قال: ومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب فقلت: والشيب إعدام لا يسار، وظلم لا أنوان، وهو الموت الأول الذي يصلي نارا من الهم أشد وقودا من النار، ولئن قال قوم إنه جلالة فإنهم دقوا به وما جلوا، وأفتوا في وصفه بغير علم فضلوا وأضلوا، وما أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا. ون عجائب شأنه أنه المملول الذي يشفق من بعده، والخلق الذي يكره نزع بدره، ولما فقد الشباب كان عنه عوضا ولا عوض عنه في فقده.
أقول: إنه أخذ بعد فراغه من هذا الفصل في الدندنة على العادة، وأن المعنى الذي ابتدعه هو تشبيه الشيب بآلة الحرث، وقد شبه الناس الشيب بأشياء منها اشتعال النار، وقد نطق القرآن العظيم به في قوله تعالى " واشتعل الرأس شيبا ".
وقال الأرجاني:
قد أشعل الشيب رأسي المبلا عجلا والشمع عند اشتعال الرأس ينسبك
فإن يكن راعها من لونه يققٌ فطالما راقها من لونه حلك
ومنها تشبيه بالصبح، قال:
وقالوا انتبه من رقدة اللهو والصبا فقد لاح صبحٌ في دجاك عجيب
فقلت: أخلاّني دعوني ولذّتي فإن الكرى عند الصباح يطيب
ومنها تشبيهه بالنجوم، قال:
ومنها تشبيهه بالتبسم. قال أبو تمام:
رأت تبسّمه فاهتاج هائجها وقال لاعجها للعبرة انسكبي
فلا يؤرّقك إيماض القتير به فإنّ ذاك ابتسام الرأي والأدب
ومنها تشبيهه بالحبب. قال
ومنها تشبيهه بالغبار قال ابن المعتز:
صدّت شرير وأزمعت هجري وضعت ضمائرها إلى الغدر
قالت كبت وشبت قلت لها هذا غبار وقائع الدهر
[ ٥٥ ]
ومنها تشبيهه بالسيف، قال:
أنا إن نزعت عن الغواية والصبا فلطالما استهوتني الآثام
أصبو سيفٌ للمشيب مجرّدٌ وقلت نورٌ بدا على قضبه
ومنها تشبيهه بالزهر. قال الغزي:
تألق الشيب فاعتذرت له وقلت نورٌ بدا على قضبه
كأن ثغر الحبيب ركّب في مفارقي ما أضاء من شنبه
ومنها تشبيهه بالبوم والقطاة كقول الشافعي ﵁ في أبياته التي منها:
أيا بومةً قد عششت فوق هامتي على الرغم مني حين طار غرابها
وقال الغزي:
قطاةً في الهداية كان شيبي وإن سمّته نقبته غرابا
وشبهه السراج الوارق بالقرطم، وإنما حسن ذلك لأنه رحمه الله تعالى كان أشقر. فقال.
ذهب العصفر مني وبدا قرطم شيبي
والتي قد ملكت رق بي ردّتني بعيبي
وقيل لأعرابي عن الشيب: ما هذا البياض الذي في رأسك؟ فقال زبدة مخضتها الأيام وفضة سبكتها التجارب.
وما أحسن قول القاضي الفاضل ﵀.
إليك بعد انقضاء اللهو واللعب عني فلم أر بي ما يقتضي أربي
والعمر كالكأس والأيام تمزجه والشيب فيه قذىً في موضع الحبب
وشبه بأشياء مناسبة غير هذه، ولم أر لأحد تشبيهه بآلة الحرث، وأي مناسبة بين آلة الحرث والشيب وما وجه الشبه وليس هذا من باب تشبيه المحسوس بالمحسوس، ولا من باب المحسوس بالمعقول، وما أدري ما هو، وأما تشبيه الهرم بالحرث نفسه فجائز وأما قوله اعدام لا يسار، فمأخوذ من قول المتنبي:
وقد أراني الشباب الروح في بدني وقد أراني المشيب الروح في بدلي
وأما قوله ظلام لا أنوار، فمأخوذ من قول أبي تمام:
له منظرٌ في العين أبيض ناصعٌ ولكنه في القلب أسود أسفع
وقول أبي الطيب:
ابعدت بياضا لا بياض له لأنت أسود في عيني من الظلم
وما أحسن قول الغزي:
كيف لا ينفر الظباء من الشي ب ومن عادة الظباء النفور
أبيضٌ مظلمٌ وكل بياضٍ في سوى العين والمفارق نور
وأما قوله: وهو الموت الأول.. السجعة، قال محمود الوراق: الشيب إحدى الميتتين.
وقال غيره: الشيب غمام قطر الغموم.
وأما قوله: ولئن قال قوم إنه جلالة.. السجعة، فذكرت به قول بعض المتأخرين:
وقالوا شباب المرء لهوٌ وغرّةٌ ومن خلفه شيب الوقار ولا ريب
وأي وقارٍ لامرىءٍ عرّي الصبا وقدّامه شيبٌ ومن خلفه شيب
وأما قوله: وهو المملول الذي يشفق من بعده، فمأخوذ من قول مسلم ابن الوليد وقول مسلم في غاية الحسن:
الشيب كرهٌ وكره أن يفارقني اعجب بشيءٍ على البغضاء مودود
يمضي الشباب فيأتي بعده بدلٌ والشيب يذهب مفقودا بمفقود
قيل: إن المنذر بن أبي سبرة نظر إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع فقال له: ما أصبرك على هذا القميص؟ فقال: رب مملول لا يستطاع فراقه. فبعث إليه تختا من ثياب.
ونظر سليمان بن وهب في المرآة فرأى الشيب فقال: عيب لا عدمناه وقد جاء في ترسل الفاضل ذكر الشيب فقال: فمن يطلع شرف السبعين يهبط إلى الحضيض، ومن يعمر العمر الطويل يقع في الطويل العريض وأيام المشيب كلها بيض، وما نحن ممن يصوم الأيام البيض.
وما ألطف قول ابن المعتز:
أيا نفس قد أثقلتني بذنوبي أيا نفس كفي عن هواك وتوبي
وكيف التصابي بعد أن ذهب الصبا وقد ملّ مقراضي عتاب مشيبي
وما أحلى قول:
ألا يا ساريا في بطن قفرٍ ليقطع في الفلا وعرا وسهلا
قطعت نقا المشيب وبنت عنه وما بعد النقا إلا المصلّى
ولبعض الشعراء:
ولما رأيت الشيب راءً بعارضي تيقنت أنّ الوصل لي منك واصل
ربما يفهم من هذا البيت غير ما قصده الناظم، فيتوهم أنه يظن أن الشيب سبب لوصاله وهو على خلاف المعهود من كلام الشعراء، فإنهم ما زالوا يقولون إن الشيب سبب نفار الغواني عن المحبين.
وما أحسن قول خالد الكاتب في هذا:
[ ٥٦ ]
لما رأت شيبا ألمّ بمفرقي صدّت صدود مفارقٍ متجمّل
وجعلت أطلب وصلها بتذللٍ والشيب يغمزها بأن لا تفعلي
والشاعر إنما أراد هذا المعنى المعهود، فإن واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة، كان يلثغ في الراء لثغة قبيحة، وكان يتجنب الراء في كلامه، ولا تكاد تسمع منه كلمة فيها راء ويقال إنه امتحن ليقرأ أول سورة براءة فقرأ من غير فكر ولا روية: عهد من الله ونبيه إلى الذين عاهدتم من الفاسقي، فسيحوا في البسيطة هلالين هلالين.
وبلغه أن بشار بن برد هجاه، فقال غير مفكر: أما آن لهذا الأعمى الملحد المكنى بأبي معاذ من يقتله. أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضطجعه ثم لا يكون إلا سدوسيا أو عقيليا.
فقال الأعمى ولم يقل الضرير، وقال الملحد ولم يقل الكافر، وقال أبو معاذ ولم يقل بشار بن برد ولا المرعي، وقال الغيلة ولم يقل الغدر، وقال الغالية ولم يقل المغيرية ولا المنصورية، وقال بعثث ولم يقل سيرت، وقال يبعج ولم يقل يبقر، وقال مضطجعه ولم يقل فراشه، وأراد بذكر عقيل وسدوس ما كان بشار بن برد يذكره من الاعتزاز إليهما.
وقال فيه بعض الشعراء يمدحه:
ويجعل البرّ قمحا في تصرفه وخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرا والقول يعجله فجاء بالغيث إشفاقا من المطر
فلهذا قال الشاعر ذلك البيت. وشبه الوصل بواصل، وشبه الشيب بالراء. مراده أنه يجفوه جفاء واصل الراء.
وقال آخر فأحسن:
أعد لثغةً لو أن واصل حاضرٌ ليسمعها ما أسقط الراء واصل
وقال الرمادي في مليح ألثغ.
لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا الهجر يجمعنا فنحن سواء
فإذا خلوت كتبتها في راحتي وقعدت منتحبا أنا والراء
وقال الأرجاني:
هجر الراء واصل بن عطاءٍ في خطاب الوري من الخطباء
وأنا سوف أهجر القاف والرا ء مع الضاد من حروف الهجاء