأخرى التي يقول فيها:
ولقد هززت غصونها بثمارها وهصرتهنّ مهفهفا فمهفهفا
فرددتها من راحتيه مرّةً وشربتها من مقلتيه قرقفا
ما كان أفتكني لو اخترطت يدي من ناظريك على رقيبك مرهفا
أليس له القصيدة الكافية التي أولها:
فتكات طرفك أم سيوف أبيك وكؤوس خمرك أم مراشف فيك
أجلاد مرهفةٍ وفتك محاجرٍ لا أنت راحمةٌ ولا أهلوك
منها:
منعوك من سنة الكرى وسروا فلو عثروا بطيفٍ طارقٍ ظنّوك
ودعوك نشوى ما سقوك مدامةً لما تمايل عطفك اتّهموك
وله أشياء مليحة.
وأما تخلصاته فمن أحسن ما يكون ولكن المعري تحامل عليه. وأما أبو الطيب فمن سعادته أنه شرح ديوانه ما يقارب الأربعين فاضلا. منهم الواحدي وحسبك ومنهم الإمام فخر الدين، وللشيخ تاج الدين الكندي ﵀ حواش على ديوانه أحسن من حواشي الأصداغ في هوامش الوجنات، تشتمل على فوائد جمة وقواعد مهمة، من غريب لغة واعراب ومعنى ليس لها نظير. وقد سردت من شرح ديوانه في ترجمته في كتاب الوافي بالوفيات.
وقال الوزير المغربي في كتاب أدب الخواص وقد قال: المتنبي، وإخواننا المغاربة يقولون المتنبه.
قلت أنا: وهذا تحريف حسن من المغاربة، وما يليق أن يطلق عليه المتنبي. وكان الشيخ تاج الدين يروي لأبي الطيب بيتين يتصل سندهما به وليسا في ديوانه وهما:
أبعين مفتقرٍ إليك نظرتني فأهنتني وقذفتني من حالق
لست الملوم أنا الملوم لأنني أنزلت آمالي بغير الخالق
وعلى الجملة فقد رزق أبو الطيب من السعادة في شعره ما لم يرزقه غيره. وممن عابه وحط عليه الصاحب بن عباد في كراريس لطيفة، ومنهم ابن وكيع في المنصف وقال ابن شرف القيرواني في أبكار الأفكار وهو أجور من سدوم. والوحيد المغربي حط عليه وعلى ابن جني حطا بالغا ومنهم الحاتمي في رسيلة لطيفة، ورسالة أخرى أملاها الحاتمي في معايبه، وهي مجلدة لطيفة، وله الموازنة بينه وبين أبي تمام وللجرجاني ﵀ كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، ما خلا فيها من التمالي عليه، ومنهم الناصح ابن الدهان في رسالة سماها الرسالة السعيدية في المآخذ الكندية.
وقال رسول الله ﷺ: لو كان الإنسان كالقدح، لقال الناس ولولا. وما لمن يعيب جيده جواب إلا ما قاله هو في وصف قصديته:
بذي الغباوة من انشادها صمم كما تضر رياح الورد بالجعل