قال بعد أن ساق شيئًا من نظم أبي نواس وأبي تمام وأبي الطيب ولحنهم: إن اللحن لم يكن قادحًا في حسن الكلام.
أقول: ما بقي بعد هذا إلا أن يقول: إن مراعاة الإعراب علة موجبة لقبح الكلام أتراه ما سمع بقولهم: النحو في الكلام كالملح في الطعام. وقد ذهب بعضهم إلى أن الإعراب إنما سمي إعرابا لأن العرب في قوله تعالى: " عربًا أترابًا " هن المتحببات إلى أزواجهن، فكأن من أعرب كلامه تحبب إلى مخاطبه. أقول: معنى تحببه كونه ذكر أمارات تدل على معانيه. فإنه إذا أراد التعجب قال: ما أحسن زيدًا، ولو ترك الإعراب وقال: ما أحسن زيد بسكون النون والدال، لالتبس الفهم على المخاطب وبقي في حيرة: هل هو مستفهم أو متعجب أو مخبر. فلما نصب النون والدال علم أنه يتعجب. وإذا قال: ما أحسن زيد برفع النون وكسر الدال علم أنه يستفهم. واذا قال ما أحسن زيد بنصب النون ورفع الدال علم أنه مخبر بنفي الإحسان عنه. واذا أراح المتكلم من يخاطبه من الفكرة والحيرة بالإعراب، فقد تحبب إليه.
وقد قال لا قدر للحان ولو بلغ يافوخه عنان السماء وأنا فما أنكر أن لطف التركيب وسهولة الكلام أمر آخر وراء النحو. هذا معلوم ولكن المشاحة في تعسفه وتعنته.