قال في هذا: ومما يعين على استخراج المعاني شاهد الحال.
أقول: ما أنكر أن مشاهدة الحال في الخارج تعين على تصور المعاني، إلا أن استنباط المعاني لا يفتقر فيه إلى المشاهدة، وقد جاء في الوجود جماعة من العميان الذين لم يشاهدوا الصور في الخارج، وأتوا بالتشبيهات البديعة، مثل بشار بن برد حيث قال.
كأن مثار النّفع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه
ومثل أبي العلاء المعري حيث يقول:
ولاح هلالٌ مثل نونٍ أجادها بذوب النّضار الكاتب ابن هلال
وحيث يقول:
ليلتي هذه عروسٌ من الزّن ج عليها قلائدٌ من جمان
وسهيلٌ كوجنة الحبّ في اللو ن وقلب المحب في الخفقان
ثم شاب الدّجى وخاف من الهج ر فغطى المشيب بالزعفران
وله أشياء كثيرة من التشبيه الغريب.
ومثل أبي البقاء العكبري حيث يقول:
وغديرٍ رقت حواشيه حتى بان في قعره الذي كان ساخا
وكأن الطيور إذ وردته من صفا مائه تزق فراخا
وما أحلى قول أبي طاهر حيدر في مثل هذا:
وضاحيةٍ وردت بها غديرا يقدّر من صفاء الماء أرضا
كأنّ الوحش حيث تغب فيه يقبل بعضها للشوق بعضا
ومثل جماعة تقدموا من الأضراء كأبي العيناء وابن سيده صاحب المحكم، والشاطبي ﵀، وغير هؤلاء ممن أتى بالغرائب، ولم يستعينوا بحاسة البصر.
فإن قلت: إن هؤلاء إن كانوا ما رأوا ولا شاهدوا، فقد سمعوا ما قاله غيرهم، وشبهوا كما شبه غيرهم. قلت: ما نازعتك في ذلك، وإنما أردت أن التشبيه لا يفتقر إلى الصورة الخارجة. فإن الناظم قد يتصور المعنى في ذهنه من عير أن يشاهده في الخارج، ويولد المعنى من معنى آخر. كقول ابن المعتز.
وأرى الثريّا في السماء كأنها قدمٌ تبدّت من ثياب حداد
فإنه ولد هذا المعنى من قول الآخر:
كأن كؤوس الشّرب والليل مظلمٌ وجوه عذارى في ملاحف سود
وكما قال ابن الذروي وقد ذكر أهل النوبة في مدح صلاح الدين:
سودٌ وتحمرّ الظبى حولها كأعين الرّمد بدت للأساه
أو لا فسمرٌ تنتحيها القنا مثل دنانٍ بزلت للسّقاه
فإنه ولد هذا المعنى الأول من قول الأرجاني:
وكأنّ كلّ شقيقةٍ محمرةٍ كحلت محاجرها بأحمر قان
عينٌ لإنسان وقد رمدت فما يبدو لرامقها سوى الإنسان
وولد المعنى الثاني من قول أبي العلاء المعري في تشبيه البرق:
إذا ما اهتاج أحمر مستطيرا حسبت الليل زنجيا جريحا
ولعمري لقد تصرف في هذا التشبيه الثاني تصرفا حسنا.
وكما ولدت أنا من قول الحصري:
الناس كالأرض ومنها هم من خشن اللمس ومن ليّن
مروٌ تشكّى الرجل منه الأذى وإثمدٌ يجعل في الأعين
فنقلته إلى معنى المتنبي المشهور وقلت:
[ ٤٤ ]
مولى تفرع من كرامٍ وجههم وبنانهم للمجتلي والمجتني
سادوا الأنام علا وهم من جنسهم ومن الحجارة إثمدٌ في الأعين
وولدت أيضًا من قول بعض العرب:
كأنّ هلاله مرآة قينٍ لها شطرٌ يلوح من الغلاف
فقلت في العذار:
قلت إذ قيل لي تسلّ فهذا صدغه قد دجا وكان ينير
هي مرآة خده غاب منها في غلاف العذار شيءٌ يسير
أو يعكس المعنى إلى ضده وهو في التشبيه كثير، لأن التشبيه واقع بين طرفين، شبيه ومشبه به. فإذا شبهت النجوم بالشرار جاز أن تشبه الشرار بالنجوم، وإذا شبهت البرق بالسيف، جاز أن تشبه السيف بالبرق، وإذا شبهت الهلال بالقلامة، جاز أن تشبه القلامة بالهلال.
قال ابن المعتز:
ولاح ضوء هلالٍ كاد يفضحنا مثل القلامة إذ قدّت من الظفر
وعكس ذلك سعد الدين ابن عربي فقال في مليح قلم أظافره:
أبعدت ظفرك وهو بعضك فالذي يهواك أجدر بالبعاد الأطول
فأجابني: أتظنني قلمتها عن حاجةٍ، لا بل لمعنىً عنّ لي
لأريك يا من بالهلال يقيسني أنّ الهلال قلامةٌ من أنملي
وما أحسن قول الحسن بن إبراهيم النطري في المقص والأنامل والقلامات والأظفار:
ما عاملٌ يحكي إذا استعملته وأعانه خمسٌ بهنّ يدور
صقرا يصيد أهلّةً يلمعن من أعلى بدورٍ تحتهنّ بحور
وعكست أنا قول بعضهم في الورد:
كأنّ احمرار الورد والطلّ فوقه خدودٌ توالى فوقها الدمع بالوكف
فقلت من أبيات:
أقسمت ما سجعت ورق الحمائم في روضٍ على مثل عطفيها ولا صدحت
وكلما اعتدلت بالميل قامتها رأيتها فوق حسن الغصن قد رجحت
وما اكتسى خدّها من لؤلؤٍ عرقا لكنها وردةٌ بالطل قدر رشحت
وعكست أيضًا التشبيه الوارد في قوله تعالى " وهي تجري بهم في موج كالجبال " فقلت:
قد ركبّنا على البريد لمصرٍ بحر رملٍ عجاجه عجّاج
فعكسنا التشبيه لما جرينا في جبالٍ كأنها أمواج
ومثل هذا يسمى غلبة الفرع على الأصل، كما إذا شبهت العرجون بالهلال، والغصن بالقد، والنرجس بالعيون، والليل بالشعر والصبح بالثغر. وهو مشهور.