البر.
وقد حررنا هذه المباحث في كتابنا المنظوم وشرحه في فن المنطق.
ثم طلب منا بعض العلماء أن نتكلم لهم على المصالح المرسلة، وعلى دليل المالكية على الاستدلال بها.
وكان جوابنا أن قلنا لهم: إن المصالح المرسلة التي تسمى عند الأصوليين بهذا الاسم وبالاستصلاح وبالمرسل: هي الوصف المناسب الذي يتضمن ترتب الحكم عليه مصلحة، والحال أنه لم يرد نص من الشارع على اعتبار نفس ذلك الوصف في نفس ذلك الحكم، ولا على عدم اعتباره فيه، ووصفت بأنها مصلحة واستصلاح لما فيها من مطلق المصلحة للناس، ووصفت بالإرسال لإرسالها أي إهمالها عما يدل على اعتبارها أو عدم اعتبارها.
فمالك ﵀ لا يهمل تلك المصلحة المترتبة على ذلك الوصف من ترتيب الحكم عليه، لأن الشارع عهد منه عدم إلغاء المصالح، ودليل المالكية على العمل بالمصالح المرسلة إجماع الصحابة الإجماع السكوتي على العمل بها في وقائع كثيرة، بانضمام بعضها إلى بعض يحصل القطع، ولابد أن نذكر منها ما فيه كفاية.
فمن ذلك: تولية أبي بكر لعمر ﵄؛ لكونه أحق بالخلافة ممن سواه، فتوليته له هو الحكم، وكونه أحق هو الوصف المناسب للحكم، وقد اكتفى به أبو بكر -﵁- عند وفاته في
[ ١٨٢ ]
حكم يتعلق به حقوق جميع المسلمين، ووافقه جميع أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، ولم ينكر عليه أحدٌ منهم، مع أن توليته لعمر لم يرد في خصوصها نص من كتاب اللَّه ولا من سنة نبيه صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإنما فعلها أبو بكر ﵁ للمصلحة المرسلة.
ومنها: ترك عمر ﵁ الخلافة شورى بين ستة من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم توفي وهو عنهم راضٍ.
ومنها: اتخاذه ﵁ سكة يتعامل بها المسلمون لتسهل على الناس المعاملة.
ومنها: اتخاذه ﵁ دارًا بمكة للسجن لما انتشرت الرعية في زمنه.
ومنها: كتبه ﵁ أسماء الجند في ديوانه، إذ هو أول من دوَّن الدواوين في الإسلام.
فهذه المسائل التي ذكرنا عن عمر ﵁ لم يرد في واحدة منها نصٌّ خاصٌّ من كتاب أو سنة، وقد فعلها عمر للمصلحة المرسلة، ولم ينكر عليه أحدٌ من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
ومنها: إجماعهم على كتابة المصحف العثماني لأجل حفظه من الذهاب، فترتُّب ذلك الحكم على ذلك الوصف فيه مصلحة هي حفظ القرآن الذي به حفظ الدين، والشارع لم يأمر بذلك ولم ينه عنه، وقد فعله الصحابة ﵃ للمصلحة المرسلة.
[ ١٨٣ ]
ومنها: نَقْطُ المصحف وشَكْلُه لأجل حفظه من التصحيف.
ومنها: حرق عثمان ﵁ للمصاحف وجمع الناس على مصحفٍ واحدٍ خوف الاختلاف.
ومنها: تجديد عثمان ﵁ الأذان يوم الجمعة لكثرة الناس.
ومنها: هدم الدور المجاورة للمسجد عند ضيقه لأجل توسعته.
وأمثال هذا من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كثيرٌ جدًّا من غير نكير ولا معارض، وهذا يدلس دلالةً واضحةً على العمل بالمصالح المرسلة.
لكن يجب في هذه المسألة كما حققه غير واحد من المحققين أن يتنبه للنظر في مآلات الأمور وعواقبها، فلا يحكم المجتهد على فعل من أفعال المكلفين بالإقدام عليه أو الإحجام عنه إلا بعد نظره فيما يؤول إليه، فربما يظهر في فعل أنه مشروع لمصلحة تستجلب، أو منهي عنه لمفسدة تنشأ عنه، لكن مآله على خلاف ذلك.
واعلم أن التحقيق أن المصلحة المذكورة تنخرم باستلزامها مفسدة راجحة عليها، أو مساوية لها.
فمثال المفسدة الراجحة ما لو أراد المسلمون فداء أسارى منهم بأيدي العدو، وامتنع العدو من قبول غير السلاح، وكان ذلك السلاح تقوى به شوكة الكفار على المسلمين قوة تستلزم قتلهم أكثر من الأسارى المذكورين، ففداء الأسارى المسلمين من أيدي الكفار
[ ١٨٤ ]
مصلحة تستدعي ترتب الحكم عليها، ولو كان الفداء بالسلاح وقوتهم بذلك السلاح على المسلمين حتى يقدروا على قتل أكثر من الأسارى مفسدةٌ استلزمتها هذه المصلحة وهي أعظم منها، فتنخرم المناسبة بسبب تلك المفسدة الراجحة.
ومثال المفسدة المساوية للمصلحة: قوةُ الكفار بالسلاح المذكور في الفداء قوةً يقدرون بها على قتل قدر الأسارى من المسلمين. فإنقاذ أسارى المسلمين من الكفار مصلحة تستدعي الحكم ولو بالسلاح، وقوة الكفار بالسلاح حتى يقدروا على قتل الأسارى مفسدة استلزمتها المصلحة المذكورة وهي مساوية لها، لأن المستنقذ بالسلاح يموت قدره به، فتنخرم المناسبة بهذه المفسدة المساوية.
وإلى هذا أشار في "مراقي السعود" بقوله:
اخرم مناسبًا لمفسد لزم للحكم وهو غير مرجوح علم
وقولنا المتقدم في تعريف المصالح المرسلة: "والحال أنه لم يرد نص من الشارع على اعتبار ذلك الوصف في ذلك الحكم، ولا على عدم اعتباره"؛ لأنه إذا ورد من الشارع ما يدل على اعتبار الوصف في الحكم فهو المؤثر إن دل النص أو الإجماع على اعتبار عين الوصف في عين الحكم، أي نوعه في نوعه، والملائم إن دلَّ على اعتبار نوع الوصف في جنس الحكم، أو جنس الوصف في نوع الحكم، أو جنس الوصف في جنس الحكم، وإن دلَّ الدليل على عدم اعتبار الوصف في الحكم فهو المسمى بالغريب.
[ ١٨٥ ]
فالحاصل أن القسمة رباعية، وهي أن الوصف المناسب للعلية ينقسم من حيث اعتبار الشرع له في ربط الأحكام وعدم اعتباره إلى أربعة أقسام: مؤثرة، وملائم، وغريب، ومرسل.
وبرهان الحصر في هذه الأقسام الأربعة أن الوصف المذكور إما أن يدل الدليل على اعتباره في الحكم، وإما أن يدل على عدم اعتباره فيه، وإما أن لا يدل على اعتباره فيه ولا على عدمه.
فهذه ثلاثة أقسام بالتقسيم الصحيح لا رابع لها، وواحد منها ينقسم إلى قسمين، وهو ما دل الدليل فيه على اعتبار الحكم في الوصف؛ لأنه مؤثر أو ملائم، فالمؤثر ما دل الدليل فيه على اعتبار العين في العين، أي نوع الوصف في نوع الحكم، والملائم ما دل الدليل فيه على اعتبار النوع في الجنس، أو الجنس في النوع، أو الجنس في الجنس.
فإذا حققت أن القسم الأول من الأقسام الثلاثة ينقسم إلى مؤثر وإلى ملائم، فاعلم أن القسمين الآخرين هما: الغريب والمرسل. فالغريب: ما دل الدليل على عدم اعتباره، والمرسل: ما لم يدل الدليل على اعتباره ولا على عدمه.
وتركنا إيضاح الأقسام الثلاثة غير المرسل -أعني المؤثر والملائم، والغريب- لعدم تطبيقنا لها على أمثلتها، لأنها ليست من غرض السائل، وإنما ذكرناها استطرادًا في التقسيم.
وإلى هذا التحقيق أشار في "مراقي السعود" مع بيان أجناس
[ ١٨٦ ]
الحكم والوصف ووجوب تقديم الأخص بقوله:
من المناسب مؤثر ذكر بالنص والإجماع نوعه اعتبر
في النوع للحكم وإن لم يعتبر بذين بل ترتب الحكم ظهر
على وفاقه فذا الملائم أقواه ما ذكر قبل القاسم
من اعتبار النوع في الجنس ومن عكس ومن جنس بآخر زُكنِ
أخص حكم منع مثل الخمر أو المضاهي لوجوب العصر
فمطلق الحكمين بعده الطلب وهو بالتخيير في الوضع اصطحب
فكونه حكمًا كما في الوصف مناسب خصصه ذو العرف
مصلحة وضدها بعد فما كون محلها من الَّذْ علما
فقَدِّمَ الأخصَّ والغريبُ ألغى اعتباره العلي الرقيب
والوصف حيث الاعتبار يجهل فهو الاستصلاح قل والمرسل
نقبله لعمل الصحابه كالنقط للمصحف والكتابه
تولية الصديق للفاروق وهدم جار مسجد للضيق
وعمل السكة تجديد النِّدا والسجن تدوين الدواوين بدا
وقال القرافي في "شرح المحصول": "إن جميع المذاهب موجود فيها العمل بالمصالح المرسلة؛ لأنهم إذا جمعوا أو فرقوا بين مسألتين لا يطلبون شاهدًا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا أو فرقوا. بل
[ ١٨٧ ]
يكتفون بمطلق المناسبة، وهذه هي المصلحة المرسلة بعينها، فهي حينئذٍ في جميع المذاهب. ثم إن الشافعية يقولون: إنهم أبعد الناس عنها، وهم قد أخذوا بأوفر نصيب منها، حتى تجاوزوا فيها. . . " إلى آخر ما ذكره عن إمام الحرمين والماوردي من التوسع في الأخذ بالمصالح المرسلة، توسعًا لا يرى مثله للمالكية الذين هم أهل العمل بها، وما نسبه إمام الحرمين ﵀ إلى مالك ﵀ من جواز قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها قال القرافي: قد أنكره المالكية، ولا يوجد ذلك في كتبهم، إنما يوجد في كتب المخالفين لهم.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: ما ذكره القرافي ﵀ من أن جواز قتل ثلث الأمة لإصلاح الثلثين لم يقل به أحدٌ من المالكية، ولم يوجد في كتبهم صحيحٌ كما قال القرافي، وما ذكره عبد الباقي الزرقاني المالكي في "شرحه لمختصر خليل بن إسحاق المالكي ﵀" في باب الإجارة من جواز قتل ثلث المسلمين لإصلاح باقيهم رده محشيه المحقق البناني بما حاصله: أنه لم يُرَ لمالكيٍّ وإنما هو منسوب لغيرهم، وأنه يحرم سطره في الكتب، وشنَّعه أشد تشنيع. وسلَّم المحقق الرهوني كلام البناني.
وكذلك ما ذكره إمام الحرمين من أن مالكًا ﵀ يبيح في العقوبات قطع الأعضاء ليس بصحيح؛ لأن هذا كما قال الأبياري مما دل الدليل على إهداره، فإن الشرع إنما أباح إتلاف الأعضاء في القصاص دون التعزير، وبالجملة فقد تضمن الأبياري ﵀ بالرد على ما نسبه إمام الحرمين ﵀ في هذا الباب لمالك ﵀.
[ ١٨٨ ]
ومما أنكره المخالفون في المصالح المرسلة على الإمام مالك ﵀ تجويزه ضرب المتهم بالسرقة ليقرَّ، فجواز ضرب المتهم هو الحكم، وتوقع الإقرار هو المصلحة المرسلة، والمراد بالمتهم بالسرقة المعروف بها إذا ادعيت عليه. كما قال ابن عاصم في "تحفته":
وإن تكن دعوى على من يتهم فمالك بالسجن والضرب حكم
قالوا: لأنه يمكن أن يكون بريئًا في نفس الأمر من السرقة المدعاة عليه، وترك الضرب لمذنب أهون من ضرب برئ.
وقد قدمنا أن الحجة مع المالكية ظاهرة قوية جدًّا لإجماع الصحابة الإجماع السكوتي على العمل بالمصالح المرسلة في مسائل كثيرة، ويكفيك أن أفضل أصحاب النبي ﵌ وهو أبو بكر الصديق ﵁ عمل بالمصلحة المرسلة وقت مفارقته الدنيا، فقد قالت عائشة ﵂: كتب أبي وصية في سطرين: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا حين يؤمن الكافر، وينتهي الفاجر، ويصدق الكاذب: إني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل، فذلك ظني به، ورجائى فيه. وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء/ ٢٢٧] " أخرجه ابن أبي حاتم.
واستدل الحافظ ابن كثير في "تفسيره" على عموم قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآية بكتابة أبي بكر ﵁ لها في وصيته باستخلاف عمر ﵁، فأبو بكر قدم على تولية عمر وتقليده حقوق جميع المسلمين في وقت مفارقته الدنيا لمجرد المصلحة
[ ١٨٩ ]
المرسلة، إذ لا نص في خصوص تولية عمر، وسكت جميع أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم ولم يعترضوا بعدم النص فيما فعل أبو بكر ﵁، مع أن تجويز مالك لضرب المتهم بالسرقة ليقر يدل عليه ما في بعض روايات حديث الإفك من أن عليًا ﵁ ضرب بريرة لتصدق النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم فيما سألها عنه من أمر عائشة ﵂، وبريرة بريئة ضربت لتخبر بالصدق، وهذه مصلحة مرسلة أقر عليها النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
واعلم أن ما ذكرنا من أن المصلحة المرسلة لم يدل الدليل الشرعي على اعتبارها في ترتب الحكم عليها نعني به الدليل الخاص، فلا ينافي وجود الدليل العام، لأن ما لم يدل عليه دليل خاص ولا عام لا يصح أن يكون حكمًا شرعيًّا.
فالمصالح المرسلة وإن لم تدل عليها الأدلة الخاصة فقد دلت عليها الأدلة العامة، فتولية أبي بكر لعمر ﵄، وإن لم يدل على خصوصها دليل، فقد دلَّ الدليل على وجوب حفظ نظام المسلمين والإسلام بتولية الأحق بذلك من المسلمين، وكتابة المصحف ونقطه وشكله، وإن لم يدل عليها دليل خاص، فقد دلَّ الدليل العام على وجوب حفظ القرآن من الذهاب والتصحيف، وهكذا في جميع المصالح المرسلة، والعلم عند اللَّه.
ثم طلب منا بعض صفوف طلبة العلم بالمعهد الديني في "أم درمان" أن نلقي عليهم درسًا شافيًا بأسلوب واضحٍ في أنواع المجاز والاستعارة، يتبين به صحة تقسيم المجاز والاستعارة، ويتضح به حد
[ ١٩٠ ]
كل قسم من تلك الأقسام.
فكان جوابنا: أنه لما كانت الاستعارة قسمًا من أقسام المجاز نتكلم أولًا على أقسام المجاز بغاية الإيضاح، ثم على أقسام الاستعارة كذلك.
فالمجاز: مَفْعَل مِنْ جاز المكان يجوزه إذا تعداه، ويحتمل أنه اسم مصدر، أو مكان، أو فاعل، أو مفعول، إذ يحتمل كونه جواز المعنى الأصلي أي تعديه إلى غيره، ويحتمل المحل الذي فعل فيه ذلك اللفظ الذي استعمل في غير معناه، ويحتمل كون اللفظ جائزًا أي متعديًا محله الأصلي إلى غيره، ويحتمل كونه مجوزًا به بمعنى أن المتكلم جاز باللفظ محله الأصلي إلى غيره. كل هذه الاحتمالات الأربعة قال بها البعض.
فإذا حققت اشتقاق المجاز فاعلم أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مجاز عقلي، ومجاز مركب، ومجاز مفرد.
والأول الذي هو "العقلي" يسمى أيضًا "مجازًا في الإسناد" و"المجاز الحكمي" و"المجاز في الإثبات" و"الإسناد المجازي".
وحدُّه: إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في اعتقاد المتكلم لأجل ملابسة بينهما، أي المسند وذلك الغير الذي أسند إليه، مع قرينةٍ مانعةٍ عن إرادة ما هو له.
والقرينة لفظية أو معنوية، والملابسة المذكورة كملابسة الفعل لفاعله لوقوعه منه، أو مفعوله لوقوعه عليه، أو مصدره لأنه جزء من
[ ١٩١ ]
معناه، إذ الفعل الصناعي إذا حللته انحل إلى مصدر وزمن، فالمصدر جزء مدلول الفعل وجزؤه الآخر الزمن، وكملابسة الفعل لزمانه أو مكانه لوقوعه دنيهما، أو ملابسته لسببه لحصوله به. وسنمثل لجميع هذه الملابسات.
اعلم أولًا أن الفعل المبني للفاعل أو المفعول إذا أسند إلى ما هو مبني له منهما فهو حقيقة عقلي، كقولك: "قام زيد" في البناء للفاعل، و"جنَّ عمرو" في البناء للمفعول، وإنما يكون مجازًا إذا أسند الفعل إلى غير الفاعل وهو مبني للفاعل، أو أسند إلى غير المفعول وهو مبني للمفعول لجامع بينهما وهو الملابسة المذكورة.
فمثال إسناده لغير الفاعل مع بنائه للفاعل قوله تعالى: ﴿فِى عِيشَةِ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ [الحاقة/ ٢١]، فالفعل وهو الرضى مسندٌ في الحقيقة لغير العيشة؛ لأن الراضي هو صاحب العيشة لا هي، فالعيشة هي المفعول في الأصل؛ إذ الأصل: رضي المرء عيشته، فأسند الفعل إلى المفعول من غير أن يبنى له، فصار "رضيت العيشة" وهو معنى كونه مجازًا، ثم سبك من الفعل المبني للفاعل اسم فاعل، وأسند إلى ضمير العيشة، فقيل: "عيشة راضية" أي هي، فآل الأمر إلى إسناد الفعل إلى مفعوله للملابسة بينهما وهي وقوعه عليه، مع أن هذا الفعل الذي أسند إلى المفعول مبني للفاعل.
ومثال إسناده لغير المفعول مع بنائه للمفعول مجازًا عقليًا قولهم: "سيل مُفْعَم" بصيغة اسم المفعول، فالفعل هو الإفعام، وهو في الحقيقة مسند إلى السيل، لأنه هو المالئ الوادي، والوادي في
[ ١٩٢ ]
الحقيقة مفعولٌ؛ لأنه مملوء بالسيل، فأسند الفعل الذي هو الإفعام إلى المفعول الذي هو الوادي، فصار "أفعم الوادي السيل" بقلب المفعول فاعلًا، فحذف الفاعل المجازي الذي هو الوادي، وناب عن المفعول المجازي الذي هو الفاعل في الأصل وهو السيل، فصار "أُفْعِمَ السيل" ببناء الفعل للمفعول، وهو كونه مجازًا نظرًا إلى أن السيل في الأصل هو الفاعل لا المفعول، ثم سبك منه اسم مفعول فقيل: "سيل مُفْعَم" بفتح العين، فأسند اسم المفعول إلى ضمير المفعول الذي هو في الأصل فاعل، أي: "سيل مفعم هو".
ومثال إسناد الفعل لمصدره مجازًا عقليًّا قول أبي فراس الحمداني:
سيذكرني قومي إذا جَدَّ جدُّهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
إذ الأصل: سيذكرني قومي إذا جدوا جدًّا. فحذف الفاعل الذي هو ضمير القوم، وأسند الفعل إلى المصدر الذي هو جدهم للملابسة بين الفعل ومصدره؛ لأنه جزء من مدلوله كما تقدم.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف/ ٢٠٠، فصلت/ ٣٦].
ومثال إسناد الفعل إلى ظرفه الزماني مجازًا عقليًا قول الشاعر:
لقد لُمْتِنَا يا أم غيلان في السُّرى ونِمْتِ وما ليل المحبِّ بنائم
إذ الأصل: وما المحب بنائم في ليله. فالفعل النوم والمسند إليه في الحقيقة المحب، والليل زمان الفعل الذي هو النوم، فحذف
[ ١٩٣ ]
الفاعل الذي هو المحب، وأسند الفعل المبني له إلى الزمان فصار "نام ليله"، وهذا هو معنى كونه مجازًا، ثم سبك من الفعل اسم فاعل، وأخبر به عن الليل فقيل: "ليل المحب نائم" فإسناد النوم إلى الليل مجازٌ عقليٌّ؛ لأن النائم الشخص لا الليل.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ [الفجر/ ٤]؛ لأنه مسرى فيه.
ومثال إسناد الفعل إلى ظرفه المكاني مجازًا عقليًا قولهم: "نهر جار" لأن الأصل جرى الماء في النهر، فالفعل الجريان، والفاعل الماء، ومكان الفعل النهر، فحذف الفاعل الذي هو الماء، وأسند الفعل الذي هو الجريان إلى المكان الذي هو النهر، فقيل "جرى النهر"، وهذا هو معنى كونه مجازًا، ثم سبك من الفعل اسم فاعل فقيل: "نهر جار" بالإسناد إلى ضمير النهر مجازًا عقليًّا؛ لأن الجريان لغيره وهو الماء.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة/ ٢]؛ لأن الأصل: أخرج اللَّه الأثقال من الأرض، فالفعل الإخراج، والفاعل اللَّه، والأرض مكان الإخراج، فأسند الفعل إلى مكانه مجازًا عقليًّا لملابسة بين الفعل ومكانه وهي وقوعه فيه.
ومن هذا الإسناد العقلي الذي أسند فيه الفعل إلى مكانه قول الشاعر:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المُطِيِّ الأباطحُ
لأنه شبه السير في غاية السرعة المشتملة على لين وسلاسة بسيلان
[ ١٩٤ ]
الماء، فاستعاره له، وأسند ذلك الفعل الذي هو السيلان إلى مكانه وهو الأباطح جمع أبطح، وهو المكان المتسع الذي فيه دقاق الحصى، والأصل إسناد السيلان المستعار للسير إلى فاعل السير حقيقة، ولكنه أسند إلى مكان السير مجازًا عقليًّا.
والمجاز العقلي باعتبار انقسام طرفيه -أعني المسند إليه والمسند- إلى حقيقة ومجاز ينقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: كون الطرفين حقيقتين، والمجاز إنما هو في نفس الإسناد، كقول المؤمن الموحد: "أنبت الربيع البقل"، فالربيع وإنبات البقل مستعملان في معناهما الحقيقي، فهما حقيقتان، والمجاز إنما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع؛ لأن المنبت في الحقيقة هو اللَّه، فأسند الإنبات لغير من هو له وهو الربيع للملابسة بين الفعل الذي هو الإنبات وسببه الذي هو الربيع.
القسم الثاني من الأقسام الأربعة المذكورة: كونهما مجازين والإسناد أيضًا مجازي، كقولك: "أحيى الأرضَ شبابُ الزمان"، فالمسند إليه "شباب الزمان" وهو مستعار للربيع مجازًا مفردًا على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، والمسند الإحياء، وهو مستعار للإنبات مجازًا مفردًا على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، وإسناد الإحياء المستعار للإنبات إلى "شباب الزمان" المستعار للربيع مجاز عقلى؛ لأن محيي الأرض بالإنبات هو اللَّه تعالى، والربيع سبب، فأسند الفعل إلى سببه مجازًا عمليًّا مع أن الطرفين مجازان مفردان.
القسم الثالث: كون المسند إليه حقيقة لغوية، والمسند مجازًا
[ ١٩٥ ]
مفردًا مع المجاز في الإسناد، كقولك: "أحيى الربيعُ الأرضَ"؛ فالمسند إليه الربيع وهو مستعمل في معناه الحقيقي، والمسند الإحياء وهو مجازي عن الإنبات، وإسناده إلى الربيع مجاز، لأن المنبت في الحقيقة اللَّه لا الربيع، ومن هذا القسم قول الشاعر: "وسالت بأعناق المطيِّ الأباطح". وقد أوضحنا ذلك.
القسم الرابع: كَوْنُ المسند إليه مجازًا مفردا والمسند حقيقة لغوية والإسناد مجازي، كقول المؤمن الموحد: "أنبت البقلَ شبابُ الزمان"؛ فالمسند إليه "شباب الزمان" وهو مجاز عن الربيع، والمسند "إنبات البقل" وهو حقيقة، وإسناد الإنبات إلى الربيع المعبر عنه بشباب الزمان مجازٌ عمليٌّ. وهذا واضح مما قدمنا.
واعلم أنا قدَّمنا في حدِّ المجاز العقلي أنه لا بدَّ فيه من قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة في الإسناد، وأن تلك القرينة تنقسم إلى لفظية ومعنوية، فمثال القرينة اللفظية على قصد المجاز قول أبي النجم:
* أفناه قِيْلُ اللهِ للشمسِ اطلعي *
بعد قوله:
مَيَّزَ عنه قَنْزَعًا عن قنزَعِ جَذْبُ الليالي أبطئي أو أسرعي
فإن إسناده الإفناء إلى "قيل اللَّه للشمس اطلعي" قرينة لفظية على أن إسناده تمييز قنزع من شعر رأسه عن قنزع إلى "جذب الليالي" مجاز. وأنه يعلم أن من جعل شعر رأسه قنازع متفرقة متميزًا بعضها عن بعض هو اللَّه تعالى، لا جذب الليالي.
[ ١٩٦ ]
ومن أمثلة القرينة اللفظية على المجاز العقلي قول الصلتان العبدي:
وملَّتنا أننا المسلمون على دين صدِّيقنا والنبي
بعد قوله:
أشاب الصغيرَ وأفنى الكبيرَ مرُّ الغداة وكرُّ العشي
فإن قوله: "وملتنا أننا المسلمون" قرينةٌ لفظيةٌ على أن إسناده إشابة الصغير وإفناء الكبير إلى "مر الغداة" و"كر العشي" مجاز. فما في "التخليص" من أنه غير مجاز لعدم القرينة على قصد المجاز فيه نظر، كما نبه عليه غير واحدٍ من المحققين.
وأما القرينة المعنوية فكقولك: "جاءتك المحبة بي" إذ المحبة لا تجيء به، بل هي سبب مجيئه، وكإيمان قائل "أنبت الربيع البقل".
فإذا حققت بما ذكرنا معنى المجاز العقلي فاعلم أن إسناد الفعل أو مشابهه إلى من هو له عند المتكلمين يسمى "حقيقة عقلية"، كقول المؤمن: "أنبت اللَّه البقل"، وقول الطبائعي: "أنبت الربيع البقل".
والإسناد الخبري ينقسم إلى هذين القسمين -أي الحقيقة العقلية والمجاز العقلي-، والقرينة المذكورة هي الفارقة بين المجاز والكذب، كما يأتي إيضاحه في قرينة الاستعارة.
وأما القسم الثاني من أقسام المجاز: وهو المجاز المركب، فهو اللفظ المركب الذي استعملت مفرداته في حقائقها اللغوية، واستعمل
[ ١٩٧ ]
مجموع معناه في غير ما وضع له مجموع تلك الكلمات المستعملة في حقائقها؛ لعلاقة بينهما، مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي، كقولك للمتردد في فعل أمر: "ما لك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى؟ "؛ فالتقديم والتأخير والرجل والأخرى كلها حقائق لغوية، إذ المراد بكل واحدٍ منها معناه اللغوي الحقيقي، إلا أن مجموع الهيئة الحاصلة من تقديم رجل وتأخير أخرى استعمل في معنى آخر هو التردد بين الإقدام على الفعل والإحجام عنه؛ للمشابهة الحاصلة بينهما، مجازًا مركبًا على سبيل الاستعارة التمثيلية.
واعلم أن علاقة المجاز المركب لابد أن تكون المشابهة أو غيرها، فإن كانت المشابهة فهي الاستعارة التمثيلية، ومنها جميع الأمثال السائرة، وهي أحسن أنواع الاستعارة، وسيأتي لها زيادة إيضاح في مباحث الاستعارة إن شاء اللَّه.
وأما إن كانت علاقة المجاز المركب غير المشابهة فهو مجاز مركب مرسل، ولا يسمى استعارة، كقول الشاعر:
هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق
فإن مفردات هذا البيت كلها حقائق لغوية، ومعناه المركب هو الإخبار بأن هواه مصعد جنيب مع الركب اليمانين وجثمانه موثق بمكة. إلا أنه أطلق هذا المعنى الخبري وأراد به معنى إنشائيًا، وهو إنشاء التحسر والتلهف على ما نزل به من كون جثمانه موثقًا بمكة ومَهْوِيِّه باليمن مجازًا مركبًا علاقته السببية، لأن ما أخبر به من إيثاق جثمانه بمكة وكون مَهْوِيِّه باليمن سبب لتحسره. وإنما كان الخبر
[ ١٩٨ ]
المذكور مجازًا لأنه لم يرد به فائدة الخبر ولا لازمها، كما هو ظاهر.
ومن هذا القبيل قول الشاعر:
آلة العيش صحة وشباب فإذا ولَّيا عن العمر ولَّى
فالمدلول المركب خبري، ومقصوده منه التحسر والتأسف على تولي شبابه وصحته.
ومن هذا المعنى قوله تعالى عن امرأة عمران أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران/ ٣٦] إذ لم ترد بهذا الكلام فائدة الخبر ولا لازمها، لأن اللَّه أعلم بكل شيء، كما قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾؛ فأطلقت الصيغة خبرية وأرادت بها إنشاء التحسر والتأسف على أنها لم تلد ذكرًا يصلح لخدمة المساجد، وهو واضح مما قدمنا.
وأما القسم الثالث من أقسام المجاز: وهو المجاز المفرد، فَيُحَدُّ بأنه الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح به التخاطب، لعلاقة جامعة بينهما، مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي، كقولك: "رأيت أسدًا يرمي" فلفظة الأسد موضوعة للحيوان المفترس، وقد استعملت في غيره وهو الرجل الشجاع لعلاقة جامعة بينهما وهي الشجاعة، مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي الذي هو الحيوان المفترس وهي لفظة "يرمي"؛ لأن الحيوان المفترس لا يرمي، والذي يرمي هو الرجل الشجاع.
وإنما قلنا في حد المجاز المفرد: "في اصطلاح به التخاطب"، لأن اللفظ الواحد يكون مجازًا باعتبار اصطلاح، وحقيقة باعتبار
[ ١٩٩ ]
اصطلاح آخر، كما بينه في "مراقي السعود" بقوله:
وهو حقيقة أو المجاز وباعتبارين يجي الجواز
وإيضاحه بمثاله: أن الصوم مثلًا في اصطلاح التخاطب اللغوي هو كل إمساك، فيشمل الإمساك عن الكلام، كما قال تعالى حكاية عن مريم ابنة عمران: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم/ ٢٦] أي إمساكًا عن الكلام، بدليل قوله حكاية عنها: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم/ ٢٦]، ويشمل الإمساك عن الجري مثلًا، كقول النابغة:
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
فقوله: "خيل صيام" أي ممسكة عن الجري، وقوله: "وخيل غير صائمة" أي غير ممسكة عنه. ومنه قول امرئ القيس:
كأن الثريا علقت في مَصامِها بأمراس كتان إلى صم جندل
فقوله: "في مصامها" أي مكان صومها، أي إمساكها عن الحركة.
فكل إمساكٍ صومٌ لغةً، وفي التخاطب الشرعي يستعمل الصوم في إمساك مخصوص، وهو إمساك البطن والفرج عن شهوتيهما من الفجر إلى الغروب؛ فاستعمال الصوم في الإمساك عن الكلام والجري مثلًا مجاز شرعي وحقيقة لغوية، واختصاص الصوم بإمساك البطن والفرج عن الشهوة حقيقة شرعية ومجاز لغوي.
وعرَّف صاحب "مراقي السعود" الحقيقة الشرعية بقوله:
وما أفاد لاسمه النبي لا الوضع مطلقًا هو الشرعي
[ ٢٠٠ ]
وكذلك "الصلاة" فإنها في اللغة مطلق الدعاء، وفي اصطلاح الشرع العبادة المعروفة المركبة من نييةٍ وأفعالٍ وأقوال، فاستعمال الصلاة في مطلق الدعاء حقيقةٌ لغويةٌ ومجازٌ شرعي، واستعمالها في خصوص العبادة المعروفة حقيقةٌ شرعية ومجازٌ لغوي، وذلك هو معنى قوله في مراقي السعود: "وباعتبارين يجي الجواز" كما تقدم.
واعلم أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة الشرعية واللغوية حمل على الشرعية على التحقيق؛ لأن المقاصد الشرعية مقدمة على اللغوية، فمن حَلَف ليصومنَّ لا يَبَرُّ بإمساكه عن الكلام مثلًا، ومن حلف ليصلينَّ لا يَبَرُّ بدعاء؛ لأن المقصد الشرعي مقدم على غيره، ثم بعد الشرعي العرفي، ثم اللغوي، كما بينه في "مراقي السعود" بقوله:
واللفظ محمول على الشرعي إن لم يكن فمطلق العرفي
فاللغوي على الجلي ولم يجب بحث عن المجاز في الذي انتخب
وخالف أبو حنيفة في تقديم العرفي على اللغوي، وجنح ابن السبكي في "جمع الجوامع" إلى أن ما تعارض فيه المجاز اللغوي الراجح بالعرف، والحقيقة اللغوية الراجحة بأصل الوضع أنه يكون مجملًا، فلا يحمل على أحد الأمرين إلا بنيةٍ أو قرينة، وإلى هذا أشار في "مراقي السعود" بقوله:
وحيثما قصد المجاز قد غلب تعيينه لدى القرافي منتخب
ومذهب النعمان عكس مامضى والقول بالإجمال فيه مرتضى
وقوله: "مرتضى" يعني عند ابن السبكي في "جمع الجوامع".
[ ٢٠١ ]
ومحل تحرير هذه المباحث أصول الفقه، وإنما ذكرنا منه البعض استطرادًا.
فإذا حققت بما قد قدمنا حدَّ المجاز المفرد، فاعلم أنه ينقسم إلى قسمين: وهما المجاز المرسل، والاستعارة.
وبرهان الحصر فيهما أن المجاز لابد له من علاقة، وهي لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون المشابهة، وإما أن تكون غيرها، فإن كانت علاقته المشابهة، فهو الاستعارة، وإن كانت علاقته غير المشابهة فهو المجاز المرسل، فالاستعارة مجاز علاقته المشابهة، والمرسل مجاز علاقته غير المشابهة.
واعلم أن "العلاقة" بالفتح أوضح في المعاني، وبالكسر أفصح في الآلات.
ولما كانت أنواع الاستعارة مطلوبًا في السؤال بيانها مع أنواع المجاز، وهي قسم من أقسام المجاز، بدأنا بذكر بيان المجاز المرسل من قسمي المجاز المفرد، وأخرنا القسم الآخر الذي هو الاستعارة لتتم أقسام المجاز أولًا، ثم نتكلم على أقسام الاستعارة.
اعلم أنا ذكرنا أن المجاز المفرد إذا كانت علاقته غير المشابهة فهو المجاز المرسل، وسنذكر أمثلة من علاقة المجاز المرسل:
فمنها: السببية، أي تسمية الشيء باسم سببه مجازًا مرسلا، علاقته كونه سببه، كقولهم: "رعينا الغيث" أي النبات، فأطلق الغيث وأريد النبات؛ لأنه سببه مجازًا مرسلًا علاقته السببية.
[ ٢٠٢ ]
ومن هذا القبيل قول الشاعر:
أكلت دمًا إن لم أرعك بضرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
سمى الدية باسم الدم لأنه سببها.
ومنها: المسبَّبية، أي تسمية الشيء باسم مسبَّبه مجازًا مرسلًا علاقته المسببية، كقولهم: "أمطرت السماء نباتًا" أي غيثًا، سُمِّي الغيث باسم مسبَّبه وهو النبات مجازًا مرسلًا علاقته المسببية.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر/ ١٣].
ومنها: الكلية، أي تسمية الجزء باسم كله مجازًا مرسلًا علاقته الكلية، كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة/ ١٩] إذ المراد بالأصابع جزء منها وهو الأنامل، فسمى الأنامل باسم الأصابع، وهي كلٌ لها مجازًا مرسلًا علاقته الكلية.
ومنها: الجزئية، أي تسمية الشيء باسم جزئه مجازًا مرسلًا علاقته الجزئية، كتسميتهم الربيئة -أي الرقيب- عينًا، فسموه باسم جزئه -الذي هو عينه- مجازًا مرسلًا علاقته الجزئية، ولا يطلق الجزء على الكل إلا إذا كان له مزيد اختصاص بالمعنى الذي قصد بالكل، كالربيئة الذي هو الرقيب، فلعينه الباصرة التي أطلقت عليه مجازًا مزيد اختصاص بالمعنى المراد الذي هو المراقبة.
ومنها: اعتبار الوصف في الزمان الماضي، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء/ ٢] لأنهم وقت الأمر بإيتائهم أموالهم بالغون لا
[ ٢٠٣ ]
يتامى، فأطلق عليهم اسم اليتامى نظرًا لما تقدم من يتمهم في الزمان الماضي مجازًا مرسلًا علاقته اعتبار الوصف المتقدم في زمن ماض.
ومنها: اعتبار ما يؤول إليه الأمر، كقوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف/ ٣٦] فقد أطلق اسم الخمر على غيرها من عنب أو عصير مجازًا مرسلًا علاقته اعتبار المآل؛ لأن مآل ما ذكر من عنب أو عصير أن يكون خمرًا.
ومنها: المجاورة، وهي تسمية الشيء باسم المجاورة مجازًا مرسلًا علاقته المجاورة، كتسميتهم المزادة راوية، فالمزادة الظرف الذي يستقى به الماء، والراوية البعير الذي يحمل المزادة، فسموا المزادة باسم البعير الذي هو الراوية للمجاورة بينهما مجازًا مرسلًا علاقته المجاورة.
ومنها: الآلية، وهي تسمية الشيء باسم آلته مجازًا مرسلًا علاقته كونه آلته، كقول أعشى باهلة:
إني أتتني لسان لا أُسَرُّ بها مِنْ عَفوَ لا عجبٌ فيها ولا سَخَرُ
فقوله: "لسان" يعني مقالة، فسمى المقالة باسم آلتها التي تحصل بها وهي اللسان مجازًا مرسلًا علاقته الآلية.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء/ ٨٤] أي ذكرًا حسنًا وثناء في الآخرين.
ومنها: المحلِّية، وهي تسمية الشيء باسم محلِّه مجازًا مرسلًا علاقته المحلِّية، كتسميتهم الجماعة بالنادي، فأصل النادي المحل
[ ٢٠٤ ]
الذي تجلس فيه الجماعة، فسموا باسمه الجماعة الجالسين فيه مجازًا مرسلًا علاقته كونه محلًا لهم.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق/ ١٧ - ١٨].
ومنها: الحاليَّة، أي تسمية الشيء باسم الحال فيه مجازًا علاقته كونه حالًا فيه، كقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران/ ١٠٧] سمى الجنة باسم الرحمة لكون الرحمة حالَّة في الجنة.
وللمجاز المرسل علاقات أخرى غير ما ذكرنا، وفيما ذكرنا من الأمثلة كفاية؛ لأنا لم نرد استيعابها، بل ذكر أمثلة متعددة منها يتم بها وضوح المعنى للسامعين.
فإذا حققت بما ذكرنا من البيان أن المجاز ينقسم إلى عقلي ومركب ومفرد، وأن كلًا من المركب والمفرد ينقسم إلى مرسل واستعارة، فاعلم أنَّا قد بينابخاية الإيضاح المجاز العقلي والمجاز المرسل من المفرد والمركب، ولم يبق من أقسام المجاز إلا قسمٌ واحد هو الاستعارة، وهذا أوان الشروع في تحقيق مباحث الاستعارة.
اعلم أولًا أن الاستعارة من مادة "ع ور" وهي مصدر استعار، ووزن استعار استفعل، والأصل في قياس مصدر "استفعل" هو "الاستفعال" إلا أن "استفعل" ومثلها "أفعل" إذا كانت معتلة العين سقطت عينها بالاعتلال فأبدلت ألفًا وعوض من تلك العين الساقطة بالاعتلال في المصدر تاء زائدة، كما تقول: استقام استقامة، واستعان استعانة، واستعار استعارة، ولو كانت العين صحيحة لقلت في
[ ٢٠٥ ]
المصدر: استفعالًا، كاستخرج استخراجًا، واستنكف استنكافًا، وربما أجريت مجرى الصحيح مع اعتلال العين، كقوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة/ ١٩].
فأصل الاستعارة من التعاور وهو التداول، فالمتاع المستعار تداوله المالك ومريد الانتفاع الذي هو المستعير، واللفظ تداوله معناه الأصلي والمجازي كتداول المعير والمستعير للمتاع المعار، ومن هذا المعنى قول عنترة:
إذ لا أزال على رِحَالةِ سابحٍ نَهْدٍ تعاوره الكماةُ مكلَّمِ
فإذا عرفت ما ذكرنا وعلمت أن أقسام المجاز ثلاثة: وهي المجاز العقلي، والمركب، والمفرد، فاعلم أن واحدًا منها لا تكون منه استعارة أصلًا وهو المجاز العقلي، وما يأتي في بحث الاستعارة التخييلية من أنها عند جمهور البيانيين وسلفهم في الحقيقة مجاز عقلي لا يَرِدُ على ما ذكرنا؛ لأن تسميتهم ذلك المجاز العقلي استعارة تخييلية مجازٌ؛ لأن العقلي لا يتناوله حد الاستعارة بحال، وسترى إيضاحه فيما يأتي إن شاء اللَّه.
وأما المجاز المركب فهو الذي منه الاستعارة التمثيلية، ولا يأتي منه شيء من أنواع الاستعارة غيرها.
وأما المجاز المفرد فهو الذي منه سائر أنواع الاستعارة؛ لأنا قدمنا أنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تكون علاقته المشابهة أو غيرها، فإن كانت المشابهة فالاستعارة، وإلا فالمجاز المرسل.
[ ٢٠٦ ]
ونذكر من خلال ذلك التخييلية التي هي في الحقيقة مجاز عقلي عند الجمهور والسلف من البيانيين، ثم نذكر الاستعارة التي هي قسم من المجاز المركب وهي التمثيلية.
اعلم أن الاستعارة التي هي قسم من قسمي المجاز المفرد تنقسم انقسامات كثيرة باعتبارات مختلفة، فتتنوع بذلك إلى أنواع كثيرة مختلفة. وسنبيِّن لك جميعها مع غاية الإيضاح.
اعلم أولًا أن أصل الاستعارة التشبيه، فهي مجاز علاقته المشابهة، وهم يقولون: إن التشبيه زُوِّجَ بالمجاز فتولدت من بينهما الاستعارة.
واعلم أن الاستعارة لابد فيها من حذف أحد طرفي التشبيه الذي هو أصلها أعني المشبه به والمشبه، ولابد مع ذلك من حذف الوجه والأداة، فالاستعارة لم يبق فيها من أركان التشبيه الذي هو أصلها إلا المشبه به فقط، أو المشبه فقط، وهي بهذا الاعتبار تنقسم إلى تصريحية ومكنية، وبرهان الحصر فيهما بهذا الاعتبار أنك تقول: لابد في الاستعارة من حذف المشبه أو المشبه به، ولا ثالث، فإن كان المحذوف المشبه فهي التصريحية، وإن كان المحذوف المشبه به فهي المكنية.
واعلم أن المشبه به إذا حذف في المكنية لابد أن يرمز له بشيء من لوازمه، ويسند ذلك اللازم المرموز به للمشبه به الى حذوف إلى المشبه المذكور، وإسناده إليه -وهو في الحقيقة لغيره- هو معنى الاستعارة التخييلية عند الأقدمين من أهل البيان، فالتخييلية عندهم مجاز عقلي، وإنما سموها استعارة مجازًا.
[ ٢٠٧ ]
والتصريحية نسبة إلى التصريح الذي هو التعبير بالكلام الواضح الذي لا يقبل التأويل، وسميت الاستعارة تصريحية للتصريح فيها بلفظ المشبه به، والمكنية من الكناية التي هي ضد التصريح، وهى في الاصطلاح استعمال اللفظ في لازمه مع جواز قصد المعنى الأصلي، ومعنى الاستعارة بالكناية عندهم: أن المشبه به المحذوف استعير للمشبه المذكور من غير تصريح به، بل بالكناية عنه بلازمه والدلالة عليه به، ويظهر معنى الكناية والتصريح لغةً من قول الشاعر:
وإني لأكني عن قَذُورٍ بغيرها وأعرب أحيانًا بها فأصارح
فمثال الاستعارة التصريحية قولك: "رأيت أسدًا يرمي" تعني رجلًا شجاعًا، فالأصل تشبيه الرجل الشجاع بالأسد في الشجاعة، حُذِفَ المشبه الذي هو الرجل الشجاع، واستعير له الأسد الذي هو المشبه به، وصرِّح بلفظه، فصارت تصريحية، وقولنا: "يرمي" هو قرينة الاستعارة.
ومثال الاستعارة بالكناية قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
فإنه أراد تشبيه المنية بالأسد، والجامع بينهما الاغتيال والإهلاك، فذكر المشبه الذي هو المنية، وحذف المشبه به الذي هو الأسد، ورمز له بلازمه الذي هو الأظفار، فرمزه للأسد بالأظفار هو معنى كونها كناية؛ لأن الأسد لم يصرح به، وإنما ذكر بطريق الكناية عنه، والاستدلال عليه بلازمه، وإسناد الأظفار إلى المنية هو الاستعارة
[ ٢٠٨ ]
التخييلية، والأظفار في الحقيقة مستعملة في معناها اللغوي، وإنما المجاز في إسنادها إلى المنية وهي ليست لها، فإسنادها إليها مجاز عقلي عند السلف من البيانيين، وإنما سموه استعارة تخييلية مجازًا.
وما ذكرنا من أن القسمة ثنائية بهذا الاعتبار لا يَرِدُ عليه جعل الاستعارة التخييلية قسمًا ثالثًا، لأن عدهم التخييلية قسمًا إنما هو باعتبار لزومها للمكنية، فهي قسم بالتبع بالاستقلال، لأن التخييلية لا تصلح قسيمًا للمكنية لملازمتها عند سلف البيانيين، لأن أداة التقسيم عنادية أبدًا كإما ونحوها، ولا عناد بين المتلازمين، ولا تصلح أيضا قسيمًا للمصرحة؛ لأن التخييلية على مذهب الأقدمين حقيقة لغويةٌ مجازٌ عقليٌّ، والمجاز العقلي ليس قسمًا من أقسام الاستعارة.
وأما على مذهب السكاكي ومن تبعه فلا تصلح التخييلية أيضًا قسيمًا للمصرحة؛ لأن المصرحة عنده تنقسم إلى تخييلية وتحقيقية.
فإذا كانت التخييلية عند الأقدمين مجازًا عقليًّا، وعند السكاكي استعارة مصرحة، تبين أنها لا يصح كونها قسيمًا لها، فقولك: "الاستعارة إما تصريحية أو مكنية" هذا تقسيم صحيحٌ؛ لأنه لابد من حذف أحد الطرفين، فإن كان المشبه فهي التصريحية، وإلا فالمكنية.
ولا يصح قولك: "الاستعارة إما مكنية وإما تخييلية"؛ لأن التخييلية عند الأقدمين مجاز عقلي، والمجاز العقلي ليس من أقسام الاستعارة، كما لا يصح قولك: "الاستعارة إما تصريحية وإما تخييلية"؛ لأن التخييلية مجاز عقلي عند الأقدمين، ومصرحة عند السكاكي ومن وافقه، كما يأتي تحقيقه في الكلام على قرينة المكنية.
[ ٢٠٩ ]
والذي يصح قسيمًا للتخييلية إنما هو الاستعارة التحقيقية؛ لأنك تقول: المستعار له إما أن يكون له وجود في العقل أو الخارج، أو لا وجود له في واحد منهما. فإن كان له وجودٌ في العقل أو الخارج فهي التحقيقية، وإلا فالتخييلية. وهذا التقسيم ذكره السكاكي، وهو الذي يقبله الذهن السليم، فجعل التخييلية قسيمًا للمصرحة والمكنية لا يصح إلا بالنظر لملازمتها المكنية عند الأقدمين.
واعلم أن ما ذكرنا من أن الاستعارة بالكناية هي لفظ المشبه به المحذوف المرموز له بلازمه هو مذهب جمهور البيانيين وسلفهم، ونص عليه الزمخشري في "الكشاف" في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد/ ٢٧]، وهذا هو المعول عليه عندهم في المكنية. وفيها أربعة مذاهب غير هذا المذهب الصحيح، فالمذاهب فيها خمسة بالاستقراء، والمعتمد ممها هو ما بيَّنا، وسنبيِّن الأربعة الباقية، وهي: مذهب السكاكي، ومذهب الخطيب، ومذهب العصامي، ومذهب صاحب "الكشف".
أما مذهب السكاكي في المكنية فهو أنها لفظ المشبه المستعمل في المشبه به بادعاء أنه هو بعينه، أي من جنس حقيقته، وإنكار أنه شيء آخر، مستدلًا على ذلك بإضافة لازمه إليه، فالاستعارة عنده في قولك: "أنشبت المنية أظفارها" هي لفظة "المنية" المستعملة عنده في الأسد، بادعاء أن المنية هي الأسد نفسه لا شيء آخر، بدليل إضافة أظفارها إليها، وإطلاق "المنية" مرادًا بها الأسد مع ادعاء أنها هي هو بقرينة إضافة أظفاره إليها هو الاستعارة عنده بالمعنى المصدري.
[ ٢١٠ ]
وأما مذهب الخطيب في المكنية، وهو القزويني خطيب دمشق قاضي القضاة محمد بن عبد الرحمن صاحب "التلخيص" و"الإيضاح"، فهو أنها هي التشبيه المضمر في النفس المتروك أركانه سوى المشبه المدلول عليه بإثبات لازم المشبه به له. فنحو: "أنشبت المنية أظفارها" عنده معناه أن المتكلم بهذا اللفظ أراد تشبيه المنية بالأسد بجامع الاغتيال والإهلاك، فأضمر التشبيه في نفسه، وحذف أركانه كلها إلا المشبه الذي هو المنية، وأثبت له لازمه المحذوف الذي هو المشبه به. فالمحذوف الأسد، ولازمه الأظفار المثبتة للمنية، فالمكنية عنده: تشبيه مضمر في النفس مدلول عليه بذكر لازم المشبه به.
وأما مذهب العصامي في المكنية فهو أن الاستعارة بالكناية لفظ المشبه به المقلوب المستعار للمشبه المقلوب، مع جعل مجموع الكلام كناية عن لازم معناه. وتقريره في نحو: "أظفار المنية" أن يقال: شبه الأسد بالمنية، واستعير لفظ المنية للأسد، ثم جعل التركيب المشتمل على هذه الاستعارة وهو مجموع قولك: "أنشبت المنية أظفارها بفلان"، من حيث معناه بعد التركيب وهو إنشاب الأسد الحقيقي أظفاره بفلان = كناية عن تحقيق الموت، فهي عندهم من فروع التشبيه المقلوب، وهو قلب المشبه به مشبهًا والمشبه مشبهًا به، كقول محمد بن وهب يمدح المأمون بن هارون الرشيد:
وبدا الصباح كأن غرته وجه الخليفة حين يُمتدح
وأما مذهب صاحب "الكشف" في المكنية فهو أنها اللازم المرموز
[ ٢١١ ]
به للمشبه به المحذوف، وهو الأظفار في المثال المذكور، ويسمى استعارة لاستعارته للمشبه، وبالكناية لأنه كناية عن النسبة، أي إثبات الأسدية للمنية، وهذا هو ما فهمه صاحب "الكشف" من كلام صاحب "الكشاف". والتحقيق أن كلام صاحب "الكشاف" يوافق مذهب سلف البيانيين كما قدمنا.
فإذا حققت هذه المذاهب الأربعة في المكنية، وعلمت أنا قدمنا أنها لا معول على شيء منها، فسنذكر لك وجه بطلان كل واحدٍ منها على سبيل اللف والنشر المرتب.
أما مذهب السكاكي في المكنية فوجه القدح فيه أن ما سماه استعارة لا يتناوله اسم الاستعارة على مذهبه، والحكم على شيء بأنه استعارة وهو ليس من الاستعارة واضح البطلان؛ لأنها على مذهبه حقيقة لغوية، والاستعارة لا تطلق اصطلاحًا إلا على مجاز علاقته المشابهة.
وإيضاح ذلك أنا قدمنا أن مذهبه في المكنية أنها لفظ المشبه المستعمل في المشبه به بادعاء أنه هو لقرينة نسبة صفته إليه، فالمنية عنده مرادًا بها الأسد مدعيًا أنها هي هو لا شيء آخر بدليل نسبة أظفاره إليها، ولا يخفى أن لفظ المشبه كالمنية في المثال المذكور لم يستعمل إلا فيما وضع له تحقيقًا للقطع بأن المراد بالمنية الموت لا شيء آخر. غاية الأمر ادعاء اتحاد الموت بالأسد، ولا شيء من الاستعارة يستعمل في معناه الموضوع له تحقيقًا، والسكاكي نفسه فسَّر الاستعارة بأنها ذكر أحد طرفي التشبيه مرادًا به الآخر، وهي عنده قسم من المجاز
[ ٢١٢ ]
المفرد المفسر بالكلمة المستعملة في غير ما وضعت له، فلا يكون على مذهبه المشبه في صورة الاستعارة بالكناية استعارة.
والحاصل أن هذا الكلام الذي ذكرنا يشتمل على مقدمتين صحيحتين، يتركب منها قياس اقتراني من الشكل الثاني، ينتج بطلان مذهب السكاكي.
وكيفية نظمه أن نقول: لفظ المشبه لم يستعمل إلا في معناه، ولا شيء من الاستعارة يستعمل في معناه، ينتج: لا شيء من لفظ المشبه باستعارة. وهو المطلوب في رد مذهب السكاكي.
واعلم أن هذا القياس الذي ذكرنا لا يعترض بكون كلتا مقدمتيه فيها حرف سلب، والشكل الثاني يشترط لإنتاجه اختلاف مقدمتيه في الكيف، بأن تكون إحداهما موجبة والأخرى سالبة كما هو معلوم؛ لأن صغراه التي هي قولنا: "لفظ المشبه لم يستعمل إلا في معناه" موجَبةٌ معنًى، لأن النفي بـ "لم" نفته "إلا"، فتماسكت (^١) "لم" و"إلا"، ونفي النفي إثباتٌ، فصار المعنى: لفظ المشبه مستعمل في معناه فقط.
فإذا كانت تسمية الاستعارة تختل بالذهاب إلى مذهب السكاكي فلا وجه للذهاب إليه، وما أجاب به في "المفتاح" عن هذا الاعتراض نوقش فيه كثيرًا، وفيما ذكرنا كفاية.
وأما مذهب الخطيب فالدليل على عدم صحته أنه فسر المكنية
_________________
(١) كذا في الأصل المطبوع.
[ ٢١٣ ]
بأنها تشبيه مضمر في النفس، والتشبيه المضمر في النفس معنى من المعاني قائمٌ بنفس الشخص، والاستعارة هي الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له، فالمعنى القائم بنفس الشخص لا يصح أن يكون استعارة، والمكنية بالمعنى المصدري لا يصدق عليها حد الخطيب أيضا، لأنها بالمعنى المصدري استعمال اللفظ في غير ما وضع له، والتشبيه مباينٌ لذلك ضرورة.
وأما مذهب العصامي فلا وجه له؛ لأن ما ادعاه من قلب التشبيه خلاف الأصل بلا موجب ولا دليل، وجعله مجموع الكلام كناية عن لازم معناه لابد فيه من ملاحظة الحقيقة، فيخرج بتلك الملاحظة عن حد الاستعارة لأنها مجاز، وبالجملة فمذهبه لا دليل عليه ولا حاجة إليه.
وأما مذهب صاحب "الكشف" فقد قدمنا أنه غلطٌ من أجل فَهْمِه من كلام صاحب "الكشاف" غير مراده، وصاحب "الكشاف" موافق للجمهور في المكنية.
وأيضًا، فإن مذهب صاحب "الكشف" الذي هو أن المكنية هي اللازم المرموز به للمشبه به المحذوف -كالأظفار في المثال المقدم- يظهر القدح فيه بأن الأظفار مثلًا مستعملة في معناها الحقيقي، فليست مجازًا حتى تكون استعارة، وإنما المجاز في إسنادها إلى المنية كما قدمنا عن الجمهور.
وقول بعض البيانيين أن الأظفار في المثال المذكور مجازٌ؛ لأنها مستعملة في مشبه وهمي تخيله الذهن وتوهمه = لا دليل فيه لصاحب
[ ٢١٤ ]
"الكشف"؛ لأنها على ذلك القول تكون استعارة مصرحة تخييلية كما يأتي تحقيقه في مذهب التخييلية.
فتحصَّل أن الأظفار مثلًا في المثال المذكور إما حقيقةٌ لغويةٌ، أو استعارٌ مصرحةٌ، وكل منهما يباين المكنية ضرورة، فظهر سقوط قول صاحب "الكشف".
وما ذكرنا من أن الأظفار في المثال المذكور حقيقةٌ لغويةٌ ومجازٌ عقليٌّ عند الجمهور ينافي تسميتهم لها استعارة تخييلية، وإنما سموا هذه الحقيقة اللغوية والمجاز الإسنادي استعارةً على سبيل المجاز العرفي، وإلا فالتخييلية عنده غير داخلة في حد الاستعارة كما قدمنا.
فإذا حققت المذاهب في المكنية فسنبين لك المذاهب في قرينتها.
اعلم أن مذهب جمهور علماء البلاغة أن قرينة المكنية هي المسماة الاستعارة التخييلية، وهي إسناد اللازم المرموز به للمشبه به المحذوف إلى المشبه، والتخييلية عندهم في الحقيقة حقيقة لغوية، وإنما المجاز في إسناد لازم المشبه به إلى المشبه وهو ليس له، والإسناد المجازي ليس من أقسام الاستعارة؛ لأنه مجاز عقلي، وإنما سموه استعارة تخييلية على سبيل المجاز العرفي.
وعلى مذهب الجمهور فالمكنية والتخييلية متلازمتان لا توجد إحداهما بدون الأخرى، ووجه ملازمتهما عندهم ظاهر؛ لأن المشبه به المحذوف لابد أن يرمز له بشيءٍ من لوازمه، ويسند ذلك اللازم إلى
[ ٢١٥ ]
المشبه المذكور، فالمشبه به المحذوف المدلول عليه بلازمه هو المكنية، وإسناد ذلك اللازم إلى المشبه هو التخييلية، فالتلازم واضحٌ.
ولا يخفى أن الاستعارة لا تنفك عن قرينتها، لأنها جزء من حدها، إذ لابد في المجاز من قرينة كما لا تنفك قرينة الاستعارة عنها، وهذا هو المذهب المعول عليه، والخطيب موافق للجمهور فيه، فهو يوافقهم في التخييلية، ويخالفهم في المكنية.
ومذهب السكاكي في قرينة المكنية أنها تكون طورًا استعارة تحقيقية، وطورًا تخييلية، وطورًا حقيقة لغوية، فمثالها تحقيقية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [الرعد/ ٢٥]، وقوله: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود/ ٤٤]؛ لأنا قدمنا أن السكاكي يقسم الاستعارة إلى تحقيقية، وتخييلية، لأن المستعار له إما أن يكون موجودًا في الخارج أو العقل، أو معدومًا فيهما، فإن كان موجودًا في واحد منهما فهي التحقيقية، وإلا فالتخييلية، فالتحقيقية قسمان نظرًا إلى وجوده في الحِسِّ أو العقل.
فمثال التحقيقية التي التحقيق فيها عقلي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾؛ لأنها استعارة بالكناية، وقرينتها استعارة تحقيقية؛ لوجود المستعار له فيها عقلًا.
وإيضاحه: أن المراد تشبيه العهد بالحبل، والجامع إثبات الوصلة بين أمرين، فحذف الحبل الذي هو المشبه به، وذكر العهد الذي هو المشبه، ورمز للحبل المحذوف بشيء من لوازمه وهو النقض، أي
[ ٢١٦ ]
تفريق طاقات الحبل وتفكيكها. فالنقض الذي هو قرينة المكنية ليس باستعارة تخييلية، بل فيها استعارة تحقيقية تصريحية تبعية.
وإيضاح ذلك: أنه لما شبه بالحبل شبه إبطال العهد بتفكيك طاقات الحبل، فجرت في ملائم المشبه وملائم المشبه به تبعًا لما يلائمه كل منهما.
ففي الكلام استعارتان: إحداهما مكنية، والأخرى تصريحية تحقيقية.
وبيانه: أنه شبه العهد بالحبل، فاستعمل فيه على مذهب السكاكي بادعاء أنه هو بدليل إضافة النقض إليه، وعند الجمهور أنه حذف المشبه به الذي هو الحبل، وأثبت لازمه المرموز له به الذي هو النقض للمشبه المذكور الذي هو العهد، على سبيل الاستعارة المكنية، ثم شبَّه إبطال العهد بتفكيك طاقات الحبل الذي هو النقض، وحذف المشبه الذي هو الإبطال، وصرح بالمشبه به الذي هو النقض، فصارت استعارة تصريحية، والمشبه الذي هو الإبطال موجود عقلًا، فصارت تحقيقية، وتحقيقها عقلي.
ومثال إتيان قرينة المكنية استعارةً تحقيقيةً وتحقيقُها حسيٌّ قوله تعالى: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾؛ لأنه شبه الماء بالغذاء، وحذف المشبه به الذي هو الغذاء، وذكر المشبه الذي هو الماء، ورمز للغذاء المحذوف بلازمه الذي هو البلع. وعند السكاكي: أن الماء مستعمل في الغذاء بادعاء أنه هو، والقرينة نسبة البلع إليه، والبلع مستعار للغَوْر؛ لأنه شبه غور الماء في الأرض ببلع الغذاء، والجامع الغيبوبة
[ ٢١٧ ]
الحاصلة لكل منهما، فحذف المشبه الذي هو غور الماء، وأثبت المشبه به الذي هو البلع، فجاءت تصريحية تحقيقية، والتحقيق فيها حسي؛ لأن المستعار له الذي هو غور الماء في الأرض محسوسٌ، واشتق الفعل الذي هو "ابلعي" من البلع، فجاءت الاستعارة تبعية، فقرينة هذه المكنية استعارة تحقيقية تصريحية تبعية.
ومثال إتيان قرينة المكنية استعارة تخييلية قول لبيد:
وغداة ريحٍ قد كشفتُ وقِرَّة إذْ أصبحت بيد الشَّمال زمامها
أراد تشبيه "الشَّمال" بالفتح -وهي ريح مشهورة- في قوة تأثيرها في الغداة بالتبريد بالشخص المالك، والجامع قوة تأثير كل من حال إلى حال، فحذف المشبه به الذي هو الشخص المالك، ورمز له بشيء من لوازمه وهو اليد التي يتناول بها التصرف، وأثبت المشبه الذي هو الشمال؛ فجاءت استعارة مكنية.
وعلى مذهب السكاكي: أراد تشبيه الشمال بالشخص المالك مدعيًا أنها هو لا شيء آخر بدليل إضافة يده إليها، وفي ذكر اليد عنده استعارة تصريحية تخييلية؛ لأنه أراد تشبيه شيء توهمه وتخيله لريح الشمال بيد الشخص المتصرف، فحذف ذلك الشيء المتوهم المتخيل الذي هو المشبه، وصرح بالمشبه به الذي هو اليد، فجاءت استعارة تصريحية، والمشبه لا وجود له في الحس ولا في العقل، فكانت استعارة تخييلية، فقرينة هذه المكنية استعارة تصريحية تخييلية.
ومثال إتيان قرينة المكنية حقيقة لغوية عند السكاكي قولك:
[ ٢١٨ ]
"أنبت الربيع البقل" إذ المراد عنده تشبيه الربيع بالفاعل المختار بادعاء أنه عينه لقرينة نسبة الإنبات إليه على سبيل الاستعارة المكنية. والإنبات الذي هو قرينة هذه المكنية حقيقة لغوية.
فإذا حققت أن مذهب سلف البيانيين وجمهورهم في قرينة المكنية أنها الاستعارة التخييلية التي هي في نفس الأمر حقيقةٌ لغويةٌ مجازٌ عقليٌّ، وسميت استعارة تخييلية على سبيل المجاز العرفي، وحققت أن مذهب السكاكي في قرينة المكنية أنها تارة تكون تحقيقية مصرحة، وتارة تكون تخيليية مصرحة، وتارة تكون حقيقة لغوية، وحققت أن المكنية والتخييلية متلازمتان عند الجمهور والخطيب وأنهما ليستا بمتلازمتين عند السكاكي كما بينا = فاعلم أن السعد التفتازاني اختار ما ذكره الزمخشري: من أن ملازمة المكنية والتخييلية أمر غالب لا لازم، لجواز أن تكون قرينتها تحقيقية، كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾؛ لأن فيه عنده استعارة مكنية، وقرينتها استعارة تحقيقية مصرحة تبعية؛ لأن المراد تشبيه العهد بالحبل، فحذف الحبل الذي هو المشبه به، ورمز له بلازمه الذي هو النقض، أي تفكيك طاقاته، وأضيف إلى العهد الذي هو المشبه المذكور، فالحبل المحذوف المدلول عليه بلازمه الذي هو تفكيك طاقاته المعبر عنه بالنقض استعارةٌ بالكناية، والنقض المذكور شبه به إبطال العهد، فحذف المشبه الذي هو الإبطال، وصرح بالمشبه به الذي هو النقض، فكانت استعارة مصرحة، ثم اشتق من النقض الفعل الذي هو ينقضون، فكانت تبعية، فقرينة هذه المكنية استعارة تحقيقية مصرحة تبعية، فظهر عدم ملازمتها للتخييلية كما اختاره السعد.
[ ٢١٩ ]
وحاصل مذهب الزمخشري: أنه إن شاع استعمال ملائم للمشبه به في ملائم المشمه فقرينة المكنية استعارة مصرحة، سواء كان ملائم المشبه الذي استعمل فيه ملائم المشبه له له وجود في الحس، أو العقل، أو لا وجود له في واحد منها، وأما إذا لم يشع استعماله فيه فلا تكون عنده استعارة مصرحة، بل حقيقة لغوية. والإسناد المجازي كمذهب الجمهور، سواء كان للمشبه ملائم يشبه ملائم المشبه به موجودًا في الحس، أو العقل، أو لا.
وهذا المذهب هو الذي اقتصر عليه المحقق السمرقندي، إلا أنه اعتبر وجود ملائم للمشبه يشبه ملائم المشبه به وإن لم يشع استعماله فيه، والزمخشري يعتبره لكثرته في كلام العرب، كقول لبيد:
وغداة ريح قد كشفت وقرة إذْ أصبحت بيد الشمال زمامها
وكقول الآخر:
ويد الشَّمال عشية مذ أرعشت دلت على ضعف النسيم بخطها
كتبت سقيمًا في صحيفة جدول فيه الغمامة صححته بنقطها
وكقول الآخر:
قد جلسنا بروضةٍ غناء نجتلي بيننا كؤوس الهناء
روضة تحتها الجداول تجري تحت سوق الغصون كالرقطاء
صقلتها يد النسيم فلاحت فيه أزهارها كنجم سماء
وبها الورد لاح مثل خدودٍ كسيت باحمرار صُنع (^١) الحياء
_________________
(١) كذا في الأصل المطبوع. ولعلها: صبغ.
[ ٢٢٠ ]
ومحل الشاهد من هذه الأبيات، قوله: "صقلتها يد النسيم".
وينفرد مذهب السمرقندي فيما إذا وجد للمشبه ملائم المشبه به المستعمل فيه ولم يشع استعماله فيه، كقول ابن شماخ:
نوائب غالتني فأبدت فضائلي فكانت وكنت النار والعنبر الوردا
فلولا علاه عشت دهري كله وكيس كلامي لا أحل له عقدا
فإنه أراد تشبيه الكلام بالنقد بجامع أن كلا محل للمفاخرة والتزين، فحذف المشبه به الذي هو النقد، ورمز له بلازمه الذي هو الكيس على سبيل الاستعارة المكنية، وأثبت المشبه الذي هو الكلام وأضاف إليه ملائم المشبه المحذوف الذي هو الكيس الملائم للنقد، فكما أن المشبه به الذي هو النقد يلائم الكيس لدخوله فيه وخروجه منه، فكذلك المشبه الذي هو الكلام له ملائم يشبه الكيس وهو الروية والذهن لكون الكلام خارجًا عنها، فهما له كالكيس للنقد، والروية: التفكر في الأمر، والذهن: الاستعداد التام لإدراك العلوم بالفكر، ويطلق على القوة المعدة لاكتساب العلوم، والفكر حركة النفس في المعقولات، وأما حركتها في المحسوسات فتخيل.
فقرينة هذه المكنية في قوله: "وكيس كلامي" عند السمرقندي استعارة تحقيقية لوجود المستعار له فيها عقلًا، وإن لم يشع استعمال ملائم المشبه به فيه، فهي تحقيقية مصرحة أصلية عند السمرقندي، وأما عند صاحب "الكشاف" فليست استعارة لعدم شيوع استعمال الكيس في الروية والذهن، فهي عنده حقيقةٌ لغويةٌ مجازٌ عقليٌّ كمذهب
[ ٢٢١ ]
الجمهور.
وأما إن كان ملائم المشبه الذي استعمل فيه ملائم المشبه به ليس له وجود في الحس، ولا في العقل، ولم يشع استعماله فيه، فليس باستعارة باتفاق السمرقندي والزمخشري، لأن السمرقندي يعتبر الوجود وهو غير موجود، والزمخشري يعتبر شيوع الاستعمال، وهو ليس بشائع استعماله فيه، وذلك كقول علي بن الخنائي في رسالته القلمية: "يعجز عن بيان غرره بنان الأفهام، ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام" أراد تشبيه الأفهام بشخص كاتب، بجامع أن كلًّا سبب للإبانة والإيضاح، فحذف المشبه به الذي هو الكاتب، ورمز له بملائمه الذي هو البنان على سبيل الاستعارة المكنية، وأضاف البنان إلى المشبه الذي هو الأفهام، ولم يشع استعمال البنان الذي هو ملائم المشبه به في ملائم المشبه الذي هو الأفهام، مع كون الأفهام لم يوجد لها ملائم يشبه البنان.
فإذا حققت مما ذكرنا مذاهب البيانيين في المكنية ومذاهبهم في قرينتها، وأن المكنية والتخييلية متلازمتان عند سلف البيانيين وجمهورهم، وأن السعد التفتازاني اختار ما ذهب إليه الزمخشري من كون الملازمة بين التخييلية والمكنية أغلبية لا دائمة = فاعلم أن السكاكي عنه في ملازمة المكنية والتخييلية مذهبان:
أحدهما: أن التخييلية توجد دون المكنية، والمكنية لا توجد دون التخييلية.
والثاني: أن كلًّا منهما توجد دون الأخرى.
[ ٢٢٢ ]
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه وغفر له: التحقيق الذي يتلقاه الذهن السليم بالقبول هو أن التخييلية توجد دون المكنية، والمكنية توجد دون التخييلية، ويجتمعان معًا، وإنما ذكرت أن هذا هو التحقيق لكثرة الشاهد له في كلام البلغاء.
فمثال إتيان التخييلية دون المكنية قول أبي تمام:
لا تسقني ماء الملام فإنني صبٌّ قد استعذبت ماء بكائي
فإنه توهم للملام شيئًا يمازج الروح شبيهًا بالماء، وأطلق اسمه عليه استعارة تخييلية، ولا مكنية معها.
وكقول أبي الطيب المتنبي:
وقد ذقت حلواء البنين على الصبا فلا تحسبنِّي قلت ما قلت عن جهل
فإنه تخيل للبنين لذاذة تشبه الحلواء، وأطلق اسمها عليها استعارة تخييلية، ولا مكنية معها.
وكقول أشجع السلمي:
للَّه سيفٌ في يدي نصرِ في حده ماء الردى يجري
وقول البحتري:
أما مسامعنا الظماء فإنها تروى بماء كلامك الرقراق
وقول التهامي:
أذهبت رونق ماء النصح والعذل فاذهب فلست بمعصوم من الزلل
[ ٢٢٣ ]
وقول مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه وغفر له في أبياته التي بيَّن فيها أن مقاصد الشعراء ليست له بمقاصد:
قد صد بي حلم الأكابر عن لمى شفة الفتاة الطفلة المغناج
ماء الشبيبة زارع في صدرها رمانتي روض كحق العاج
فالماء في جميع هذه الأمثلة مستعار لأمر وهمي على سبيل الاستعارة التخييلية المصرحة، ولا مكنية معها.
ومثال إتيان المكنية دون التخييلية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ لأن قرينة المكنية فيها تحقيقية لا تخييلية، كما قدمنا عن السمرقندي والزمخشري واختيار السعد التفتازاني.
ومثال اجتماعهما بيت لبيد المتقدم.
فهذا الذي مثلنا له من اجتماعهما، وانفراد كل منهما عن الأخرى هو اختيار مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه وغفر له وعامله بلطفه الجميل، بناءً على اختياره مذهب السكاكي في أن قسيم التخييلية هو التحقيقية، لأنك تقول: المستعار له إما أن يكن له وجودٌ في الحس أو العقل، أو لا، فإن كان له وجود في أحدهما فالتحقيقية، وإلا فالتخييلية كما قدمنا، وأما جعل التخييلية قسيمًا للمصرحة والمكنية فلا يصح ولا يعقل إلا بحسب تبعها للمكنية عندهم، كما بيناه فيما مر.
تنبيه: قد أكثرنا في هذا الدرس البياني من ذكر الاستدلال على الأسد المحذوف في بيت أبي ذؤيب الهذلي المتقدم بلازمه الذي هو أظفاره، ولمعترض أن يقول: كيف تستدلون بذكر الأظفار على
[ ٢٢٤ ]
خصوص الأسد مع أن أهل اللغة لم يخصوا الأظفار بالأسد، فالأظفار تنسب لغير الأسد حقيقةً ومجازًا، فالحقيقة كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام/ ١٤٦]، والمجاز كقوله:
وذي رحم قلمت أظفار جهله بحلمي عنه حين ليس له حلم
وكقول حسان ﵁:
نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
فإنه استعار "الأظفار" في البيت الأول لما يحمل عليه الجهل من سوء المعاشرة بجامع الإيذاء، واستعار "الأظفار" في البيت الثاني لما ينشأ عن آلات الحرب من جرح أو موت بجامع الإيذاء أيضًا.
والجواب عن الاعتراض المذكور كما أورده بعض المحققين: أن الغالب استعمال الأظفار لخصوص الأسد، وغلبة استعمالها في خصوصه كافية، فاندفع الاعتراض المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
فقد بيَّنا بغاية الإيضاح كيفية انقسام الاستعارة إلى مصرحة ومكنية، وبيَّنا المذاهب في المكنية، والمذاهب في قرينتها، وبيَّنا التخييلية عند الجمهور، وأن عدهم لها قسيمًا للمصرحة والمكنية إنما هو بحسب ملازمتها عندهم مع المكنية، وبينا كيفية انقسام الاستعارة عند السكاكي بحسب وجود المستعار له حسًّا أو عقلًا وعدمه فيهما إلى تحقيقية وتخييلية، وبينا الكلام في ملازمة المكنية والتخييلية وعدمها، وحققنا المقام في ذلك بما لا مزيد عليه.
والآن نتكلم عن انقسام الاستعارة باعتبارات أخرى.
[ ٢٢٥ ]
اعلم أن الاستعارة باعتبار الإتيان فيها بما يلائم المشبه به أو المشبه وعدم الإتيان بما يلائم واحدًا منهما تنقسم قسمة ثلاثية إلى: مرشحة، ومجردة، ومطلقة.
وإيضاحه: أنه إذا ذكر فيها ملائم المشبه به فهي مرشحة، كما لو استعرت أسدًا لرجل شجاع، وذكرت أن ذلك الأسد له لبدة وأن أظافره لم تقلم، لأن اللبدة والأظافر من ملائم المشبه به الذي هو الأسد دون الرجل الشجاع الذي هو المشبه.
وإن ذكر فيها ملائم المشبه فهي المجردة، كما لو استعرت أسدًا لرجل شجاع، وذكرت أن ذلك الرجل الشجاع شاكي السلاح؛ لأن السلاح من ملائم المشبه الذي هو الرجل الشجاع دون المشبه به الذي هو الأسد.
وأما إذا لم يذكر فيها ما يلائم واحدًا منهما فهي المطلقة.
وأبلغ هذه الأقسام الثلاثة المرشحة، ثم المطلقة، وأدناها المجردة.
ووجه كون المرشحة أبلغها، والمجردة أقلها بلاغة: أنك إذا أردت تشبيه رجلٍ شجاعٍ بأسد مثلًا، واستعرته له وجعلت ذلك الأسد المستعار للرجل الشجاع متناهيًا في القوة والشجاعة لذكرك ما يدل على ذلك من اللبدة وقوة الأظفار بعد التقليم، كان ذلك أدل على شجاعة ذلك الرجل وكمالها مما لو شبهته بمطلق أسد.
وإذا أردت في المجردة أن تشبه رجلًا بأسد فاستعرته له وذكرت أن
[ ٢٢٦ ]
ذلك الرجل شاكي السلاح كامل الأدوات، وأن الأسد المستعار له مطلق أسد، فلا مبالغة في هذه الاستعارة؛ لأن الرجل الضعيف إذا كان كامل السلاح وأدوات القتال قد يغلب الرجل القوي الذي ليس كذلك، وإنما الفضيلة في ذلك السلاح لا لنفس الرجل الضعيف.
فظهرت أبلغية المرشحة، وعدم بلاغة المجردة، وتوسط المطلقة بينهما.
واعلم أن الترشيح والتجريد المذكورين لا يعتبر واحد منهما إلا بعد كمال الاستعارة بوجود قرينتها.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه وغفر له: هذا التقسيم الذي ذكره علماء البلاغة في انقسام الاستعارة إلى مرشحة، ومطلقة، ومجردة، يَرِدُ عليه إشكالٌ بعدم كمال الأقسام لوجود قسم رابع بالتقسيم الصحيح، لأنك تقول باعتبار هذا التقسيم: لا يخلو المقام من واحدة من أربع: إما أن يذكر ملائم للمشبه به فقط، أو ملائم للمشبه فقط، وإما أن لا يذكر ملائم لواحد منهما، وإما أن يذكر لكل واحد منهما ملائم، كما في قول زهير:
لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذَّفٍ له لِبَدٌ أظفاره لم تُقَلَّمِ
فإن قوله: "شاكي السلاح" من ملائم المشبه الذي هو الرجل الشجاع، وقوله "له لبد أظفاره لم تقلم" من ملائم المشبه به الذي هو الأسد.
فهذا القسم الأخير موجود بالتقسيم الصحيح، فكيف يقسمونها
[ ٢٢٧ ]
بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام، والأقسام الموجودة أربعة؟
وأجاب بعض المحققين عن هذا الإشكال بأن هذا القسم الرابع مندرج لا محالة في بعض الأقسام الثلاثة، وبيانه: أنه إذا ذكر ملائم للمشبه به وملائم للمشبه معًا لا يخلو المقام من واحدةٍ من ثلاث: إما أن يكون ملائم المشبه به أقوى وأكثر من ملائم المشبه، وإما عكس ذلك، وإما أن يستويا، فإن كانت القوة والغلبة لملائم المشبه به فهي مرشحة، وإن كانت لملائم المشبه فهي مجردة، وإن استويا واعتدلا تساقطا فكأنهما لم يذكرا فتكون مطلقة، فرجع القسم الرابع إلى أحد الأقسام الثلاثة التي ذكرها البيانيون، فارتفع الإشكال.
وتنقسم الاستعارة باعتبارٍ آخر إلى أصلية وتبعية، وضابط ذلك أن المستعار منه الذي هو المشبه به إن كان اسم جنس جامدًا ولو بالتأويل، أو كان مصدرًا، فالاستعارة أصلية، وأما إن كان المستعار منه فعلًا أو اسمًا مشتقًا كاسم الفاعل واسم المفعول، أو كانت في معنى حرفٍ، فهي تبعية.
فمثال الاستعارة الأصلية التي المستعار منه فيها اسم جنس جامد قولك: "رأيت أسدًا يرمي"، فالمستعار منه الذي هو الأسد اسم جنس جامد، فاستعارته للرجل الشجاع أصلية؛ لأنها لم تجر في شيء قبله بالأصالة ثم فيه بالتبع، كما ستعرفه من مثال التبعية إن شاء اللَّه.
ومثال الأصلية التي المستعار منه فيها اسم جنس بالتأويل قولك: "رأيت حاتمًا" تعني رجلًا جوادًا؛ لأن المستعار منه الذي هو حاتم أصله علم شخص موضوع لشخص بعينه، فمسماه لا أفراد له أصلًا
[ ٢٢٨ ]
حتى يدعى أن المستعار له فرد منها، لكن هذا المعنى الجزئي الذي هو مسمى حاتم اشتهر بصفة الجود اشتهارًا تامًّا حتى صار كل من اشتهر بتلك الصفة يسمى باسمه؛ فصارت لفظة "حاتم" بهذا الاعتبار كأنها اسم جنس لكل جواد، فاستعارته لرجل آخر جواد استعارة أصلية؛ لأن المستعار منه فيها اسم جنس بالتأويل.
ومثال الاستعارة الأصلية التي المستعار منه فيها مصدر قولك: "عجبت من قتل زيد عمرًا"، تعني أنه ضربه ضربًا شديدًا، فالمستعار منه الذي هو القتل المستعار للضرب مصدر، فاستعارته للضرب أصلية، لأنها لم تجر في شيء قبل المصدر ثم فيه بالتبع، بل جرت في المصدر بالأصالة والاستقلال، كما سيتضح من مثال التبعية إن شاء اللَّه.
وأما مثال التبعية التي المستعار منه فيها فعل فكقولهم: "نطقت الحال بكذا" لأن المراد تشبيه دلالة الحال على الأمر بالنطق به، والجامع الإبانة والإيضاح، فحذف المشبه الذي هو الدلالة وصرح بالمشبه به الذي هو النطق فكانت مصرحة، ثم اشتق من النطق الذي هو المصدر الفعل الذي هو نطقت، فكانت الاستعارة تبعية، لجريانها في المصدر أولًا، ثم في الفعل بالتبع لجريانها في المصدر، ومعنى كونها تبعية أنها لا تجري في الفعل إلا بالتبع لجريانها في المصدر، ولذا كانت أصلية في المصدر.
وإيضاحه: أن معنى الفعل الذي هو "نطقت" مركب من أمرين: أحدهما: المصدر الذي هو الحدث. والثاني: الزمن. فلفظ "نطقت"
[ ٢٢٩ ]
يدل بالمطابقة على نطق في زمن ماض، فمعنى الفعل مركبٌ من مصدر وزمن، والماهية المركبة يستحيل تعقلها حتى تتعقل أجزاؤها التي تركبت منها، فملاحظة النطق لازمة لزومًا عقليًا لإدراك معنى "نطقت"؛ لأن النطق جزء من مدلولها، والماهية المركبة لا تعقل إلا بالتبع لإدراك أجزائها التي تركبت منها، فقولك: "نطقت الحال" لابد فيه من ملاحظة معنى النطق أولًا، وأن دلالة الحال مشبهة به، وأنه مستعارٌ لها، ثم بواسطة الاشتقاق تلاحظ استعارة "نطقت الحال" لِـ"دَلَّتْ الحال" تبعًا لملاحظة استعارة النطق للدلالة.
فالمصدر الذي هو الفعل الحقيقي أصل للفعل الصناعي؛ لأنه مشتق منه على التحقيق، والفعل الحقيقي الذي هو الحدث أعني المصدر جزء من مدلول الفعل الصناعي الذي هو الفعل الماضي والمضارع، وجزؤه الآخر الزمن، والمقصود في التشبيه الذي هو الاستعارة المصدر لا الزمن، فلا نظر إلى الزمن في الاستعارة أصلًا، فلزم جريانها في المصدر بالأصالة، ثم في الفعل بالتبع له، ولا يخفى أن الفعل إذا حللته انحل إلى مصدر وزمن، فإذا كان الزمن لا التفات إليه أصلًا في الاستعارة، تعين قصد المصدر، فلزم جريانها فيه بالأصالة، ثم في الفعل بالتبع له.
واعلم أن ما ذكرنا من أن ماهية الفعل الصناعي مركبة من المصدر والزمن فقط، وأن النسبة إلى الفاعل المعين غير داخلة في مفهومه، بل الدال عليها جملة الكلام = هو مذهب الجمهور، فـ "نطق" عندهم تدل على نطق في زمن ماضٍ، ولا تدل على نسبة ذلك النطق لفاعل معين،
[ ٢٣٠ ]
بل الذي يدل على ذلك جملة الكلام.
وأما على ما ذهب إليه السيد ومن وافقه من أن ماهية الفعل الصناعي مركبةٌ من ثلاثة أمور وهي: المصدر، والزمن، والنسبة. فوجه كون الاستعارة في الفعل تبعية أن معناه لمَّا اشتمل على النسبة غير المستقلة بالمفهومية كان تمام معنى الفعل غير مستقل، لأن المركب من المستقل وغيره غير مستقل، وغير المستقل لا يصلح للحكم عليه بالموصوفية، فاعتبرنا التشبيه والاستعارة أولًا في المصدر لاستقلاله بالمفهومية، ثم في الفعل بالتبع له.
ومثال الاستعارة التبعية التي المستعار منه فيها اسمٌ مشتق قولهم: "الحال ناطقة بكذا" فالمراد تشبيه دلالة الحال بالنطق، والجامع الإبانة والإيضاح، فحذف المشبه الذي هو الدلالة، وصرح بالمشبه به الذي هو النطق، فكانت مصرحة، ثم اشتق من النطق اسم الفاعل الذي هو ناطقة، فكانت تبعية لجريانها في المصدر أولًا، ثم في الاسم المشتق منه بالتبع له.
وإيضاحه: أن الاسم المشتق إذا حللته انحل إلى مصدر وذات، والمصدر أبدًا معين، والذات مبهمة، فاتضح أن المقصود الأهم الجدير بأن يعتبر فيه التشبيه الذي هو أصل الاستعارة المصدر؛ لتعيُّنه وكون الذات المتصفة به مبهمة.
فقولك: "ناطقة" معناه ذاتٌ متصفة بالنطق، فالنطق معين، والذات مبهمة، فالمقصود الأهم هو المعين لا المبهم، فلو كان المقصود عندهم بالتشبيه والاستعارة الذوات المتصفة بالمصادر
[ ٢٣١ ]
لذكروا الألفاظ الدالة على نفس الذوات مفرزة عما يقوم بها من الصفات التي هي المصادر، بأن يقولوا في "قائم": ذات لها قيام. وفي "ناطق": ذات لها نطق. مثلًا. فلما اشتقوا الأوصاف المشتملة على المصادر والذوات وأبهموا الذوات، والحال أن المصادر معينة، دلَّ على أن المقصود في أصل الاستعارة المصادر، فجرت فيها بالأصل، وفي الأسماء المشتقة منها بالتبع.
وأيضًا، فإن قوله: "ناطقة" مشتق من النطق، والمشتق لا يعقل إلا بعد تعقل المشتق منه. فلفظ "ناطقة" لا يفهم معناه إذًا إلا بعد تعقل معنى النطق، فهو تابع له في المفهومية، فكون الاستعارة فيه تبعية إذًا ظاهر، واللَّه تعالى أعلم.
ومعنى كون الاستعارة تبعية حالة جريانها في متعلق معنى الحرف هو ما ستراه إن شاء اللَّه.
اعلم أولًا أن المراد بمتعلق معنى الحرف هو ما يعبر به عنه عند تفسيره مثل قولنا: "مِنْ" معناها ابتداء الغاية نحو: سرت من البصرة إلى الكوفة، و"في" معناها الظرفية نحو: زيد في الدار، و"كي" معناها العلة والغرض نحو: جئتك كي تكرمني. وهكذا.
فهذه متعلقات معاني الحروف لا نفس معانيها، وإلا لكانت أسماء؛ لأن الكلمة إذا كان معناها مستقلًا بالمفهومية ملحوظًا لذاته ولم يكن رابطة بين أمرين، فإن اقترن بأحد الأزمنة الثلاثة فتلك الكلمة فعل، وإن لم يقترن بواحد منها فتلك الكلمة اسم مثل مطلق ابتداء، ومطلق ظرفية غرض، وإن كان المعنى غير مستقل بالمفهومية ملحوظًا
[ ٢٣٢ ]
تبعًا لكونه رابطة بين أمرين كانت الكلمة الدالة على ذلك المعنى حرفًا، وذلك كابتداء السير من البصرة، وظرفية الماء في الكوز مثلًا، فإذا أفادت هذه الحروف المعاني الخاصة -كخصوص ابتداء السير من البصرة- استلزمت هذه المعاني العامة، كمطلق الابتداء اللازم لخصوص ابتداء السير من البصرة ضرورةً، لأن العام لازم للخاص عقلًا ضرورةً، إذ العام في الاصطلاح جزءٌ من ماهية الخاص، لأن العام قدر مشترك بين أفراده، وأفراده تتمايز فيما بينها بفصولها وخواصها، فالحيوان مثلًا جزءٌ من ماهية الإنسان والفرس مثلًا، لازمٌ لكل منهما، وجزء الإنسان الآخر الناطق، وجزء الفرس الآخر الصاهل، والحيوان قدر مشترك بينهما، فالماهية عندهم مركبة من جنسها الذي هو جزؤها الأعم منها ماصدقًا، ومن فصلها الذي هو جزؤها المساويها ماصدقًا، فالأعم لازم للأخص على كل حال ضرورة بلا عكس.
فإذا حققت ذلك فسنبين لك علة الاستعارة التبعية في متعلق معنى الحروف بمثالها، وذلك عندهم كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص/ ٨]، فإن آل فرعون التقطوا موسى لينفعهم ويكون لهم قرة عين، كما جاء في القرآن عن امرأة فرعون أنها قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص/ ٩]، ولم يلتقطوه لإرادتهم أن يكون لهم عدوًا وحزنًا، ولكن شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب علته الغائية عليه، وعلة الشيء الغائية هي التي تحمل على تحصيله لتحصل بعده، وذلك كالانتفاع بموسى وقرة العين به واتخاذه ولدًا، فالتشبيه وقع بيت
[ ٢٣٣ ]
ترتب عداوته وحزنه لهم على التقاطه، وبين ترتب انتفاعهم وقرة أعينهم به على الالتقاط.
فالمشبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط، والمشبه به ترتب الانتفاع وقرة العين على الالتقاط، والجامع مطلق الترتب في كل
منهما، ثم استعير ترتب الانتفاع وقرة العين الذي هو المشبه به على الالتقاط لترتب العداوة والحزن الذي هو المشبه على الالتقاط، واستعمل المشبه به الذي هو ترتب الانتفاع والمحبة على الالتقاط في المشبه الذي هو ترتب العداوة والحزن عليه بدليل لام التعليل، ثم استعمل في المشبة الذي هو ترتب العداوة والحزن على الالتقاط اللام الموضوعة للمشبه به الذي هو العلة الغائية أعني المحبة والانتفاع.
فجرت الاستعارة أولًا في الترتب المقصود لآل فرعون لترتب آخر حاصل بالفعل غير المقصود لهم، والعلاقة مطلق الترتب في الأمرين، ثم جرت في اللام بالتبع لذلك الترتب، وقد استفيد الأمران المذكوران من اللام، فهي في المثال المذكور موضوعة لترتب العلة الغائية على معلولها كترتب المحبة والانتفاع على الالتقاط، ولكنها مستعملة في غير ما وضعت له وهو ترتب العداوة والحزن على الالتقاط، لأن العداوة والحزن ليس علة التقاطهم له، بل العلة نقيض ذلك.
فهذه اللام الموضوعة لترتب العلة الغائية على معلولها المستعملة في ترتب آخر غير ذلك بمثابة الأسد الموضوع للحيوان المفترس المستعمل في الرجل الشجاع على سبيل الاستعارة المصرحة في كل منها، إلا أنها في الأسد أصلية لأنه اسم جنس جامد، وفي اللام تبعية
[ ٢٣٤ ]
لأنها في متعلق معنى حرف.
وهذا الذي قررنا به معنى التبعية في متعلق معنى الحرف هو أحسن التقريرات، واعتراض بعض المحققين عليه كابن يعقوب المغربي في كتابه "مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح" بأن التبعية قسم من المصرحة، والمصرحة لابد أن يذكر فيها المشبه به، والتقرير المذكور لم يذكر فيه المشبه به الذي هو المحبة والانتفاع بموسى، وحينئذٍ لا تكون مصرحة، وإذا كانت غير مصرحة لم تكن تبعية = أشرنا للجواب عنه في التقرير المذكور بأن المشبه به الذي هو ترتب العلة الغائية على معلولها كترتب الانتفاع على الالتقاط، هو مدلول لام التعليل واللام المذكورة، فبذكر اللام الموضوعة للعلة الغائية يظهر التصريح بترتب العلة على معلولها، فقد أفادت هذه اللام الأمرين -أعني الأصلي والتابع معًا- لأن متعلق معنى اللام هو الترتب المذكور، فجرت الاستعارة بين الترتيبين بالأصالة، وفي اللام بالتبع لذلك.
واختار بعض المحققين كون الاستعارة في المثال المذكور من الاستعارة بالكناية، بناء على أنها واقعة بين العداوة والحزن مع المحبة والانتفاع.
وكونها مكنية بهذا الاعتبار ظاهرٌ؛ لأنه إذا أريد تشبيه العداوة والحزن بالمحبة والانتفاع بجامع ترتب كل منهما على الالتقاط، فترتب العداوة والحزن عليه في نفس الأمر واقع لا محالة، وترتب المحبة والانتفاع عليه واقع بحسب رجاء آل فرعون وأملهم، ثم حذف المشبه به الذي هو الانتفاع والمحبة، ورمز له بلازمه الذي هو اللام،
[ ٢٣٥ ]
وأدخلت على المشبه المصرح به الذي هو العداوة والحزن، فالكناية على هذا ظاهرة، واللَّه تعالى أعلم.
واعلم أن مدار قرينة الاستعارة التبعية في الأفعال والأسماء المشتقة على نسبتها إلى الفاعل أو المفعول أو المجرور.
فمثال كون قرينتها نسبتها إلى الفاعل قولك: "نطقت الحال" و"الحال ناطقة"، فنسبة النطق إلى فاعله الذي هو الحال قرينة الاستعارة التبعية؛ لأن الحال لا تنطق حقيقة.
ومثال كون قرينتها نسبتها إلى المفعول قول ابن المعتز:
جُمِعَ الحق لنا في إمام قتل البخل وأحيا السماحا
فإن وقوع القتل على البخل والإحياء على السماح قرينة الاستعارة التبعية، لأن البخل لا يُقْتَلُ حقيقة لكونه معنى من المعاني، وكذلك السماح لا يحيا حقيقة لأنه معنًى أيضا، فاستعار "قتل البخل" لإزالته، بجامع اقتضاء كل منهما إعدامًا فيما تعلق به بحيث لا يظهر ذلك المتعلق، واستعار "إحياء السماح" لإكثاره، بجامع ما في كل منهما من ظهور متعلقه وانتشار آثاره، ثم اشتق الفعلين من المصدرين على سبيل الاستعارة التبعية، وقرينتها فيهما نسبة الفعل إلي مفعوله.
ومثال كون قرينتها النسبة إلى المفعول الثاني قول كعب بن زهير:
صَبَحْنا الخزرجية مرهفات أباد ذوي أرومتها ذووها
لأن قوله: "مرهفات" مفعول ثان لصبحن، ومفعوله الأول قوله:
[ ٢٣٦ ]
"الخزرجية" ونسبته إلى المفعول الأول حقيقة؛ لأن معنى صبحنا: قدمنا لهم الصَّبوح، أي الشراب صبحًا، كما قال ابن كلثوم: "ألا هبي بصحنك فاصبحينا"، والخزرجية رجال من الخزرج، وتقديم الصبوح لهم ممكن حقيقة، وأما كون الصبوح المقدم لهم مرهفات أي سيوفًا قواطع، فهذا مما لا يمكن على الحقيقة، فكانت نسبة الفعل الذي هو "صَبَحْنا" بمعنى قدَّمنا الصبوح إلى مفعوله الثاني الذي هو "مرهفات" قرينة الاستعارة التبعية.
والحاصل أنه أراد تشبيه ضربهم لهم بالسيوف صبحًا بتقديمك الصبوح لهم، والجامع التضاد على سبيل الاستعارة التهكمية. فحذف المشبه الذي هو الضرب، وأثبت المشبه به الذي هو الصبح، أي تقديم الصبوح، فكانت مصرحة، ثم اشتق من المصدر الفعل وهو "صبحنا"، فكانت تبعية، ونسبة هذا الفعل إلى مفعوله الثاني الذي هو "مرهفات" قرينة هذه الاستعارة التبعية.
ومثل هذا البيت المذكور قول القطامي:
نَقْرِيهمُ لَهْذَميَّاتٍ نَقُدُّ بها ما كان خاط عليهم كلُّ زَرَّادِ
لأن معنى "نقريهم" نقدم لهم طعام الضيافة. و"اللهذميات" نسبة إلى اللهذم وهو القاطع من الأسنة، والمنسوب الى اللهذم هو الطعنات، أي نجعل قِراهم عند اللقاء الطعنات اللهذميات، ويحتمل أن يراد باللهذميات نفس الأسنة، وتكون ياء النسبة زائدة للمبالغة، كما يقول: "رجل أحمري" أي شديد الحمرة، و"الزراد": ناسج الدرع.
[ ٢٣٧ ]
فالمراد تشبيه تقديم الطعنات أو الأسنة عند اللقاء بالقرى، وهو تقديم الطعام للضيف، بجامع التضاد على سبيل الاستعارة التهكمية، واستعير اسم "القِرَى" لتقديم الطعنات أو الأسنة، واشتق من "القرى" "نقريهم" بمعنى نقدم لهم الطعنات أو الأسنة على طريق الاستعارة التبعية، وقرينتها نسبة الفعل الذي هو "نقريهم" إلى مفعوله الثاني الذي هو "لهذميات".
ومثال كون قرينة الاستعارة التبعية نسبة الفعل إلى المفعولين معًا قول الحريري:
وأقرى المسامع إما نطقت بيانًا يقود الحَرُونَ الشَّموسا
لأن وقوع "القرى" على كل من المسامع والبيان لا يصح على الحقيقة، فهو قرينة على المجاز الذي هو الاستعارة التبعية هنا، ووجه الاستعارة فيه واضح من الأمثلة التي ذكرنا.
فهذه الأمثلة الثلاثة الأخيرة حكمها في كون القرينة في التبعية نسبتها إلى المفعول؛ لأنه إما أن يكون المفعول الأول أو الثاني أو هما معًا.
ومثال كون قرينتها تعليقها بالمجرور قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ [الانشقاق/ ٢٤]؛ لأن ذكر المجرور الذي هو العذاب يدل على أن البشارة ليست بمعنى الإخبار بما يسر؛ إذ لا سرور ولا بشارة في العذاب، فعلم أن المراد استعارة الإخبار بما يسر للإخبار بما يحزن، والجامع التضاد على سبيل الاستعارة التهكمية، كما يأتي إيضاحه إن
[ ٢٣٨ ]
شاء اللَّه في مبحث الاستعارة العنادية، واشتق الفعل الذي هو "فبشرهم" من المصدر، فكانت تبعية، وقرينتها تعلقها بالمجرور بعدها.
واعلم أن ما ذكرنا من كون مدار قرينة التبعية على نسبتها إلى الفاعل أو المفعول أو المجرور أمرٌ أغلبيٌّ، فلا ينافي أن تكون قرينتها غير ذلك، كما في قولك: "قتلت زيدًا"، بمعنى ضربته ضربًا شديدًا؛ لأن نسبة هذا القتل إلى فاعله ومفعوله حقيقة، فقرينة هذه التبعية ليست النسبة إلى الفاعل ولا المفعول ولا المجرور، فالمدار المذكور أغلبي لا لازم.
واعلم أن الشيخ يوسف السكاكي اختار رد الاستعارة التبعية إلى المكنية بجعل قرينة التبعية استعارة مكنية، وجعل نفس التبعية قرينة تلك المكنية.
وإيضاحه بمثاله: أنَّ "نطقت الحال" مثلًا عند القوم المراد به تشبيه الدلالة بالنطق، بجامع الإبانة والإيضاح، فحذف المشبه الذي هو الدلالة، وصرح بالمشبه به الذي هو النطق على سبيل الاستعارة المصرحة، ثم اشتق الفعل الذي هو "نطقت" من المصدر الذي هو "النطق" على سبيل الاستعارة التبعية، والحال المسندة إليها النطق هي قرينة هذه التبعية.
وأما اختيار السكاكي فهو أن لفظة "الحال" استعارة مكنية، لأن المراد عنده تشبيه الحال بإنسان ناطق، وأنها استعملت مرادًا بها إنسان ناطق بادعاء أنها هي هو لا شيء آخر، بدليل نسبة النطق إليها كما قدمنا
[ ٢٣٩ ]
تحقيق مذهبه في المكنية، فالحال التي هي قرينة التبعية عند القوم استعارة مكنية عنده، و"نطقت" التي هي التبعية عند القوم هي قرينة المكنية عنده.
واختياره هذا مردود بأنه مؤدٍّ للقول بالاستعارة التبعية لا محالة، وإذا كان نفيه لها يلزمه فيه القول بها فلا وجه له.
وإيضاح ذلك: أنه صرح في "المفتاح" في المجاز العقلي بأن "نطقت" في "نطقت الحال بكذا" استعارة للأمر المقدر الوهمي كلفظ "الأظفار" في "أظفار المنية" المستعار للصورة الوهمية الشبيهة بالأظفار. فيكون "نطقت" استعارة في الفعل لا محالة، لضرورة كونها مجازًا علاقته المشابهة، والاستعارة في الفعل لا تكون إلا تبعية عنده وعند القوم، فلزم السكاكي القول بالتبعية، فاختياره ردَّها مع اضطراره إلى القول بها لا وجه له، ولا فائدة فيه.
واعلم أن تحقيق وجه كون الاستعارة في الفعل لا تكون إلا تبعية هو أن الفعل لا تصح فيه الموصوفية اللازمة للتشبيه الذي هو مبنى الاستعارة، ونفي اللازم يقتضي نفي الملزوم.
وإيضاحه: أن الفعل وإن دل على الحدث الذي يصح أن يحكم به ويوصف به لا يصح أن يحكم عليه؛ لأن وصفه اعتبر فيه نسبته إلى الفاعل لا لذاتها، بل ليتوصل بها إلى حال الفاعل المخصوص، فلم يمكن الحكم عليه، كما أن الحرف لمَّا وضعه الواضع ليفيد معنى نسبيًا، نحو الابتداء في "مِنْ" مثلًا، ليتوصل به إلى حال متعلقه المخصوص كالكوفة والبصرة في ابتداء السير من إحداها = لا يصح
[ ٢٤٠ ]
الحكم على مدلوله لقصده لغيره، وإنما يحكم على الابتداء عند قطعه عما اعتبر في الحرف، لأنه لازم للمقصود بالحرف لزوم الأعم للأخص كما قدمنا تحريره.
وهذا يقتضي أن نسبة الفعل إلى الفاعل لما كان القصد بها في أصل الوضع استيضاح حال الفاعل لم يصح الحكم عليها، وما لا يصح الحكم عليه لا تجري فيه الاستعارة المقتضية لصحة الحكم بوجه الشبه وهو كذلك، وكان القياس أن لا يصح الحكم بها أيضًا، ولكن صح الحكم باعتبار الحدث المقصود الدلالة عليه على وجه الاستقلال.
وأما قولهم: "زيد قام أبوه" فهو تأويل: قائم الأب، فلم يخبر في الحقيقة بالنسبة الفعلية، بل الموصوفية، فلا يتوهم أنه مما أخبر فيه بالنسبة فقط، إذ الحدث الذي هو القيام ليس لزيد بل لأبيه.
فقد تبين بهذا أن الحاجة لشيء آخر تجري فيه الاستعارة أولًا في الفعل والحرف إنما هي لعدم استقلالهما بالمفهومية حيث قصد الواضع معناهما لغيرهما كما تقدم تحقيقه، وذلك لأن عدم الاستقلال يستلزم عدم صحة الحكم، والاستعارة تستلزم صحة الحكم، فتنافيا.
وما قدمنا في بعض المباحث الماضية من أن الفعل ينحل إلى مصدر وزمن، وأن الزمن لا التفات إليه في الاستعارة، فيتعين قصد المصدر، فتجرى فيه الاستعارة بالأصالة، ثم في الفعل المشتق منه بالتبع له = أورد عليه بعض المحققين اعتراضا، وهو أنَّا نجد بعض الاستعارات مقصودًا فيها الزمن، كما في قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل/ ١] المستعار لسيأتي أمر اللَّه، بدليل قوله ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فالمراد
[ ٢٤١ ]
تشبيه الزمن المستقبل بالماضي، والجامع تحقق الوقوع في المستقبل كتحقق الفعل الذي مضى، لأن تعلق علم اللَّه بوقوعه لا محالة صيَّره كالواقع في زمن ماض، ثم استعير الزمن الماضي للمستقبل، فعبر عن الإتيان في المستقبل بالإتيان في الماضي، فجيء بصيغة الفعل الماضي الذي هو "أتى". فهذه استعارة قصد فيها الزمن.
والذي يظهر أن المقصود في هذه تشبيه زمن بزمن، ولا ملاحظة للمصدر فيها أصلًا؛ لأن المصدر الذي هو "الإتيان" مستعمل في معناه الحقيقي في كل من المشبه والمشبه به، فالإتيان في "أتى" التي هي المستعار منه، وفي "سيأتي" التي هي المستعار له مقصودٌ به معناه اللغوي حقيقة، فدل على أن الحدث الذي هو المصدر الذي هو المقصود الأهم من الفعل لم يلاحظ أصلًا في هذه الاستعارة، فيظهر بذلك سقوط الاعتراض المذكور؛ لأن الكلام السابق فيما يكون فيه المصدر داخلًا في مقصود المستعير بالاستعارة كالأمثلة الماضية، لا فيما يكون المصدر فيه أجنبيًا من مقصود المستعير بالاستعارة.
تنبيه: اعلم أن الاستعارة في اسم الآلة والمكان والزمان تبعية على التحقيق؛ لجريانها في المصدر أولًا، ثم في الأسماء المذكورة بالتبع له، للقطع بأنك إذا قلت: "هذا مقتل فلان" للموضع الذي ضرب فيه ضربًا شديدًا، أو للزمان الذي ضرب فيه ضربًا شديدًا، أو "هذا مرقد فلان" لقبره، أو "مضى مرقده" لوقت موته، أو "هذا مقتاله" للآلة التي ضرب بها ضربًا شديدًا = فالتشبيه الذي هو مبنى الاستعارة في ذلك إنما هو في المصدر أولًا، أعني الموت والرقاد والضرب الشديد
[ ٢٤٢ ]
والقتل، ثم بالتبع لذلك جرى في اسم الآلة والزمان والمكان على سبيل الاستعارة التبعية.
فشُدَّ يدك على هذا التحرير؛ لأن مقتضى كلام كثيرٍ من البيانيين أن الاستعارة في أسماء الآلات والأمكنة والأزمنة أصلية. وهي تبعية قطعًا.
فإذا حققت ما ذكرنا من التقسيمات للاستعارات باعتبارات مختلفة، فاعلم أنها باعتبار تنافر المستعار منه والمستعار له، وعدم تنافرهما، تنقسم قسمة ثنائية إلى: وفاقية، وعنادية.
وبرهان الحصر فيهما أنك تقول: المستعار منه والمستعار له لابد لهما من أحد أمرين: إما أن يمكن اجتماعهما في شيء واحد، وإما أن لا يمكن اجتماعهما فيه. فإن أمكن اجتماعهما فيه فهي الوفاقية، وإن لم يكن اجتماعهما فيه فهي العنادية.
سميت الوفاقية وفاقيةً لاتفاق طرفيها في الوجود في محلٍّ واحدٍ، وسميت العنادية عناديةً لعناد طرفيها أي تنافرهما ومنافاتهما غاية المنافاة، بحيث يكون وجود كل واحد منهما يقتضي نفي الآخر.
فمثال الوفاقية قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام/ ١٢٢]، ففي قوله: "أحييناه" استعارة تحقيقية مصرحة تبعية، والمستعار منه فيها الإحياء، والمستعار له الهداية، والإِحياء والهداية يمكن اجتماعهما في ذاتٍ واحدةٍ بأن يحييها اللَّه ويهديها.
ومثال العنادية استعارة اسم المعدوم للموجود لعدم فائدته، فإن الموجود العديم الفائدة هو والمعدوم سواء، فينتقل لذلك الموجود
[ ٢٤٣ ]
لفظ المعدوم لهذه المشابهة، ولاشك أن معنى الطرفين -أعني الموجود والمعدوم- لا يجتمعان في شيءٍ واحدٍ بأن يكون موجودًا معدومًا في آنٍ واحدٍ لأن العدم والوجود على طرفي النقيض.
ومن أمثلة العنادية عكس هذا المثال المذكور، وهو -أي عكس هذا المثال- أن يستعار اسم الموجود للمعدوم لوجود فائدته، وانتشار مآثره، فإن صاحب المآثر الباقية والأنفاع المستديمة ولو كان مفقودًا هو والموجود سواءٌ في وجود الآثار عنهما؛ إذ تحيي في الناس ذكره، وتديم فيهم اسمه، فتكون حياة ذكره كحياته، فإذا نقل لفظ الموجود وأطلق على المعدوم المفقود لوجود مآثره حتى كأنه حاضر تحصل عنه لكونه سببًا فيه = كانت استعارة لفظ الموجود لذلك المعدوم عنادية، لعدم إمكان اجتماع الوجود والعدم في شيءٍ واحدٍ في آنٍ واحد، كما تقدم في المثال الأول.
ومنها -أي العنادية- الاستعارة التهكمية، والاستعارة التمليحية.
فالتهكمية هي ما كان الغرض منها التهكم والهزء، والتمليحية هي ما كان الغرض منها إيراد القبيح بصورة شيء مليحٍ لأجل الظرافة والملاحة، ولا تختلف التهكمية والتمليحية إلا بهذا القصد الذي هو التهكم والهزء في التهكمية، والإتيان بالشيء الظريف المليح الذي يستظرفه الحاضرون، وأما في الصورة الاستعمالية فالتهكمية والتمليحية شيءٌ واحدٌ لا فرق بينهما، ويجمعهما حدٌّ واجد، فيحدان بأنهما الاستعارة المستعملة في ضد معناها الحقيقي أو نقيضه، بسبب تنزيل التضاد أو التناقض منزلة التناسب بواسطة تهكم أو تمليح.
[ ٢٤٤ ]
فمثال التهكمية قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي أنذرهم. استعيرت البشارة التي هي الإخبار بما يسر للإنذار الذي هو ضد ذلك، بسبب إدخال الإنذار في جنس البشارة على سبيل التهكم والاستهزاء.
ومثال التمليحية قولك: "رأيت أسدًا" تعني رجلًا جبانًا على سبيل التمليح والظرافة.
وامتناع اجتماع البشارة والإنذار من جهةٍ واحدةٍ ظاهر. وكذلك الشجاعة والجبن. فظهر كون التهكمية والتمليحية عناديتين.
واعلم أن الاستعارة باعتبار الجامع وحده تنقسم تقسيمين مختلفين باعتبارين مختلفين، والقسمة في كل منهما ثنائية، وبيان التقسيمين المذكورين هو أن أحدهما: كون الجامع إما داخل في مفهوم الطرفين، وإما خارج عن مفهومهما. فهي باعتبار دخول الجامع في مفهوم طرفيها وخروجه عنه تنقسم إلى قسمين.
والثاني: أن الجامع تارة يكون ظاهرًا مبتذلًا لكل أحد، وتارة يكون خفيًّا لا يطلع عليه إلا الخواص، فالاستعارة بهذا الاعتبار تنقسم إلى عامية وهي المبتذلة، وإلى خاصية وهي الغريبة.
فإذا حققت وجه هذين التقسيمين فسنبين لك حقيقة كل واحد منهما.
اعلم أن الجامع في الاستعارة الذي هو وجه الشبه في التشبيه لابد أن يكون داخلًا في مفهوم الطرفين -أعني المستعار له والمستعار منه- أو غير داخل في مفهومهما، فهي بهذا الاعتبار قسمان.
[ ٢٤٥ ]
ومثال الجامع الداخل في مفهوم الطرفين استعارة التقطيع لتفريق الجماعة، وإبعاد بعضهم عن بعض في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف/ ١٦٨] فإن القطع موضوع لإزالة الاتصال بين الأجسام التي بعضها ملتزق ببعض، فاستعير لتفريق الجماعة وإزالة بعضهم عن بعض، فالجامع بينهما إزالة الاجتماع التي هي داخلة في مفهومهما. وهي في القطع أشد.
وكاستعارة الخياطة للزرد -أي نسج الدرع- في قول القطامي:
لم تلق قومًا هم شر لإخوتهم منا عشية يجري بالدم الوادي
نقريهم لهذميات نقد بها ما كان خاط عليهم كل زراد
استعار الخياطة للزرد الذي هو نسج الدرع، لأن الخياطة تضم خرق القميص والزرد يضم حلق الدرع؛ فالجامع بينهما الضم الذي هو داخل في مفهومهما.
وكاستعارة النثر لإسقاط المنهزمين وتفريقهم في قول أبي الطيب المتنبي:
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة كما نثرت فوق العروس الدراهم
لأن النثر أن يجمع أشياء في كف أووعاء يفعل بها فعلًا تتفرق معه دفعة من غير ترتيب ولا نظام، وقد استعاره لما يتضمن التفرق على الوجه المخصوص وهو ما اتفق من تساقط المنهزمين في الحرب دفعة من غير ترتيب ولا نظام، ونسبه إلى الممدوح لأنه سببه. فالتفرق المذكور داخل في مفهوم الطرفين.
[ ٢٤٦ ]
واعلم أن وجه عدو لنا عن المثال المتعارف عندهم من استعارة الطيران للعدو بسرعة، كما في قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في الغازي: "كلما سمع هيعة طار إليها" أن في جعل ذلك الجامع داخلًا في مفهوم الطرفين نظرًا، والذي يظهر عند التأمل الصادق عدم دخوله في مفهومهما، كما نبه عليه بعض المحققين، ووجه عدم دخوله أن المستعار له العدو وهو السير بسرعة، والمستعار منه الطيران، والجامع قطع المسافة بسرعة، فنقول: قطع المسافة بسرعة ليس داخلًا في مفهوم الطيران؛ لأن الطيران هو قطع المسافة بالجناح، وليس من شرط إطلاق الطيران على ذي الجناح وجود السرعة، بل الطائر الذي يطير بغاية التمهل والتؤدة يطلق عليه الطيران، فالسرعة لازم أغلبي للطيران لا داخل في مفهومه، فلهذا عدلنا عن التمثيل به.
واعلم أن المراد بالدخول في مفهوم الطرفين كون الجامع أعم من كل واحدٍ منهما، بأن يكون قدرًا مشتركًا بينهما يجتمعان فيه، وينفرد كل واحد منهما بخصوصية يختص بها عن الآخر.
وإيضاح ذلك بحسب الأمثلة المتقدمة أن الجامع في قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إزالة الاجتماع، وتلك الإزالة داخلة في مفهومهما، لأنها قدر مشترك بينهما أعم من كل واحد منهما، إذ مفهوم التقطيع إزالة الاجتماع بقيد كون الأشياء المجتمعة ملتزقة بعضها ببعض، ومفهوم تفريق الجماعة وإبعاد بعضها عن بعض إزالة الاجتماع بقيد كون الأشياء المجتمعة غير ملتزقة، فقد اشتركا في الجامع الذي هو إزالة الاجتماع، واختص التقطيع بقيد كون الأشياء المجتمعة ملتزقة، واختص تفريق الجماعة بقيد كونها غير ملتزقة، وكذلك الخياطة
[ ٢٤٧ ]
والزرد يشتركان في كل واحد منهما ضم بعض أجزاء الشيء إلى بعضها، إلا أن الخياطة ضم مخصوص غير ضم الزرد، وكذلك الزرد ضم مخصوص غير ضم الخياطة، فاجتمعا في الضم، وانفرد كل منهما بخصوصية. وقس على هذا كل جامع داخل في مفهوم الطرفين.
تنبيه: اعلم أن قولهم: "إن الجامع يكون داخلًا في مفهوم الطرفين" يرد عليه إشكال منطقي؛ لأن الجامع لابد أن يكون أقوى في المستعار منه من الجامع في المستعار له، فالجامع أبدًا من المشككات، والمشكك في الاصطلاح هو الكلي الذي لم يتساو مدلوله في أفراده، بل اختلف فيها بالقوة والضعف مثلًا، كالنور فهو في الشمس أقوى منه في السراج، وكالبياض فهو في الثلج أقوى منه في العاج.
فإذا حققت أن الجامع لابد أن يكون مشككًا، لأنه لابد أن يكون أقوى في المستعار منه في المستعار له، فاعلم أن جزء الماهية الداخل في مفهومها قد تقرر عند أهل المنطق أنه لا يكون مشككًا أبدًا، بل لا يكون إلا متواطئًا، والمتواطئ في الاصطلاح هو الكلي الذي استوى مدلوله في أفراده.
فإذا عرفت بهذا أن الجامع لا يكون إلا مشككًا، وأن جزء الماهية الداخل في مفهومها لا يكون مشككًا، ظهر لك وجه الإشكال من جعلهم هذا المشكك داخلًا في مفهوم الماهية.
وأجاب بعض المحققين عن هذا الإشكال بما حاصله: أن عدم التفاوت إنما تقرر في الماهيات الحقيقية المركبة من الأجناس،
[ ٢٤٨ ]
والفصول التي ظفروا بها خارجًا عن الحقائق النوعية الراجعة إلى حقائق الجواهر فقط، أو الأعراض فقط. والماهيات التي تفهم من اللفظ لا يجب أن تكون كذلك؛ لصحة وضع اللفظ المفهوم مركبًا من حقيقتين، كالجوهر والعرض، مثل "الأسود" فإنه موضوعٌ لمفهومٍ مركبٍ من الذات وصفة السواد، لأن الأسود ذات متصفة، فحيث صح تركيب الماهية المفهومة من اللفظ من حقيقتين جاز أن تكون إحدى الحقيقتين من قبيل المشكك؛ لأن المشكك لا يكون إلا في الحقائق المستقلة، وامتناعه إنما هو في الجزء الذي لا يستقل في الحقيقة، كجزء الناطقية والحيوانية في الإنسان، بخلاف الجزء المستقل بكونه حقيقة متقررة بنفسها خارجًا، فيصح فيه التشكيك بأن يكون أقوى في بعض أفراده من بعض، إذ لا يمتنع تفاوت الحقيقة التامة في أفرادها بالقوة والضعف، وإنما يمتنع تفاوت جزئها الذي لا يستقل، كالحيوان بالنسبة للإنسان، أو الناطق بالنسبة إليه.
ومثال الجامع غير الداخل في مفهوم الطرفين استعارة الأسد للرجل الشجاع، والشمس للوجه المتهلل، ونحو ذلك؛ لظهور أن الشجاعة عارضة للأسد لا داخلة في مفهومه، كما أنها عارضة للرجل الشجاع؛ لأن المشبه ذات الرجل المقيد بالشجاعة، والمشبه به الحيوان المفترس المقيد بها أيضًا، والقيد خارج عن المقيد. وكذا التهلل للشمس والوجه، فالجامع خارج عن الطرفين.
وبيان التقسيم الثاني باعتبار الجامع هو أن نقول: الجامع في الاستعارة لابد أن يكون ظاهرًا لكل أحد، أو خافيًا لا يدركه إلا
[ ٢٤٩ ]
الخواص، فإن كان الجامع ظاهرًا لكل أحد فالاستعارة عامية وهي المبتذلة، لظهور الجامع فيها لعامة الناس، وابتذالها: أي امتهانها بتناول كل أحد لها، نحو: "رأيت أسدًا" لرجل شجاع، و"بحرًا" لرجل جواد. وإن كان الجامع خفيًا لا يظفر بإدراكه إلا من ارتفع عن طبقة العامة، فهي الاستعارة الخاصة وهي الغريبة.
واعلم أن الغرابة تكون بأمور:
منها: أنها قد تكون في نفس الشبه، لكون التشبيه فيه نوع غرابة، كما في تشبيه هيئة العنان في موقعه من قربوس السرج بهيئة الثوب في موقعه من ركبة المحتبي في قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسًا بأنه مؤدب:
عودته فيما أزور حبائبي إهماله وكذاك كل مخاطر
وإذا احتبى قربوسه بعنانه علك الشكيم إلى انصراف الزائر
والعلك: معناه المضغ. والشكيم: حديدة اللجام التي تدخل في فم الفرس. فمعنى "علك الشكيم": مضغ حديدة اللجام.
واعلم أن الغرابة قد تحصل في العامية المبتذلة بتصرف فيها من المتكلم حتى ينقلها بذلك التصرف من الابتذال إلى الغرابة، كما في قول كثير عزة:
ولما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المطايا رحالنا ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
[ ٢٥٠ ]
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطىِّ الأباطح
فالأباطح: جمع أبطح، وهو مسيل الماء في دقاق الحصى، استعار السيول الواقعة في الأباطح لسير الإبل سيرًا حثيثًا في غاية السرعة المشتملة على لين وسلاسة، والشبه فيها ظاهر عامي مبتذل، لكن قد تصرف فيه بما أفاد اللطف والغرابة، إذ أسند الفعل الذي هو "سالت" إلى "الأباطح" دون المطي وأعناقها على سبيل المجاز العقلي، فأفاد بإسناد الفعل إليها أنها امتلأت من الإبل، وأدخل الأعناق في السير؛ لأن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران غالبًا في الأعناق، وسائر الأجزاء تستند إليها في الحركة وتتبعها في الثقل والخفة.
ومثل بيت كثير هذا قول ابن المعتز:
سالت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير
أراد أنه مطاع في الحي، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لخطب إلا أتوه وكثروا عليه، وازدحموا حواليه حتى يكونوا كالسيول تجيء من هاهنا ومن هاهنا، وتنصب من هذا المسيل، وذلك حتى يغص بها الوادي. وهذا شَبَهٌ معروفٌ ظاهرٌ مبتذلٌ، ولكن حسن تصرفه فيه أفاده اللطف والغرابة، وذلك أنه أسند سيلان الشعاب في المعنى إلى الأنصار أو جهتهم، فأفاد أن الشعاب امتلأت عليه من الرجال، وعدَّى الفعل الذي هو "سالت" إلى ضمير الممدوح بـ "على"، فأكد بذلك مقصوده من كونه مطاعًا في الحي.
[ ٢٥١ ]
وقد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات لإلحاق الشكل بالشكل، كقول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازًا وناء بكلكل
أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له صلبًا يتمطى به، إذ كان كل صلب يطول عند التمطي، وبالغ بأن جعل له أعجازًا يردف بعضها بعضًا، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهره والضغط لمكابده، فاستعار له كلكلًا ينوء به: يثقل به.
قال الشيخ عبد القاهر: لما جعل لليل صلبًا قد تمطى به، ثنَّى ذلك فجعل له أعجازًا قد أردف بها الصلب، وثلث فجعل له كلكلًا قد ناء به، فاستوفى له جملة أركان الشخص، ورعى ما يراه الناظر من سواده إذا نظر قدامه، وإذا نظر خلفه، وإذا رفع البصر ومده في عرض الجو.
وأمثلة الاستعارة الغريبة كثيرةٌ جدًّا غير ما ذكرنا، من ذلك قول طفيل الغنوي:
وجعلت كوري فوق ناجيةٍ يقتات شحمَ سنامها الرحلُ
وموضع اللطف والغرابة منه أنه استعار "الاقتيات" لإذهاب الرحل شحم السنام، مع أن الشحم مما يقتات.
وكقول ابن المعز:
حتى إذا ما عَرَفَ الصيدَ الضار وأَذِنَ الصبح لنا في الإبصار
لأنه لما كان تعذر الإبصار منعًا من الليل جعل إمكانه عند ظهور
[ ٢٥٢ ]
الصبح إذنًا منه.
وسيأتي كثير من أمثلتها، أي الاستعارة الخاصية التي هي الغريبة.
فإذا حققت ما ذكرنا من التقسيمات، فاعلم أن الاستعارة تنقسم باعتبار الثلاثة -أعني الجامع والطرفين- إلى ستة أقسام، وبرهان الحصر: أن المستعار منه والمستعار له إما حسيان، أو عقليان، أو المستعار منه حسي والمستعار له عقلي، أو بالعكس، فتصير أربعة، والجامع في الثلاثة الأخيرة عقلي لا غير؛ لأن أحد الطرفين إن كان عقليًّا لابد أن يكون الجامع عقليًّا، وأحرى إن كان الطرفان معًا عقليين، لكنه في القسم الأول من الأقسام الأربعة: إما حسي، أو عقلي، أو مختلف، فتصير ستة، وهي: استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي، أو بوجه عقلي، أو بوجه بعضه حسي وبعضه عقلي، فهذه ثلاثة في استعارة المحسوس للمحسوس، والرابع: استعارة معقول لمعقول بوجه عقلي، والخامس: استعارة محسوسٍ لمعقولٍ بوجهٍ عقلي، والسادس: استعارة معقولٍ لمحسوسٍ بوجهٍ عقليٍّ.
أما استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي، فكقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه/ ٨٨] فإن المستعار منه ولد البقرة، والمستعارة له الحيوان الذي خلقه اللَّه تعالى من حلي القبط التي سبكتها نار السامري عند إلقائه في تلك الحلي التربةَ التي أخذها من موطئ فرس جبريل ﵊. والجامع الشكل؛ لأن ذلك الحيوان كان على شكل ولد البقرة، والجميع -مِن المستعار منه والمستعار له والجامع- حِسِّيٌّ أي مُدْرَكٌ بالبصر.
[ ٢٥٣ ]
وكقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف/ ٩٩] فإن المستعار منه حركة الماء على الوجه المخصوص، والمستعار له حركة الجن والإنس، أو يأجوج ومأجوج، وهما حسيان، والجامع ما يشاهد من شدة الحركة والاضطراب وهو حسي أيضًا.
وأما استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي، فكقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس/ ٣٧] فالمستعار منه معنى السلخ، وهو كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها، والمستعار له إزالة الضوء عن مكان الليل، وهو موضع إلغاء ظله، وهما حسيان، والجامع لهما ما يعقل من ترتب أمر على آخر، أي حصوله عقب حصوله دائمًا أو غالبًا، كترتب ظهور اللحم على كشط الجلد، وكترتب ظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل، والترتب أمر عقلي. وهذا الذي ذكرناه هو وجه هذه الاستعارة على التحقيق بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس/ ٣٧].
وأما استعارة محسوس لمحسوس بما بعضه حسي وبعضه عقلي، فكقولك: "رأيت شمسًا" وأنت تريد إنسانًا شبيهًا بالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن، فالجامع حسن الطلعة ونباهة الشأن معًا. وحسن الطلعة حسي، ونباهة الشأن عقلي.
وأما استعارة معقولٍ لمعقولٍ بوجه عقليٍّ، فكقوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس/ ٥٢] فالمستعار منه الرقاد، والمستعار له الموت، والجامع عدم ظهور الفعل، والجميع عقليٌّ. أما الموت وعدم الظهور فأمرهما واضح، وأما النوم فالمراد انتفاء الإحساس
[ ٢٥٤ ]
الذي يكون في اليقظة، لا آثار ذلك من الغطيط وانسداد العين مثلًا، ولا شك أن انتفاء الإحساس المذكور عقلي.
واعترض بعض المحققين كون الجامع بين الرقاد والموت عدم ظهور الفعل؛ لأن عدم ظهور الفعل أقوى في الموت الذي هو المستعار له منه في الرقاد الذي هو المستعار منه، والجامع لابد أن يكون أقوى في المستعار منه.
وهذا الاعتراض واقعٌ موقعه لا وجه لدفعه، فالتحقيق في الجامع بين الرقاد والموت هو البعث بناء على أنه موضوع للقدر المشترك بين الايقاظ والنشر بعد الموت، وذلك القدر هو رد الإحساس المعهود في الحياة، وأما لو قلنا: إن البعث مشترك، أو أنه في الأحياء حقيقة شرعية، فلا يصح كونه جامعًا؛ لعدم وجود معناه في الطرفين معًا.
وعلى أن البعث هو الجامع بناءً على ما ذكرنا لا يرد فيه البحث السابق؛ لأنه في النوم أقوى في الشهرة، وأظهر إدراكًا، ولذلك لا ينكره أحدٌ ممن أنكر البعث بعد الموت لمشاهدتهم البعث من النوم، فهو بهذا الاعتبار أقوى، فلا ينافي أن معناه في الموت أقوى في المتعلق؛ لأنه رد الحياة وإحساسها، وفي النوم رد الإحساس فقط.
وعلى أن الجامع هو البعث فقرينة هذه الاستعارة كون هذا كلام الموتى بعد البعث مع قولهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس/ ٥٢]؛ لأن الذي وعد الرحمن وصدق فيه المرسلون وأنكره القائلون أولًا هو البعث من الموت لا الرقاد الحقيقي.
[ ٢٥٥ ]
وأما استعارة محسوسٍ لمعقولٍ والجامع عقلي، فكقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر/ ٩٤] لأن المستعار منه الصدع الذي هو كسر الزجاجة ونحوها مما لا يلتئم، والصدع المذكور حسي باعتبار متعلقه، والمستعار له تبليغ النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم ما أمر بتبليغه بإسماعه المبعوث إليهم وبيانه لهم، والجامع بين الصدع والتبليغ التأثير، أي أبان الأمر إبانة لا تمحى ولا ينطمس أثرها، كما لا يلتئم صدع الزجاجة، والمستعار له الذي هو التبليغ والجامع الذي هو التأثير عقليان.
وأما استعارة معقول لمحسوس والجامع عقلي، فكقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ [الحاقة/ ١١] فالمستعار له كثرة الماء وهو حسي؛ لأن مرجع كثرته إلى وجود أجزاء كثيرة للماء، ولاشك أن الوجود للأجرام حسي باعتبار ذاتها، والمستعار منه التكبر، والجامع الاستعلاء المفرط، وهما عقليان. أما عقلية التكبر مظاهرة من تفسيره، وأما عقلية الاستعلاء المفرط فمن جهة أن المراد به العلو المفرط في الجملة، أي كون الشيء بحيث يعظم في النفوس، إما بسبب كثرة كما في الماء، وإما بسبب وجود الرفعة ادعاءً أو حقيقة كما في التكبر، ولا شك أن الاستعلاء بهذا المعنى عقلي مشترك بين الطرفين.
فإذا حققت انقسامات الاستعارة التي هي قسم من أقسام المجاز المفرد، فسنتكلم لك على الاستعارة التي هي قسم من أقسام المجاز المركب.
اعلم أنا قدمنا الكلام على المجاز المركب في بحث تقسيم
[ ٢٥٦ ]
المجاز، وذكرنا أن المجاز المركب لابد أن تكون علاقته المشابهة أو غيرها، فإن كانت المشابهة فهي الاستعارة التمثيلية، وإلا فالمجاز المركب المرسل.
والحاصل أن المجاز المركب هو اللفظ المركب الذي استعملت مفرداته في معناها اللغوي، واستعملت جملته فيما شبه بمعناه الأصلى تشبيه التمثيل، وهو ما يكون وجهه منتزعًا من متعدد للمبالغة في التشبيه، أي تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور بالأخرى، ثم تدخل المشبهة في جنس المشبه بها مبالغة في التشبيه، فتذكر بلفظها من غير تقييد بوجهٍ من الوجوه، كما كتب به الوليد بن يزيد لما بويع إلى مروان بن محمد، وقد بلغه أنه متوقف في البيعة له: "أما بعد؛ فإني أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيتهما شئت. والسلام"، شبه صورة تردده في المبايعة بصورة تردد من قام ليذهب في أمر، فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلًا، وتارة لا يريده فيؤخر أخرى، فاستعمل في الصورة الأخرى الكلام الدال بالمطابقة على الصورة الثانية، ووجه الشبه [الذي] هو الإقدام تارةً والإحجام أخرى منتزعٌ من عدة أمور.
وكما يقال لمن يعمل في غير معمل: "أراك تنفخ في غير فحم، وتَخُطُّ على الماء"؛ لأن النافخ في غير محل نارٍ لا يستفيد بنفخه إيقاد نارٍ، وكذلك الذي يكتب على الماء لا تحصل من كتابته حروف، فصورة النافخ في رماد، والكاتب على الماء صورة العامل عملًا في غير محله لا يرجع عليه بفائدة متشابهتان؛ فاستعمل اللفظ الدال بالمطابقة
[ ٢٥٧ ]
على إحداهما في الأخرى لمشابهتهما على سبيل الاستعارة التمثيلية.
وكما يقال لمن يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى ما كان يمتنع منه: "ما زال يفتل منه في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد". والمعنى: أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقًا يشبه حاله فيه حال من يجيء إلى البعير الصعب فيحكه، ويفتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يسكن ويستأنس.
وهذه الاستعارة التي هي التمثيلية هي أبلغ الاستعارات وأحسنها.
واعلم أن المجاز المركب يسمى التمثيل على سبيل الاستعارة والتمثيل مطلقًا، أي من غير تقييد بقولنا: "على سبيل الاستعارة". ويفارق التشبيه التمثيلي بأنه يقال له: "تشبيه تمثيل" أو "تشبيه تمثيلي"، ولا يقال له: "تمثيلي" من غير ذكر لفظ التشبيه؛ لأنه بذلك الإطلاق ينصرف إلى المجاز المركب.
واعلم أن "الاستعارة التمثيلية" التي ذكرنا تحقيق الكلام عليها إذا كان استعمالها فاشيًا سميت مثلًا، فجميع الأمثال السائرة من الاستعارة التمثيلية، ولذا لا تغير الأمثال، لأن الاستعارة يجب أن تكون لفظ المشبه به المستعمل في المشبه، فلو غير المثل لما كان لفظ المشبه به بعينه، فلا يكون استعارة، فلا يكون مثلًا، ولهذا لا يلتفت في الأمثال إلى مضاربها تذكيرًا وتأنيثًا وإفرادًا وتثنيةً وجمعًا، بل إنما ينظر إلى مواردها، كما يقال للرجل الذي طلب أمرًا بعد تسببه في فواته وقت الإمكان: "الصيف ضيعتِ اللبن" بكسر تاء الخطاب؛ لأنه في الأصل لامرأة، وهي دسوس بنت لقيط بن زرارة، وسبب المثل أنها تزوجت
[ ٢٥٨ ]
شيخًا كبيرًا ذا مالٍ فكرهته، فطلبت منه الطلاق فطلقها، فتزوجت شابًا فقيرًا، ثم أصابتها سنة فأرسلت إلى الشيخ الأول تطلب منه اللبن، فقال للرسول: قل لها: "الصيف ضيعتِ اللبن" أي لما طلبت الطلاق في الصيف أوجب لها ذلك أن لا تعطى لبنًا. فلما قال لها الرسول ذلك وضعت يدها على زوجها الشاب، فقالت: مذق هذا خير. أي لبنه المخلوط بالماء على جماله وشبابه مع فقره خير من الشيخ ولبنه. ثم نقله الناقل الأول بمضرب هو قضية تضمنت طلب الشيء بعد تضييعه والتفريط فيه، ثم فشا استعماله في مثل تلك القضية مما طلب فيه الشيء بعد السبب في ضياعه في وقت آخر، فصار مثلًا لا يغير، بل يقال: "ضيعتِ" بكسر التاء والإفراد، ولو خوطب به المذكر، أو المؤنث، أو المجموع، كما أشار له مالك بن المرحل في نظمه المشهور بقوله:
وقل لمن يطلب شيئًا فات عن يديه ويك الصيف ضيَّعتِ اللبن
وتكسر التاء لأن المثلا جرى على أنثى خطابًا أولا
واعلم أنا قدمنا أن المجاز المركب إذا كانت علاقته غير المشابهة فهو مجاز مرسل مركب، كقوله:
هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق
فإن هذا المركب موضوع للإخبار بكون "هواه": أي مهويه ومحبوبه "مصعدًا" أي مبعدًا "مع الركب اليماني" وجسمه موثق ومقيد بمكة، لكن ذلك المركب لم يستعمل في ذلك المعنى، بل الغرض منه
[ ٢٥٩ ]
التحسر والتحزن على مفارقة المحبوب اللازم ذلك بالإخبار بها؛ لأن الإخبار بوقوع شيءٍ مكروهٍ يلزمه إظهار التحسر والتحزن، فالعلاقة اللازمية، فقد صدق على ذلك المركب أنه نقل لغير ما وضع له لعلاقة غير المشابهة، فلا يكون حقيقةً، ولا استعارةً تمثيليةً، فتعين أن يكون مجازًا مرسلًا مركبًا، وهذا مما أهمل القوم التعرض له، ولم يظهر لإهماله وجه.
وأجاب عن ذلك بعض المحققين بأنه من قبيل الكناية، فهو مستعمل فيما وضع له لينتقل إلى لازمه، وحينئذٍ لم يصدق عليه حد المجاز، فلذا تركوا التعرض له.
ثم إذا حققت تقسيمات الاستعارة إلى أنواعها المختلفة، وحققت أنها لابد لها من قرينة؛ لأنها مجاز علاقته المشابهة، والمجاز لابد له من قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي، فاعلم أن قرينة الاستعارة إما معنًى واحدٌ، كقولك: "رأيت أسدًا يرمي"، وإما أكثر من معنًى واحدٍ، كقول بعض العرب:
فإن تعافوا العدل والإيمانا فإن في أيماننا نيرانا
أي: سيوفًا تلمع كشعل النيران. فاستعار النيران للسيوف بجامع البريق واللمعان، وقرينة هذه الاستعارة تعلق قوله: "تعافوا" بكلٍّ من العدل والإيمان، لدلالته على أن جواب هذا الشرط: تحاربون وتلجأون إلى الطاعة بالسيوف.
وإما معانٍ مربوطٌ بعضها بعض بحيث يكون المجموع قرينة، لا
[ ٢٦٠ ]
كل واحدٍ منها على حدة، كقول البحتري:
وصاعقة من نصله تنكفي بها على أرؤس الأقران خمس سحائب
استعار "خمس سحائب" لأنامل الممدوح، والجامع أنها في جودها وعموم عطاياها كالسحائب، ولما استعار السحائب الخمس لأنامل الممدوح ذكر أن هناك صاعقة، وبين أنها من نصل سيفه، ثم قال: "على أرؤس الأقران" ثم قال: "خمس" فذكر العدد الذي هو عدد أصابع اليد. فظهر من مجموع ذلك أنه أراد بالسحائب الأنامل.
واعلم أن ما ذكره بعض البيانيين من أنَّ الاستعارة من حيث هي مجازٌ عقليٌّ لا مجاز لغوي أصلًا مردودٌ. وسنبين لك وجهه عند القائل به، ثم نبين وجه رده.
اعلم أن القائل بأن الاستعارة مجازٌ عقليٌّ يقول: إن التصرف فيها إنما وقع في أمرٍ عقليٍّ، لا لغويٍّ؛ لأنها لما لم تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به، بجعل الرجل الشجاع مثلًا فردًا من أفراد الأسد، كان استعمال الكلمة المسماة بالاستعارة في المشبه استعمالًا فيما وضعت له، وإنما قلنا: إنها لم تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به، لأنها لو لم تكن كذلك لما كانت استعارة، لأن مجرد نقل الاسم لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة استعارة، ولما كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة، إذ لا مبالغة في إطلاق الاسم المجرد عاريًا من معناه، ولما صح أن يقال لمن قال: "رأيت أسدًا" وأراد به زيدًا: أنه جعله أسدًا. كما لا يقال لمن سمى ولده أسدًا: أنه جعله أسدًا؛ إذ لا يقال: جعله أميرًا، إلا وقد أثبت فيه
[ ٢٦١ ]
صفة الإمارة.
وإذا كان نقل اسم المشبه به إلى المشبه تبعًا لنقل معناه إليه، بمعنى أنه أثبت له معنى الأسد الحقيقي ادعاءً، ثم أطلق عليه اسم الأسد، كان الأسد مستعملًا فيما وضع له، فلا يكون مجازًا لغويًّا، بل عقليًّا، بمعنى أن العقل جعل الرجل الشجاع من جنس الأسد، وجَعْلُ ما ليس في الواقع واقعًا مجازٌ عقليٌّ، ولهذا صح التعجب في قول ابن العميد:
قامت تظللني من الشمس نفس أعز علي من نفسي
قامت تظللني ومن عجب شمس تظللني من الشمس
استعار "الشمس" لغلام حسن الوجه، والجامع الحسن والبهاء، ولولا أنه ادعى لذلك الغلام معنى الشمس الحقيقي، وجعله شمسًا على الحقيقة، لما كان لهذا التعجب معنى، إذ لا تعجب في أن يظلِّلَ إنسان حسن الوجه إنسانًا آخر، وإنما العجب في تظليل الشمس إياه، لأنها سبب لنفي الظل وإذهابه، لا لثبوته.
ولِما ذكرنا صح النهي عن التعجب أيضًا في قول الشريف أبي الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا:
لا تعجبوا مِنْ بِلَى غلالته قد زرَّ أزراره على القمر
فلولا أنه جعله قمرًا حقيقيًّا لما كان للنهي عن التعجب معنى؛ لأن الكتان إنما يسرع إليه البلى بسبب ملابسة القمر الحقيقي، لا ملابسة إنسان كالقمر في الحسن. والبِلَى بالكسر والقصر من بَلِيَ الثوب يبلى
[ ٢٦٢ ]
إذا فسد، والغلالة شعار أي ثوب ضيق الكمين كالقميص، يباشر البدن يلبس تحت الثوب الواسع، وتحت الدرع أيضًا، وزررت القميص عليه أزره بمعنى شددت أزراره عليه.
ومثل بيت الشريف المذكور قول الآخر:
ترى الثياب من الكتان يلمحها نورٌ من البدر أحيانًا فيبليها
فكيف تنكر أن تبلى مَعاجِرُها والبدر في كل وقت طالع فيها
ووجه رد الدليل على أن الاستعارة مجاز عقلي: أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به لا يقتضي كون الاستعارة غير مستعملة فيما وضعت له؛ للعلم الضروري بأن "أسدًا" في قولنا: "رأيت أسدًا يرمي" مستعملٌ في الرجل الشجاع، والموضوع له هو السبع المخصوص.
وتحقيق ذلك: أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به مبني على أنه جعل أفراد الأسد بطريق التأويل قسمين:
أحدهما: المتعارف، وهو الذي له غاية الجراءة وكمال القوة في مثل تلك الجثة ذات الأنياب والأظفار.
والثاني: غير المتعارف، وهو الذي له تلك الجراءة لا في تلك الجثة المخصوصة والهيكل المخصوص.
ولفظ الأسد إنما هو موضوع للمتعارف، فاستعماله في غير المتعارف استعمالٌ في غير ما وضع له، والقرينة مانعةٌ عن إرادة المعنى المتعارف ليتعين المعنى غير المتعارف، وارتكب المتنبي هذا الادعاء
[ ٢٦٣ ]
في عد نفسه وجماعته من جنس الجن، وعد جماله من جنس الطير حيث قال:
نحن قومٌ مِلْجِنِّ في زيِّ ناس فوق طيرٍ لها شخوصُ الجِمال
وبهذا يندفع ما يقال: إن الإصرار على دعوى الأسد به للرجل الشجاع ينافي نصب القرينة المانعة عن إرادة الأسد، وأن التعجب والنهي عنه كما في البيتين المذكورين.
فالبناء على تناسي التشبيه قضاء لحق المبالغة، ودلالة على أن المشبه بحيث لا يتميز عن المشبه به أصلًا حتى إن كل ما يترتب على المشبه به من التعجب والنهي عن التعجب يترتب على المشبه أيضًا.
ثم إن عرفت معنى الاستعارة، وأنها مجازٌ لغويٌّ على التحقيق، فاعلم أن الاستعارة تفارق الكذب من وجهين:
أحدهما: بناء الدعوى فيها على التأويل في دعوى حصول المشبه في جنس المشبه به بجعل أفراد المشبه به قسمين: متعارف، وغير متعارف، كما مر.
والثاني: نصب القرينة على أن المراد بها خلاف ظاهرها، فإن الكاذب يتبرأ من التأويل، ولا ينصب دليلًا على خلاف زعمه، بل يبذل المجهود في ترويج ظاهره.
واعلم أن أحسن أنواع المجاز الاستعارة التمثيلية، ثم المكنية، ثم التصريحية، ثم المجاز المرسل. وحسن التخييلية عندهم بحسب حسن المكنية، لأنها تابعتها عند سلف البيانيين، والتابع بحسب
[ ٢٦٤ ]
واعلم أنه يشترط لحسن الاستعارة خمسة شروط:
الأول: مراعاة جهات الحسن في التشبيه، كأن يكون وجه الشبه شاملًا للطرفين، والتشبيه وافيًا بإفادة ما علق به الغرض، ونحو ذلك مما هو مذكور في التشبيه.
والثاني: بُعدها عن الحقيقة كما يقع لها بالترشيح.
الثالث: كونها غير مبتذلة.
الرابع: أن لا يكون وجه الشبه مي غاية الخفاء حتى تكون كالألغاز، كما في قولك: "رأيت أسدًا" لإنسان أبخر.
الخامس: أن لا يشم فيها رائحة التشبيه لفظًا؛ لأن ذلك يبطل الغرض من الاستعارة. أعني ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به؛ لما في التشبيه من الدلالة على أن المشبه به أقوى في وجه الشبه.
واعلم أن ما ذكرنا في تقسيم المجاز وانحصاره في: عقلي، ومفرد، ومركب، هو تقسيمه المعروف عند البيانيين، فلا يَرِدُ عليه مجاز الحذف والزيادة؛ لأن لفظ "المجاز" قد يطلق بالاشتراك أو التشابه على كلمة تغير إعرابها بحذف لفظ أو زيادة لفظ، فمثال الحذف قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف/ ٨٢] أي: أهلها، فأصل إعراب القرية الخفض بإضافة الأهل إليها، فحُذِفَ المضاف فصار المضاف إليه خلفا منه، فنصب بالمفعولية على القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله:
[ ٢٦٥ ]