قال: ومن محاسن هذا الفن، أن يفتتح الكتاب بآية من آيات القرآن، أو بخبر من الأخبار النبوية، أو بيت من الشعر، ثم يبنى الكتاب عليه.
فمن ذلك ما كتبته في ابتداء كتاب يتضمن البشرى بفتح. وهو:
ومن طلب الفتح الجليل فإنّما مفاتحه البيض الخفاف الصّوارم
وقد أخذنا بقول هذا الشاعر الحكيم، وجعلنا السيف وسيلة إلى استنتاج الملك العقيم.
أقول: من محاسن ما وجدته من هذا النوع، كتاب كتبه القاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر رحمه الله تعالى، جوابا إلى الأمير شمس الدين آقسنقر، عن كتاب ورد منه بفتح بلاد النوبة، استفتحه بعد البسملة بقوله تعالى: " وجعلنا الليل والنَّهار آيتين، فمحونا آيةَ الليل وجعلنا آيةَ النهار مُبصِرة " أدام الله نعمة المجلس، ولا زالت عزائمه مرهوبة، وغنائمه مجلوبة ومجنوبة، وسطاه وخطاه هذه تكف النوب وهذه تكف النوبة، ولا برحت وطأته على الكفار مشتدة، وآماله لإهلاك الأعداء كرماحه ممتدة، ولا عدمت الدولة بيض سيوفه التي ترى بها الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة.
صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس تثني على عزائمه التي واتت على كل أمر رشيد، وأتت على كل جبار عنيد، وحكمت بعدل السيف في كل عبد سوء " وما ربُّك بظلاّم لِلعبيد ". حيث شكرت الضمر الجرد وحمدت العيس، واشتبه يوم النصر بأمسه بقيام حروف العلة مقام بعض فأصبح غزو كنيسة سوسن كغزاة سيس.
ونفهه أنا علمنا فضل الله بتطهير البلاد من رجسها وإزاحة العناد، وحسم مادة معظمها الكافر وقد كاد وكاد، وتعجيل عيد النحر بالأضحية بكل كبش حرب يبرك في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد. وتحققنا النصر الذي شفى النفوس وأزال البوس، ومحا آية الليل بخير الشموس، وخرب دنقلة بجريمة سوس، وكيف لا يخرب شيء يكون فيه سوس.
[ ٨٧ ]
فالحمد لله على أن صبحتهم عزائم المجلس بالويل، وعلى أن أولج النهار من السيف منهم في الليل، وعلى أن رد حرب حرابهم إلى نحورهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وبين خط السيف الأبيض من الخيط الأسود من فجر فجورهم، وأطلع على مغيبات النصر ذهن المجلس الحاضر، وأورث سليمان الزمان المؤمن ملك داوود الكافر، وقرن النصر بعزم المجلس الأنهض، وأهلك العدو الأسود بميمون طائر النصر الأبيض، وكيف لا وآقسنقر هو الطائر الأبيض. وأقر لأهل الصعيد كل عين، وجمع شملهم فلا يرون من عدوهم بعدها غراب بين، ونصر ذوي السيوف على ذوي الحراب، وسهل صيد ملكهم على يد المجلس وكيف يعسر على السنقر صيد الغراب؟. والشكر لله على إذلال ملكهم الذي لان وهان، وأذاله ببأسه الذي صرح به شر كل منهم في قتاله فأمسى وهو عريان، وإزهاقهم بالألسنة التي غدا طعنها كفم الزق غدا والزق ملآن، ودق أقفيتهم بالسيف الذي أنطق الله بفاله أعجم الطير فقال: دق قفا السودان.
ورعى الله جهاد المجلس الذي قوم هذا الحادث المنآد، ولا عدم الإسلام في هذا الخطب سيف الذي قام خطيبا وكيف لا وقد ألبسه منهم السواد، وشكر له عزمه الذي استبشر به وجه الزمن القطوب، وتحققت بلاد الشمال به صلاح بلاد الجنوب، وأصبحت به سهام الغنائم في كل جهة تسنهم، ومتون الفتوحات تمتطى فتارةً يمتطي السيف كل سيس وتارةً كل أدهم، وحمد شجاعته التي ما وقف لصدمتها السواد الأعظم.
ولله المنة على أن جعل ربوع العدو بعزائم المجلس حصيدا كأن لم تغن بالأمس، وأقام فروض الجهاد بسيوفه المسنونة وأنامله الخمس، وقرن ثباته بتوصيل الطعن لنحور الأعداء ووقت النحر قيد رمح من طلوع الشمس. ونرجو من كرم الله إدراك داوود المطلوب ورده على السيف بعيب هربه والعبد السوء إذا هرب يرد لا محالة بعيب الهروب.
والله يشكر تفصيل مكاتبات المجلس وجملها، وآخر غزواته وأولها، ونزال مرهفاته ونزلها، ويجعله إذا انسلخ نهار سيفه من ليل هذا العدو يعود سالما إلى مستقره والشمس تجري لمستقر لها.
أثبت هذا الكتاب بمجموعه لما فيه من النكت المطربة، والتوريات المغربة. وللقاضي محيي الدين رحمه الله تعالى في هذه الواقعة بيتان، وقيل لابن النقيب. وهما:
يا يوم دنقلةٍ وقتل عبيدها في كلّ ناحيةٍ وكلّ مكان
من كلّ نوبيٍّ يقول لأمّه نوحي فقد دقوا قفا السّودان