قال في النوع الرابع في لزوم ما لا يلزم ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن ذم جبان فقلت: إذا نزل به خطب ملكه الفرق، وإذا ضل في أمر لم يؤمن إلا إذا أدركه الغرق.
أقول: في السجعة الثانية عدم مطابقة، وما يقابل الضلال إلا بالهدى، ولا الإيمان إلا بالكفر. فيقال في ذلك: فإذا كفر نعمة لم يؤمن، وإذا ضل في أمر لم يهتد. وهذا من العيوب المعدودة.
وقد عيب على أبي الطيب قوله:
نظرت إلى الذين أرى ملوكا كأنك مستقيمٌ في محال
وكان ذلك بحضرة سيف الدولة. فقيل له: إنما يقابل المستقيم بالمعوج، والصناعة تقتضي أن تقول: كأنك مستقيم في اعوجاج. فقال له سيف الدولة: لو أن القافية جيمية كيف كنت تصنع في البيت الثاني؟ فقال أبو الطيب من غير روية: كنت أقول:
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإنّ البيض بعض دم الدجاج
فاستحسن ذلك من سرعة بديهته.
على أن المتنبي وقع له هذا كثيرًا في شعره. من ذلك قوله:
ولكل عين قرةٌ في قربه حتى كأنّ مغيبه الأقذاء
القرة إنما ضدها الإسخان، والقذى ضده الجلاء. وقوله:
ولم يعظم لنقصٍ كان فيه ولم يزل الأمير ولن يزالا
العظم ضده الحقارة، والنقص ضده التمام أو الكمال وقوله:
وإنه المشير عليك في بضلّةٍ فالحرّ ممتحنٌ بأولاد الزنا
الحر ضده اللئيم.
وإن أمكن التأويل لأبي الطيب في هذه وأمثالها، لكن الأحسن أن تكون كما ذكرته. وهذا النوع كثير في شعره.