وأما كون ابن الأثير رحمه الله تعالى يأتي بسجعتين لزومهما من أخف ما يكون ويعدهما من اللزوم ويستشهد بهما في كتابه من كلامه فإن هذا من العجيب. ولو كان الكاتب كله من أوله إلى آخره بلزوم الراء قبل القاف، لما كان كبير أمر.
ألم ير كتاب اللزوميات لأبي العلاء، وهو مجلد كبير نظم على حروف المعجم. ألم ير المقامات التميمية وهي خمسون مقامة أنشأها السرقسطي ملزومة من أولها إلى آخرها وقد جمع الشيخ شرف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ من شعره جزءا جيدا من باب اللزوم، أتى فيه بأبحر العروض وضروبها، والشعر في غاية الحسن ولطف التركيب وجودة المعاني ورقة الألفاظ.
من ذلك قوله:
متيمٌ ودّ في عينيه لو خبأك ماذا يضيرك لو عرّفته نبأك
إن أثّرت مقلتي في وجنتيك فقد نكأت قلبي بها أضعاف ما نكأك
أدميت خديك إذ أدميت لي كبدي أنصف وقل لي ترى بالشر من بدأك
منها.
قد قلت للسجف لما أن حجبت به يا سيف ليتك قد أخفيت لي رشأك
ويا منمنم خطي عارضيه لقد قراك مهجته العاني وما قرأك
وأنت يا من يساميني إلى شرفي لقد وسعت إذا أضعاف ما ملأك
هذا وسرحك يرعى في حمى كلأي فلا رعى سرحك الباري ولا كلأك
قل ما بدا لك من لؤمٍ لذي كرمٍ فلو نبحت طوال الدهر ما خسأك
انظر إلى لطف هذا النظم وانسجامه، وإلى هذه القوافي وتمكنها في أماكنها وما أحلاها في مواطنها، وإذا أفردتها من تركيبها لم يكن لها هذا الحسن. وما أقوى تركيبها في بنائها نفسها، وليست على إفرادها بعذبة في السمع. وهنا يبين قدر الناظم. وما أحلى قوله: فلا رعى سرحك الباري ولا كلأك.
ثم إن ابن الأثير ﵀ ساق بعد تينك السجعتين شيئًا آخر من كلامه سجعتين سجعتين أيضًا مثل: بابه واغبابه، وعرضا وأرضا، وأنزلته وحولته، واطرافها واطرافها، وسكناه ويمناه، وليس ذلك من النادر الحسن. كما جاء في كلام القاضي الفاضل رحمه الله تعالى في قوله: والإنعام الذي هو الحقيقة وما سواه مجاز، والفضل الفصل اللذين وردا بالإسهاب والإيجاز، والجميل المخلد الذكر فإنه تنجيز وعد الخلود وإن جاز فيه إنجاز.
[ ٣٤ ]
وفي قوله: وعرفت الإنعام بالخلع، ومن تكفل في مواقف المناظرة بطي لسانها تكفلت له المملكة بأن يزهى بطيلسانها، وأحلته من سواد الخلع في خلعة إنسانها.
وفي قوله في وصف ليل: في ليل كموج البحر، له أنجم كحبب النهر، وقد حشر الهموم وحشدها وهدى ضوالها وأنشدها. فأقول لما تمطى بصلبه: قطع الله صلبك، ومتى أرى عمود الصبح وقد عجل الله عليه صلبك.
وفي قوله: واطلعت شرف الأربعين وما تركت شرف العشرين، وقلت للنفس: أنساني نيسان ما تشرين لتشرين.
وفي قوله: وأوحشني قوله: إني بعثت بالكتاب مرتادا ومستأذنا، وكيف ترى في معشر طلبته بالحقوق لأستاذنا، ووجدت ريح كتبه وروح قربه فرجعنا إلى العادة وعادت أيامنا، وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا، وعاودنا المنى وما كانت تخطر وإن خطرت فإنها كلا منى.
كذا يكون اللزوم حسنا، وكذا تكون الفصحاء لسنا، لا ما أورده ابن الأثير من الحشف، وساقه من الغث الذي مجه السمع وما ارتشف.
وقد اتفق لي في اللزوم أبيات ثنى، لا بأس بإثبات شيء منها هنا.
قلت:
أدعوك يا موجد الأشياء من عدم وصانع العالم العلوي والأرضي
إن كنت تعرض يوم الحشر لي عملا فلا تقدّر له طولا على عرضي
وقلت أيضًا:
يا ساحبا ذي الصبا في الهوى أبليته في الغي وهو القشيب
فاغسل بدمع العين ثوب التقى ونقّه من قبل عصر المشيب
وقلت أيضًا:
وجدت في عشرة صحبي أذى لما لزمت البيت في الوقت زال
يا عجبا من أشعريّ غدا يحمد رأي الناس في الاعتزال
وقلت أيضًا:
إن اللطافة لم تزل عند الأكابر فاشيه
أرأيت عمرك في الورى طرفا رقيق الحاشيه
وقلت أيضًا:
لا ترع للملاّق عهدا ولا تصغ لما نمّقه واختلق
فأنت تدري ما جنته يد الر امي على الطير برعي الملق
وقلت أيضًا:
أتاني وقد أودى السهاد بناظري يمزق جنح الليل بارق فيه
فقلت له: يا طيّب الأصل هكذا أخذت الكرى مني وعيني فيه
وقلت أيضًا:
إن عيني مذ غاب شخصك عنها يأمر السهد في كراها وينهى
بدموعٍ كأنهنّ الغوادي لا تسل ما جرى على الخد منها
وقلت أيضًا:
فدّيت حبيبا ضرّج الحسن وجهه فصبّ على خديه ذوب عقيق
إذا عاين الروض المدبّج خدّه يقول لنا هذا أخي وشقيقي
وقلت أيضًا:
أنفقت كنز مدائحي في ثغره وجمعت فيه لكل معنى شارد
وطلبت منه جزاء ذلك قبلةً فأبى وراح تغزلي في البارد
وقلت أيضًا:
وقف القضيب لقده لما مشى وجرت دموع العين في تحصيله
رشا كساه الحسن منه حلةً جاءت بجملتها على تفصيله
وقلت أيضًا:
قالوا وقد مادت بغصن النّفا أسرفت في الحب بلا فائده
فقلت منهوم الهوى لم يكن يشبع إن لذت له المائده
وقلت أيضًا:
لما تناءيت عنكم ما زال عنّي عنائي
ولو قفلت إليكم فتحت باب الهناء
وقلت أيضًا:
كن كيف شئت فإن قد رك قد غلا عندي وعزّا
مات السلوّ تعيش أن ت أما رأيت الصبر عزّى
وقلت أيضًا:
له في خده آيات حسنٍ وليس لعقدها في الحب فسخ
وريحان العذار له حواشٍ على نار لهما بالروح تسخو
وقلت أيضًا:
يا عجبا من معشر سكرهم أثبتهم في عالم المحو
وكل كأس شمسه أشرقت ويومهم عارٍ من الصحو
وقلت أيضًا:
رشأٌ سار بقلبي وأنا أشكر سيره
فسبى صبري لمّا لم يجد القلب غيره
أقول: إنني ما أثبت هذه الأبيات لما فيها من اللزوم ولا بد فإن ذلك إنما جاء فيها ضمنا وتبعا، وإنما أثبتها لما فيها من التورية. وذلك ظاهر لمن تأمل مواضعها.
[ ٣٥ ]
وكتبت بقدوم ركاب مولانا السلطان خلد الله ملكه من الحجاز الشريف سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة لمولانا ملك الأمراء بالشام المحروس أعز الله أنصاره: ضاعف الله نعمة الجناب العالي وسره بما عطر الوجود من أنباء سلطانه، وأبهجه بعود مليكه بعد بلوغ أوطاره إلى أوطانه، وملأ سمعه بما ملأ قلب الإسلام فرحا حتى فاض قليبه مسرة بغير أشطانه.
صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تطوى على سلام يتعوذ البدر بكماله من نقصانه، وتنشر عن ثناء رقص الحمام بأسجاعه أعطاف أغصانه، وتوضح لعلمه الكريم أنه سطرناها بعد ورود ركابنا الشريف إلى مستقر ملكه بقلعة الجبل التي حللنا مغناها، وضوأنا بنير وجهنا الشريف أفقها وقد كانت كالألفاظ المبهمة فلما حللناها ظهر معناها، ووردناها وهي أشد شوقا إلينا من الرياض الذاوية إلى الغمام، وأعظم كلفا من المشوق بنسمات الحمى وسجعات الحمام، وأكثر تطلا من الساري في الظلام إلى طلعة البدر التمام، فزينا سماءها، وجلينا ظلماءها وبللنا غلة أشواقها، وفككنا يد الوحشة التي أخذت بأطواقها. هذا والظفر نزيل جناب جنائبنا، والنصر خادم ركاب ركائبنا، والسعود سائرة بين أيدينا، والوجود، بالتأييد من سائر الجهات ينادينا، والبروق قد بعثت في الآفاق ملطفات البشائر مخلقة، والأولياء قد حفت بركابنا فما قصرت عنها سوابق نعمنا لما رأيناها محلفة.
وقد قضينا بحمد الله ومنه مناسك الحج، ورفعنا صوتنا بالنداء وأكفنا بالندى فرأى الناس كيف يكون العج، والغيث كيف يكون الثج، ونفحنا من سرانا بنار البرق وفحمة الدجى في ضرم، وعطفنا من مكة شرفها الله إلى المدينة أعزها الله فما سرنا من حرم إلا إلى حرم. فنلنا بفضل الله تعالى ما أميناه وأملناه، وأدينا الأمانة للشوق في التملي بالحجرة الشريفة كما حملناه، وشافهنا ذلك المقام الشريف بالسلام عند الوصول إلى السول، وخلونا به فما كان بيننا وبين الرسول رسول، فالجناب العالي يأخذ حظه من هذه البشرى التي ابتهج بها الإسلام، وترنحت لها أعطاف المنابر وعددت هباتها أنامل الأعلام، ونطقت بمحامدها حتى أفواه المحابر بألسنه الأقلام. ولا يكلف الرعايا في هذه البشرى شيئًا لتكون القربة بريئة من الشوائب، خلية من المعائب، فإن الصواعق تكدر جود السحائب، والملل ينغص وصل الحبائب.
والله يبقى الجناب لهناء نسمعه نغماته المطربة، وثناء تترنح له أعطاف الطروس وتترنم له ألسنة الأقلام في أيدي الكتبة المعربة بمنه وكرمه.
وغالب ما أنشئه أنا إنما آتي به ملزوما، وخطبة هذا الكتاب ملزومة.
قال في اللزوم أيضًا: وقد ورد للعرب شيء من ذلك، فمما جاء منه قول بعضهم في أبيات الحماسة:
إن التي زعمت فؤادك ملّها خلقت هواك كما خلقت هوىً لها
وساق الأبيات المشهورة.
أقول: ليس من اللزوم هذا في شيء، وإنما القافية اللام والهاء صلة. ألا ترى أنه لو قال في بعض قوافيها: أقرها أو أصمها لما جاز ذلك. وهذا النوع كثير في شعر العرب وليس هو من اللزوم كقول كثير عزة:
خليليّ هذا ربع عزة فاعقلا قلوصيكما ثم انزلا حيث حلّت
وهي قصيدة طويلة، القافية فيها اللام، وأبيات الحماسة التي لعمرو بن معد يكرب:
ولما رأيت الخيل زورا كأنّها جدال زرعٍ أرسلت فاسبطرّت
الأبيات.
القافية فيها الراء. على أن ابن الأثير جعلها من باب اللزوم، وهذا أقرب إلى اللزوم من الأول. ولو أورد هذه وادعى أنها من اللزوم لكان له بعض شبهة. فإن أبا تمام وغيره يرون أن القافية هنا التاء. ونظم أبو تمام قصيدة تائية على هذا. وهي:
نسائلها أيّ المواطن حلّت وأيّ ديارٍ أوطنتها وأيّت
وكذلك تائية شرف الدين بن الفارض نظم السلوك، والأخرى القصيرة، والمحققون لا يجيزون ذلك ويعيبونه. وأبيات سلمى بن ربيعة شاعر الحماسة:
حلّت تماضر غربةً فاحتلّت فلجا وأهلك باللّوى فالحلّت
أبيات طويلة لم يجعل رويها غير اللام.
وكذلك قول سليمان بن قتبة العدوي من شعراء الحماسة:
مررت على أبيات آل محمدٍ فلم أرها كعهدها يوم حلّت
وفي الحماسة من هذا النوع كثير. أما أبيات الحماسة:
وحربٍ يضجّ القوم من نفيانها ضجيج الجمال الجلّة الدّبرات
[ ٣٦ ]
فإنها من باب اللزوم، أما التي أوردها ابن الأثير فلا.
قال: وقد ذكر بعضهم في هذا النوع ما ورد في أبيات الحماسة. وهو:
وفيشةٍ ليست كهذي الفيش.
ثم ساق الأبيات وقال: وليس هذا من باب اللزوم. وأخذ يستدل على صحة دعواه، إما بما مغلط فيه، وإما بما خفي الصواب فيه عليه. وأقول: إن هذه الأبيات من باب اللزوم، بدليل أنه لو قال فيها حوش لجاز. وأما استدلاله بعرش وطيش فلا يسلم له. والواو والياء تقعان ردفا قبل الروي كما تقول: قصور وقصير، وكسور وكسير. وهو أشهر وأظهر من أن يستشهد له بشيء.
قال في اللزوم أيضًا: واعلم أنه إذا صغرت الكلمة الأخيرة من الشعر، أو من فواصل الكلام المنثور، فإن ذلك ملحق باللزوم ثم أورد قول الشاعر:
عزّ على ليلى بذي سدير سوء مبيتي ليلة الغمير
وساقها إلى آخرها.
أقول: ليس ذلك من اللزوم، فإن طمرا وظهرا وصدرا، وسحرا ومطرا وقمرا، إذا كان جميع ألفاظها مبكرا فلا لزوم فيها. نعم لو كانت القوافي التي ذكرها، قميرا وغميرا وعميرا وجميرا وسميرا ونميرا، لعد ذلك من اللزوم لوجود الميم. فإن الناظم لا يتكلف لمثل ما أورده ولا يلزم نفسه شيئًا، بل كل قافية رائية أو غير بائية يجوز تصغيرها. ومن عجائب هذا الرجل ﵀ أنه يعد مثل هذا لزوما ثم إنه يقول بعد سطرين: وربما وقع بعض الجهال في هذا الموضع فأدخل فيه ما ليس منه. كقوله تعالى: " إن المتقين في جنّات ونعيم. فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ". وهذا لا يدخل في باب اللزوم، لأن الأصل فيه، نعم وجحيم. والياء هي من حروف المد واللين.
أقول: من المطبوع قول القائل:
لو أراد الله خيرا وصلاحا لمحبّه
نقلت رقة خدي هـ إلى قسوة قلبه
وكذا هذا الرجل، لو وفقه الله في هذا المقام، كان كلامه هنا قد نقله إلى ما ذكره من التصغير، وقال: إن الياء هنا للتصغير فلا عبرة بها لأن الأصل: سدر وغمر في سدير وغمير. على أنني أضعت هذين البيتين اللذين أوردتهما هنا متمثلا، فإنهما أشرف من كذا. وما يقال هنا إلا: فديتك لا تزني ولا تتصدقي.
وأما الآيات الكريمة التي أوردها فإنها من باب اللزوم. فإنه يجوز في السجع أن يقال: سموم وحميم فيجمع بين الواو والياء كما تقدم. وأما جحيم ونعيم وحميم فإنه من باب اللزوم وقد خبط في هذا الباب كما خبط في التجنيس. على أن لزوم ما لا يلزم والتجنيس من واضح البديع ومن اشتغل بذلك تنبه لهما في المبادىء لوضوحهما.
وعجبت لابن أبي الحديد كونه ما تنبه لهذه الأشياء.