قال في النوع الثالث والعشرين في التخلص والاقتضاب، وقد أورد قول أبي تمام من جملة أبيات:
لا والذي هو عالمٌ أنّ النوى أجلٌ وأنّ أبا الحسين كريم
ثم قال: وهذا خروج من غزل إلى مديح.
أقول: المشهور في هذا البيت أن أبا تمام قاله:
لا والّذي هو عالمٌ أنّ النوى صبرٌ
وما رأيت من أورده كذا، ولا وقفت عليه في ديوان على كثرة النسخ به إلا وهو مثبت كما ذكرته. وأما أرباب البلاغة، فقد ذكروا البيت وعدوه من العيوب، لأنه لا مناسبة بين الصبر والكرم. ولو قيل: إن الزمان بخيل وأبا الحسين كريم، أو يقول إن النوى صبر وإن الوصال شهد، كان مناسبا. وما ذكره أحد فيما علمت إلا وعده عيبًا، وهذا عده من المحاسن ومثل به وغير لفظه. والعدالة غير هذا، وليته أصلحه لما غيره.
ولا بأس بإيراد نبذ مما جاء للشعراء في هذا النوع. من ذلك قول المعري أبي العلاء وقد ذكر النوق:
سألن فقلت مقصدنا سعيدٌ فكان اسم الأمير لهنّ فالا
وقول مسلم بن الوليد:
يقول صحبي وقد جدّوا على عجلٍ والخيل تستنّ بالرّكبان في اللّجم
أمطلع الشّمس تبغي أن تؤمّ بنا فقلت: كلاّ ولكن مطلع الكرم
وقد أخذه أبو تمام أخذا وفلذه فلذا فقال:
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمّ بنا فقلت: كلاّ ولكن مطلع الجود
وأخذه الغزي أيضًا، وسبكه فلبكه إذ قال:
تقول إذا حثثناها وظلّت تناجينا بألسنة الكلال
إلى أُفق الهلال مسير ركبي فقلنا: بل إلى أُفق النّوال
وقول علي بن الجهم:
وليلةٍ كحلت بالنقس مقلتها ألقت قناع الدّجى في كلّ أُخدود
[ ٨٨ ]
تكاد تغرقني أمواج ظلمتها لولا اقتباسي سنا من وجه داوود
وقول القائد أبي عبد الله السنبسي يمدح سيف الدولة صدقة بن منصور:
ونرجسٍ خضلٍ تحكي نواظره أحداق تبرٍ على أجفان كافور
كأنّما نشره في كل باكرةٍ مسكٌ تضوّع أو ذكر ابن منصور
وقول ابن سناء الملك:
لا يرجع الكلف المشوق عن الهوى أو يرجع الملك العزيز عن النّدى
وقوله أيضًا:
فالوجد لي وحدي دون الورى والملك لله وللظّاهر
وقول ابن الساعاتي:
وجدي وان كنت الذّليل ببيضه وجد العزيز بكلّ لدنٍ أسمر
وقوله أيضًا:
كم وقفنا فيها مع الغيث مثلي ن جفونا وكّافةً وغماما
أثخنته ظبى البروق جراحا منهراتٍ سالت عليه ركاما
وكأنّ الغمام نقعٌ وقد جر رد فيه الملك المعزّ حساما
وأحسن من هذا كله قول الشيخ شرف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ بحماة من غزل قصيدة يمدح بها النبي ﷺ:
فمن رأى ذلك الوشاح الص ائم صلّى على محمّد
وقول أبي الحسين الجزار يمدح جمال الدين موسى بن يغمور:
جسرت على لثم الشّقيق بخدّها ورشف رضابٍ لم أزل منه في سكر
ولست أخاف السّحر من لحظاتها لأنّي بموسى قد أمنت من السحر
وقوله أيضًا يمدح فخر القضاة نصر الله بن بصاقة:
وكم ليلةٍ قد بتّها معسرا ولي بزخرف آمالي كنوزٌ من اليسر
أقول لقلبي كلما اشتقت للغنى إذا جاء نصر الله تبت يد الفقر
وعلى ذكر المخلص، فما أحلى قول السراج الوراق:
لئن خفّ صدري للقوافي ونظمها ففي من وظل الجود عني مقلّص
وكم مطلعٍ حبّرته من قصيدةٍ يقول عيسى لي أو عسى لك مخلص
وظرف من ذم التخلص في بيت واحد حيث قال:
بينا ذوائب من يحبّ بكفّه حتى تعلّق لحية الممدوح