قال: وكذلك كتبت إلى بعض الأصحاب كتابا من هذا الجنس، أهزل معه فقلت: ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي، فإني لم أسمه إلا لتحرم به الأضحية في يوم الأضاحي، ولا شك أن سيدنا معدود في جملة الأنعام، غير أنه من ذوات القرون والقرون عدة في الخصام.
أقول: أي معنى هذا حتى يتبجح به وقول: وهذا معنى ابتدعته ولم أسمعه لأحد قبلي.
ولو أنه اقتصر على السجعتين الأوليين لكان ذلك أحسن من أن يفسر معناهما فيما بعد ولقد أذهب رونق التنديب والتندير، بما أتى به من التفسير. وقد قيل إن من شرط التنديب أن لا يكون خفيا ولا صريحا ولكن بين بين.
ألا ترى إلى قول السراج الوراق فيمن ينعت بالصفي:
حالت حوادث بيني بين الصفيّ وبيني
فلا أموت إلى أن أرى الصفيّ بعيني
ما أحلاه. ولو قال: فلا أموت إلى أن اراه صفيا أو بعين واحدة، يعني أعور ما كان له هذه الطلاوة، ولا فيه هذا الحسن الواقع من القلب. أو لو أخذ يفسره فيما بعد ويشرح ما رمزه، ذهبت منه هذه الحلاوة.
وانظر ما أحسن قول الجزار أبي الحسين رحمه الله تعالى:
لو يقنص الجزار أرواح العدى في يوم عيدك كنت أول قانص
لكنهم أمنوا مداي لنقصهم إنّ الضحية لا تكون بناقص
وقوله أيضًا:
نصحتك فاسمع من نصيحة عاشقٍ وإني على ما قلته لأمين
من الرأي أن لا توقع الحرب بيننا فإني جزارٌ وأنت سمين
ولو قال: ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي بين البرية، فإني لم اسمه إلا لكي تحرم به الأضحية، لكان أحسن. فإن قوله: الأضحية في يوم الأضاحي من باب قولك: العيد في يوم العيد، والصيام في يوم الصيام. ومن المعلوم أن الضحايا لا تطلق إلا على ما ذبح أيام التشريق، وما ذبح في غير ذلك من الذبائح لا يطلق عليه ذلك. وكذلك صلاة الجمعة لا تطلق إلا على الصلاة المعروفة في الوقت المخصوص، ومتى كانت صلاة في غير ذلك الوقت فلا تكون جمعة.