قال أيضًا في هذا القسم وقد أورد قول الفرزدق:
ولولا حياءٌ زدت راسك شجةً إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي
شرنبثةٌ شمطاء من ير ما بها تشبه ولو بين الخماسي والطفل
إن شرنبثة من الألفاظ التي يسوغ استعمالها في الشعر، وهي ها هنا غير مستكرهة، إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة، لعيب ذلك على مستعمله.
أقول: قبل هذا بأسطر قليلة أورد قول تأبط شرا:
يظلّ بموماةٍ ويمسي بغيرها جحيشا ويعروري ظهور المسالك
وقال: لفظة جحيش من الألفاظ المنكرة القبيحة.
فيقال له: سبحان الله ما بالعهد من قدم، تناقض قولك في صفحة واحدة، وأنا أرى أن جحيشا أخف على السمع من شرنبثة ولو وردت هذه شرنبثة في النيل كدرته، وأحالت فراته العذب إلى الملح الأجاج وغيرته، ولو كانت خالا في وجنة الشمس هجنتها، وألغت محاسنها التي أنارت الأيام وزينتها.
قال: وقد ورد في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة، كقوله في خطبة يذكر فيها أهوال القيامة فقال: اقمطر وبالها واشمخر نكالها، فما طابت ولا ساغت.
أقول: إن الخطيب ﵀ من البلغاء الفصحاء الذين يوردون الكلام موارده، ويعطون كل مقام ما يستحقه، لأن ذكر النار والقيامة أمر مهول ويحتاج إلى ألفاظ مفخمة تهول السمع وتسيل الدمع وتقشعر لها الجلود وتنفطر لها الكبود. ولا يليق بأوصاف النار غير هذه الألفاظ مثل: اقمطر واشمخر واسبطر وازبأر واكفهر واقشعر وابذعر واطلخم وادلهم، واقتحم واحتدم.