تدار علينا الراح في عسجدية قال بعدما أورد أبيات أبي نواس:
تجار علينا الراح في عسجديةٍ الأبيات الثلاثة.
وقد أكثر العلماء من وصف هذه الأبيات وهذا المعنى، وقولهم فيه إنه معنى مبتدع. ويحكى عن الجاحظ أنه قال: ما زال الشعراء يتناقلون المعاني قديما وحديثا إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه.
وما أعلم أنا ما أقول لهؤلاء سوى أن أقول: قد تجاوزتم حد الإكثار، ومن الأمثال السائرة: بدون هذا يباع الحمار. وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة لا هذا المعنى. فإنه كبير كلفة فيه. لأن أبا نواس رأى كأسا من الذهب ذات تصاوير فحكاها في شعره.
والذي عندي في هذا، أنه من المعاني المشاهدة، فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماء يسيرا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها قليلا بقدر القلانس التي على رؤوسها وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر.
[ ٤٥ ]
أقول: كفى بهذا الرجل ﵀ أن يقول مثل هذا، وما أعرف كتابا من أمهات كتب الأدب مثل الروضة للمبرد والذخيرة لابن بسام وزهر الآداب للحصري إلا وقد تضمن ذكر هذه الأبيات والثناء عليها. وحسبك بكلام يثني عليه أبو عثمان عمرو الجاحظ، وهو من أحذق أئمة الأدب، وأعرفهم بما يقول، وأبصرهم بمدارك العقول، وقوله في مثل هذا حجة، وما قرره في الأبيات هو المحجة.
وما أحسن قول القاضي الفاضل: وأما الجاحظ ﵀ فما منا معاشر الكتاب إلا من دخل من كتبه الحارة، وشن الغارة، وخرج وعلى الكتف منها كاره.
وقد أولع الفاضل ﵀ بذكره في ترسله، وذكر تصانيفه، ولو لم يكن له في كتب الأدب إلا كتاب البيان والتبيين لكفاه ذلك فخرا. ويقال: مما فضل الله به أمة محمد ﷺ على غيرها من الأمم، عمر بن الخطاب ﵁ بسياسته، والحسن البصري بعلمه، والجاحظ ببيانه.
ويحكى عنه أنه قال: دخلت ديوان المكاتبات ببغداد، فرأيت قوما قد صقلوا ثيابهم، وصفوا عمائمهم، ووشوا طرزهم. ثم اختبرتهم، فوجدتهم كما قال الله تعالى: " فأما الزَّبد فيذهبُ جُفاء " ظواهر نظيفة، وبواطن سخيفة " فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون " ومن أجوبته ما يحكى عنه أنه اجتمع بالجماز في مجلس بالبصرة. فقال له الجماز: كم نارا في اللغة؟ فقال: نار الحرب، ونار الشجر، ونار الحباحب، ونار المعدة، والنار المعروفة. فقال له: تركت أبلغ النيران. قال: وما هي. قال: نار حر أمك التي كلما ألقي فيها فوج سألتها خزنتها. فقال الجاحظ: أما نار أمي فقد قضيت أن لها خزانا، الشأن في حر أمك التي يقال لها: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد. والجاحظ أشهر من أن يذكر بمحاسن وأنا أحكي ما قاله الجاحظ. فإن ابن الأثير ﵀ روج المقال. والذي نقله أئمة الأدب عنه أنه قال: وجدنا المعاني تقلب، ويؤخذ بعضها من بعض، إلا قول عنترة في الذباب:
وخلا الذباب بها فليس ببارحٍ غردا كفعل الشارب المترنم
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه قدح المنكبّ على الزّناد الأجذم
وقول أبي نواس في تصاوير الكأس:
تدار علينا الراح في عسجدية وأنشد الأبيات انتهى.
قال ابن بسام في الذخيرة وقد ذكر أن أبا نواس ولد هذا المعنى من قول امرىء القيس:
فلما استطابوا صبّ في الصحن نصفه وشجّت بماءٍ غير طرقٍ ولا كدر
فجعل الشراب والماء نصفين لقوة الشراب، فتسلق عليه أبو نواس وأخفاه بما شغل به الكلام من ذكره الصور المنقوشة، إلا أنها سرقة مليحة.
وكرر أبو نواس هذا المعنى عجبا به في مواضع. كقوله:
بنينا على كسرى سماء مدامةٍ مكلّلةً حافاتها بنجوم
فلو ردّ في كسرى بن ساسان روحه إذن لاصطفانا دون كل نديم
وأخذه الناشىء فولد معنى زائدا عليه فقال:
في كأسها صورٌ تظنّ لحسنها عربا برزن من الحجال وغيدا
وإذا المزاج أثارها فتنمنمت ذهبا ودرا توأما وفريدا
فكأنهنّ لبسن ذاك مجاسدا وجعلن ذا لنحورهنّ عقودا
وقال ابن المعتز:
وكأسٍ من زجاج فيه أسدٌ فرائسهنّ ألباب الرجال
وألم بهذا ابن بطال البطليوسي فقال:
وغابٍ من الأكواس فيها ضراغمٌ من الرّاح، ألباب الرجال فريسها
قرعت بها سنّ الهموم فأقلعت وقد كاد يسطو بالفؤاد رسيسها
وقال أبو تمام ابن رباح:
وكاسٍ بدا كسرى بها في قرارةٍ غريقا، ولكن في خليجٍ من الخمر
وما صوّرته فارسٌ عبثا به ولكنّهم جاؤوا بأخفى من السحر
أشاروا بما دانوا له في حياته فنومي إليه بالسجود ولا ندري
هذا ما أورده ابن بسام في معنى الكأس المنقوشة.
ولا بأس بإيراد ما جاء في ذلك للشعراء المتأخرين، من ذلك قول ابن سناء الملك.
ما الدرّ إلا ذا الحبا ب وإنني بالدر أدرى
شعري وشعرى في السما ء وفي كؤوسك ألف شعرى
منّت عليك ولا كما منّت على أشلاء كسرى
[ ٤٦ ]
الخلق لما عاش قد سجدوا له طوعا وقسرا
والكل لما مات قد سجدوا له في الكأس سكرا
ولا يخفى على ذي اللب أن هذا مأخوذ من قول أبي تمام بن رباح وقد تقدم وهو أحسن من هذا.
وقوله أيضًا:
ألا إنّ شرّاب المدام هم الناس وغيرهم فيهم جنونٌ ووسواس
فيا ليت أني مثل كسرى مصورٌ فليس يزال الدّهر في كفه كاس
وهذا مأخوذ من قول أبي فراس. وسيأتي فيما بعد.
وقوله أيضًا وهو في غاية الحسن:
شربنا على هذا وذاك مدامةً بدت كالعقيق الرطب والذهب الرّخص
أعيد لنا في كأسها شخص قيصرٍ وكسرى، فكادت تبعث الروح في الشخص
قياصرةٌ في قصر كسرى وربما مجنّا فقلنا بل مساكين في خص
وقول ابن قلاقس الإسكندري:
لو لم يصبها الماء حين توقدت بيد المدير لخفت أن يتسعّرا
وبنيتها قصرا سقيت براحتي كسرى أنوشروان فيه وقيصرا
وقوله أيضًا
أنهكت جسمها السنين فلولا عرفها لم يكن بها ذا اعتراف
فاحني في الكأس جسم كسرى براحٍ تبعث الروح منه في الأعطاف
وقول ابن سناء الملك الذي تقدم أكمل في الحسن.
وقوله أيضًا:
بزجاجةٍ دارت وفي جنباتها كسرى أنوشروان في إيوانه
خلعت على عطفيه خلعة قهوةٍ وسلبتها فغدوت في سلطانه
يعني أنه لبسها بشربه لها فغدا في سلطانه، لما يجده السكران من العزة. كما قال المنخل شاعر الحماسة:
وإذا سكرت فإنني ربّ الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني ربّ الشّويهة والبعير
وقول ابن الذروي:
ومصوّرٍ نازعت في هـ على المدامة قيصرا
وسلبت منه متوّجا حتى رجعت مسوّرا
ومضيت من عقيانه ولجينه أغنى الورى
وقول ابن قلاقس أيضًا:
وزجاجةٍ حيّاك منها قيصرٌ وكأنما هو في جوانب قصره
ما ألبسته الراح ثوبا مذهبا إلا وقلده الحباب بدرّه
وهذا مأخوذ من قول الناشىء، وقد تقدم.
وما أحسن قول أبي فراس.
أغمام ما يدريك كيف قتالنا والخيل تحت النقع كالأشباح
نطفو ونرسب في الدماء كأننا صور الفوارس في كؤوس الراح
ومما اتفق لي وفيه تورية:
كؤوس المدام تحب الصفا فكن لتصاويرها مبطلا
ودعها سواذج من نقشها فأحسن ما ذهّبت بالطّلا
وقلت أيضًا مضمنا البيت المشهور، واهتدمت منه ما اهتدمت ليطابق المعنى الذي تخيلته:
ومشمولةٍ قد هام كسرى بكأسها فأضحى ينادي وهو فيها مصوّر
وقفت لشوقي من وراء زجاجةٍ إلى الراح من فرط الصابة أنظر
وأما قول عنترة في الذباب، فقد زعم مشايخ الأدب أنه من التشبيهات العقم. وقد أخذه ابن الرومي فقال:
وأذكى نسيم الروض ريعان ظله وغنّى مغنّي الطير فيه فرجّعا
وغرد ربعيّ الذباب خلاله كما حثحثت النّدمان صنجا مشرّعا
فكانت أرانين الذباب هناكم على شدوات الطير ضربا موقّعا
وقال ابن عبدون:
ساروا ومسك الدياجي غير منهوب وطرّرة الشرق غفلٌ دون تذهيب
على ربى لم يزل شادي الذباب بها يلقي بآنق ملفوظٍ ومضروب
وقد أخذه من قول المثقب العبدي يذكر الناقة:
وتستمع الذباب إذا تغنّى كتغريد الحمام على الغصون
وقول الأقيشر:
وقد تقوم على رأسي منعّمةٌ لها إذا طربت من صوتها غنج
فترفع الصوت أحيانا وتخفضه كما يطنّ ذباب الروضة الهزج
وقد أخذ ابن عبدون قوله من قول الأخطل في وصف ثور وحشي. وهو:
فردا يغنيّه ذبان الرياض كما غنّى الغواة بصنجٍ عند أسوار
وقال أبو بكر بن سعد البطليوسي:
كأنّ أهازيج الذباب أساقفٌ لها من أزاهير الرياض محاريب
[ ٤٧ ]
ولم يجسر أحد على هذا المعنى قبل عنترة. غير أن ذا الرّمة نقل معنى الصفة إلى الجندب فقال:
كأن رجليه رجلا مقطفٍ عجلٍ إذا تجاذب من برديه ترنيم
وقال السلامي في زنبور وأحسن:
ولابس لونٍ واحدٍ وهو طائرٌ ملونة أبراده وهو واقع
أغرّ محشّى الطيلسان مديجٍ وسود المنايا في حشاه ودائع
إذا حك أعلى رأسه فكأنما بسالفتيه من يديه جوامع
بدا فارسي الزيّ يعقد خصره ومئزره التبري أصفر فاقع
يرجّع ألحان الغريض ومعبدٍ ويسقي كؤوسا ملؤها السمّ ناقع
قوله: إذا حك أعلى رأسه.. البيت، من قول مسلم بن الوليد:
فغطّت بأيديها ثمار نحورها كأيدي الأساري أثقلتها الجوامع
نقل السلامي هذا المعنى إلى الزنبور لما ولده من هنا، وشارك عنترة في الصفة مشاركة خفية. وكذا يكون التخيل الشعري الصحيح.
وما أحلى قول بعض الشعراء:
فعل الأديب إذا خلا بهمومه فعل الذباب يرنّ عند فراغه
فتراه يفرك راحتيه ندامةً منه ويتبعها بلطم دماغه
لم أورد هذه المقاطيع في الكأس المصورة والذباب وأكثرت منها إلا لأن هذا الموضع من محزات الأدب وغريب المعاني. ولعل هذا القدر ما اجتمع لأحد فيهما.
وأما قوله بدون هذا يباع الحمار، أصل هذا المثل أن رجلا أراد أن يشتري حمارا من آخر يدعى أبا يسار، فجعل يصفه ويبالغ فيه إلى أن قال: تصيد به النعام معقولا فقال له: شاكه أبا يسار، بدون ذا ينفق الحمار. وشاكه معناه قارب أي لا تغل.
قال: وكذلك ورد قوله.
يا شقيق النفس من حكم نمت عن ليلي ولم أنم
فاسقني البكر التي اعتجرت بخمار الشيب في الرّحم
وهذا معنى مخترع لم يسبق إليه، وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني التي تستخرج من غير شاهد حال مصورة. وساق حكاية جرت في حضرة الرشيد في استخراج معناه، وهي مشهورة.
أقول: وأبو نواس ممن له المعاني التي ظاهرها سهل وباطنها مشكل في غاية الدقة، كقوله:
أما ترى الشمس حلّت الحملا وطاب وزن الزمان واعتدلا
وغنت الطير بعد عجمتها واستوفت الراح حولها كملا
محل الإشكال فيه واستوفت الراح حولها.
قالوا: من حين عصير الراح، إلى أن تحل الشمس الحمل ما يكون غير ستة أشهر أو ما حولها، فكونه يدعي أن الراح استوفت الحول كاملا غير صحيح، والحول اثنا عشر شهرا. الجواب من وجوه: أحدها وهو أقواها، أن الضمير في حولها لا يعود على الراح، وإنما يعود على الشمس. كأنه قال: واستوفت الراح حول الشمس كاملا.
وثانيهما، أن المراد بالحول هنا إنما هو الغاية والتمام، والمعنى: استوفت الراح بلوغها وصلاحها لأن تستعمل وترشف. وفي هذه المدة ينتهي صلاح الخمرة، وكل شيء بلغ غاية تطلب منه، فقد استوفى حوله. كأنه من: حال عن هيئته إلى هيئة أخرى. وهذا الذي يفهم من كلامه.
وكذا قوله:
ظلت حميّا الكأس تبسطنا حتى تهتّك بيننا الستر
في مجلسٍ ضحك السرور به عن ناجذيه، وحلّت الخمر
ذكروا في هذا أربعة أوجه: أحدها أن طيب المكان وكمال السرور، أباح حرمتها على عادة الشعراء في مبالغاتهم ثانيها أن يكون آلى على نفسه أن لا يتناول الخمر إلا بعد اجتماعه بمحبوبه، فكان الاجتماع مخرجا من يمينه. كقول امرىء القيس:
حلّت لي الخمر وكنت امرءا عن شربها في شغلٍ شاغل
ثالثها يريد بحلت نزلت، من الحلول في المكان.
رابعها: يريد أنهم استحلوها بدخولهم في السكر وذهول عقلهم وكنت وقفت بالديار المصرية على جزء فيه كلام لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب على قول الشاعر.
بيضٌ مفارقنا تغلي مراجلنا نأسو بأموالنا آثار أيدينا
وقد ذكر في قوله: بيض مفارقنا مئتي وجه وثلاثة أوجه، في احتمال معنى هاتين اللفظتين.
وقد وجدت لأبي الحسن الطوسي الفقيه بيتين، يسأل عن معنى الثاني منهما: وهما:
منّينني حينا فلما أن مللت من التمني
عرّضن لي بالوصل حتى قلت قد، أعرضن عني
[ ٤٨ ]
الإشكال فيه أنه كيف يعرضن له بالوصل، وهو يدعي أنهن أعرضن عنه. والمعرض لا يعرض بالوصل.
والجواب: أن قد هنا بمعنى حسب، وذلك أحد مواردها. كقول أبي تمام:
قدك اتّئب أربيت في الغلواء.
أي: حسبك. والمعنى: منينني زمانا إلى أن مللت، ثم عرضن لي بالوصال حتى إذا قلت هذا حسبي، أعرضن عني.
واتفق لي فيما قلت بيتان، ثانيهما مشكل، وهما:
قال وقد أبصر دمعي دما هذا وما رعتك بالبين
فقلت: لما فنيت أدمعي بكيت بالدمع بلا عين
الإشكال في ذلك أنه: كيف يعترف بأن دموعه فنيت ونفدت، ثم يقول بعد ذلك: بكيت بالدمع بلا عين. وكيف يتفق البكاء بلا عين.؟ والجواب: أنه قال أولا إنه أبصره وقد بكى دما فأنكر عليه ذلك، فقال لما نفدت الدموع ولم يبق لي دمع، بكيت بالدم.
والعين هنا إنما يراد بها أحد حروف الهجاء أخت العين المعجمة، لا العين التي هي الجارحة من الإنسان حاسة البصر، فإن الدمع إذا حذفت منه العين كان دما.