قال في النوع الخامس والعشرين في الاقتصاد والتفريط والإفراط، عند ذكر التفريط: وأعلم أن للمدح ألفاظا تخصه، وللذم ألفاظا تخصه، وقد تعمق قومٌ في ذلك حتى قالوا: من الأدب أن لا يخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب. وهذا غلط باردٌ، فإن الله الذي هو ملك الملوك، قد خوطب بالكاف في أول كتابه العزيز فقيل: " إياك نعبد وإياك نستعين ". وقد ورد أمثال في مواضع من القرآن محصورة.
أقول: استشهاده بهذا ليس مما يرد قول من ذهب إلى أن الأدب في خطاب الملوك ومن قاربهم أن لا يكون بالكاف، لأن هذه فاتحة الكتاب ومما يتلى في كل ركعة، والقرآن الكريم إنما أنزل على النبي ﷺ ومن جملة فوائده تنزيه الله ﷿ عن الشريك والولد والزوجة. فلو قيل: إياكم نعبد وإياكم نستعين، لكان فيه إشعار للمشركين والنصارى بما يقولونه من تعدد الآلهة، وكان شبهةً لمدعي ذلك.
[ ٩٠ ]
وقد وردت رسالة من جزيرة قبرص على يد كليام الفرنجي التاجر في سنة عشرين وسبعمائة تقريبا، ووقفت عليها بمدينة صفد، فوجدت واضعها قد استدل على صحة مذهب النصارى في القول بالثالوث، بأشياء نقلية من القرآن العظيم. بمثل قوله تعالى: " قال ربِّ ارجعون " " وكفى بنا حاسبين ". وبمثل هذه الآيات، وبأشياء أخر يضحك من الاستدلال بها.
ثم أخذ يستدل على الثالوث بقوله تعالى: " قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق " فذكر ثلاثة، وهذا شيء يضحك منه.
على أن بعض الرافضة، له في القول بصحة الزواج بتسعة دليل من هذا النوع. وهو قوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع " وقال: هذه العدة مجموعها تسعة، والنبي ﷺ مات عن تسع نسوة.
وأما هذه الرسالة القبرسية؛ أجاب عنها الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀ في مجلدين، وعبث بها مدةً وأولع بها.
فإن قلت بمثل قوله تعالى: " ربِّ ارجعون " " وكفى بنا حاسبين " يشكل عليك فيما قررته في الفاتحة، قلت: ثبت لنا في القرآن من غير هذا، وقامت الأدلة على الوحدانية بمثل قوله تعالى: " لو كان فيهما آلهة إلا اللهُ لفسَدتا "، وإذا جاء مثل هذا علمنا أنه المراد به التعظيم. وما أخذ الناس خطاب العظيم بلفظ الجمع إلا من القرآن العظيم.
والعلة في أن المعظم نفسه يقول: نحن فعلنا وأمرنا.. وما أشبه ذلك، هو أنه لا يقول هذا إلا من هو مطاع معظم في قومه، ولا يكون المطاع إلا من له أتباع وخدم يقولون بقوله، ويرجعون إلى ما يقوله. كصاحب المذهب يقول: رأينا، ومذهبنا. أي أنا ومن يقول بهذا القول.
ولهذا، الفقهاء والنظار يقول الواحد منهم: لا نسلم. ويكون واحدا لا غير، والمراد أن هذا أمنعه أنا ومن وافق قولي.
فلما كان المتكلم إذا كان عظيما قال: نحن فعلنا، حمل على ذلك خطابه فقيل له: أنتم فعلتم ليكون ذلك مقابلة لما يقوله.
وأما في هذا العصر، فقد استراح الناس من خطاب الملوك في مكاتباتهم وغير مكاتباتهم من الكاف ومن ضمير الجمع. فإنه لا يقال إلا: المراسم الشريفة، والآراء الشريفة، والصدقات الشريفة، والأبواب الشريفة، إلا ما كان يجل الشرف أن ينعت به مثل: الاسطبل، والمناخ والمطابخ وأشباه ذلك، فإنه ينعت بالسعيدة.
وان كان المتكلم بين يدي السلطان قال: رأس مولانا السلطان خلد الله ملكه وكل شيء يذكره، أضافه إلى هذه الجملة.