قال في الفصل التاسع في أركان الكتابة: إن الكاتب من أجاد المطلع والمقطع، أو يكون مبنيًا على مقصد الكتاب. ثم قال: وهذا يشترك فيه الكاتب والشاعر.
[ ١٤ ]
أقول: هذا فيه تسامح، فإن الشاعر في كل وقت ما يفتتح قصيدته بما يدل على مقصوده. فإن من مدح يطلب الإرفاد والإعانة بمال أو مركوب أو شفاعة أو طلب ولاية، ثم صدر تلك القصيدة بغزل يصف فيه محبوبه، أو وصف هوى أو غربة أو شوق أو مسير، كيف يتأتى له ذلك؟. نعم إذا كان مدحا مجردا بلا غزل لاق به ذلك، وأكثر ما يكون المدح مجردا من الغزل إذا كان في واقعة تجددت للمدوح فيهنئه الشاعر إما بولاية منصب أو بظفره بعدو أو بمولود أو بسلامة من حادثة أصابته أو هناء بعافية أو بتشيف أو غير ذلك من مجددات الوقائع. ولولا خوف الإطالة ذكرت الشواهد على ذلك.
وأما الكاتب فإنه إن كتب إلى من هو دونه أو مساويه أو أرفع منه، بحيث أنه تمكن مخاطبته بالدعاء، فيحتاج إلى أن يكون الدعاء مناسبا لما يتضمنه الكتاب من شوق أو وحشة أو هدية أو استهداء أو شفاعة أو سؤال أمر أو شكر أو هناء أو عزاء أو ما هو بحسب الحال. وهذا النوع إنما حافظ عليه المتأخرون من الكتاب خصوصا في التقاليد والتواقيع فإنهم راعوا ذلك. ولولا خوف الإطالة لأوردت من ذلك جملة كافية.
على أن هذا لا يحتاج أهل هذا العصر إلى التنبيه عليه، لأنه هذا الأمر قد اشتهر بين كتابه.. وقد بقي هو الغاية المطلوبة من الكاتب. حتى إنه ليقال: افتتح تقليده أو توقيعه أو كتابه بكيت وكيت. ويذكر اسم صاحب التقليد في أول السجعة، أو ينبه على معنى ما اشتمل عليه الكتاب. فمنهم السابق ومنهم المقصر. وقد يتفق في غالب الأوقات اسم المكتوب له والوظيفة، فينبه الكاتب على المعنى. ألا ترى ما أحسن قول وقد كتب تقليدا بولاية العهد للسلطان الملك الأشرف صلاح الدين فقال: الحمد لله الذي جعل الملك الأشرف صلاح الدين. فما استعار له شيئًا. واتفق لي مثل هذا في توقيع كتبته لقاضي القضاة الحنفية عماد الدين علي بتدريس المدرسة القايمازية فقلت: الحمد لله الذي جعل عماد الدين عليا فما استعرت له شيئًا. وهذا كثير الاتفاق.
وقول القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر وقد كتب تقليدا بولاية العهد للسلطان الملك الصالح علاء الدين علي عن والده السلطان الملك المنصور فقال: الحمد لله الذي شرف سرير الملك بعليه، وحاطه منه بوصيه، وعضد منصوره بولاية عهد مهدية وقول القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى في تقليد كتبه لركن الدين بيبرس المظفر، عندما تملك عن مولانا أمير المؤمنين أبي الربيع سليمان أدام الله أيامه فافتتحه بأن قال: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم.
وكتب فخر الدين بن لقمان عن الملك السعيد بن الملك الظاهر رحمهما الله تعالى تقليدا بوزارة برهان الدين السنجاري، افتتحه بقوله تعالى: " يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ". وفي هذه اللمعة كفاية. ولكن قد ظهر أولا أن الشاعر لا يلزمه الكاتب من مراعاة المطالع.