قال في النوع الثاني من التشبيه بعدما أورد قول الشاعر:
وكأنّها وكأنّ حامل كأسها إذ قام يجلوها على النّدماء
شمس الضّحى رقصت فنقّط وجهها بدر الدّجى بكواكب الجوزاء
إنه شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب.
أقول: قد ادعى أنه شبه ثلاثة بثلاثة، وهو لم يشبه الساقي، ولا في البيتين ما يدل على تشبيهه، على أن الشاعر توهم أنه شبه الساقي ولم يذكره، وقلده ابن الأثير ﵀ في وهمه. ومعناهما: أن الخمر في حببها كأنها شمس رقصت فنقطها البدر بالكواكب، وكنى برقصها عن اضطرابها عند المزج. وحسن ذكر البدر هنا لأنه يصاحب الكواكب، وهو أكبرها في رأي العين، لا في العقل إذا فكر في الهيئة، فحسن أن يكون له الكواكب تصرف لينقط الشمس بها. وذكر البدر هنا أمر على طريق الاستطراد، لما ذكر النقوط، أراد أن يسند فعله إلى فاعل صدر عنه، فحسن أن يذكر البدر. ولو حذف من الكلام تم المعنى في الأصل، كما يقال: كأن الخمر شمس رقصت فنقطت بالكواكب. والشاعر أثبت أداة التشبيه للساقي في قوله: وكأنها وكأن حامل كأسها.
ولم يأت له بمشبه به، فالشاعر واهم، وابن الأثير مقلد، وكلاهما اغتر بذكر البلد، لأن العادة قد جرت بتشبيه الساقي بالبدر، والخمر بالشمس. كقول الشاعر:
إسقنيها بنت كرمٍ عتّقت عشرًا وخمسًا
بات يجلوها علينا قمرٌ يحمل شمسا
وقول الآخر:
وساقٍ كالهلال يدير شمسًا على النّدمان في مثل الهلال
وقول ابن الرومي:
أبصرته والكأس بين فمٍ منه وبين أناملٍ خمس
فكأنّها وكأنّ شاربها قمرٌ يقبّل عارض الشمس
[ ٦٦ ]
ولو كان الشاعر شبه الساقي لقال: شمس يديرها بدر أو يطوف بها أو يحملها. وهذان البيتان مشهوران بين أهل الأدب، ولعل أحدا ما تفطن لهذا النقد. وما أقول: لأن الشاعر أدخل أدلة التشبيه على مثار النقع وأسيافهم وأتى بمشبه واحد هو الليل وقوله: تهاوى كواكبه في موضع الصفة لليل، فهي من لواحق الليل.
ولو قال: ليل تهاوى كواكبه، ورقمه البرق ووشاه الصبح، لكان كل ذلك مشبها به ليس إلا. ولو كان من باب تشبيه اثنين باثنين لقال: ليل وكواكب تتهاوى. كما قال امرؤ القيس:
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
وهذا الذي ذكرته ثابت على محك النظر ليس بدعوى مجردة عن الدليل والبرهان. وللعكوك بيت هو بيت بشار بن برد. وهو:
كأنّ سموّ النقع والبيض حوله سماوة ليلٍ أسفرت عن كواكب
وما أحسن قول ابن قاضي ميلة:
بتنا ونحن على الفرات نديرها ليلا فأشرق من سناها النيل
وكأنها شمسٌ وكف مديرها فينا ضحى وفم النديم أصيل
وذكرت بالبيتين اللذين أوردهما ابن الأثير رحمه الله تعالى قول ابن السراج في مجدور:
لي قمرٌ جدّر لما اكتسى فزاده حسنا وزادت هموم
كأنه غنّى لشمس الضّحى فنفّطته طربا بالنجوم
وقول أبي يزيد العاص أكثر مناسبة من هذا، فإنه قال:
عابه الحاسد الذي لام فيه أن رأى فوق خدّه جدريّا
إنما وجهه كبدر تمامٍ جعلوا برقعا عليه الثريا
لأن الثريا قد ترى مع البدر، وأما النجوم فلا ترى مع الشمس. ويمكن أن يقال فيه: ولهذا قال: نقطته طربا بالنجوم، فإن من نقط بشيء فقد بان عنه وفارقه.
ويمكن أيضًا التأويل للبيتين اللذين أوردهما ابن الأثير أيضًا ولكنه بعيد.