بشفى الأحيمر قد عرفت لراد داري مرادي أن تكون مرادي
عهدي بها وبها فتاة همها أعذب بها تعذيب كل فؤاد
بيضاءُ واضحةُ الجبين كأنها قمرٌ منيرٌ لاح بين دآدي
وترى شعاع الشمس في وجناتها مترقرقًا بجبينها الوقاد
لمياء تبسم عن لآلئ ركبت في معدن من سمرة وسواد
شنباء مصة ريقها تشفي الجوى من صدر حرَّان الجوانح صادي
واللَّه لا أنسى مبيتي عندها بشفى الأحيمر عن جنوب الوادي
إذ بت أشفي من رضاب بارد داءًا تقادم حره بفؤاد
ويلُ امِّها ما كان أطيب ريقها يا برد ريقتها على الأكباد
ثم سألني بعض أساتذة المعهد الديني "بأم درمان" ممن له مشاركة جيدة في فن المنطق، عن كيفية رد اللَّه جل وعلا على اليهود في قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ بقوله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام/ ٩١]، فإن قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ردًّا لقولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ يتضمن أن موسى بشر، وأنه أنزل عليه كتاب هو التوارة، فإذا قلت: موسى بشر، موسى أنزل عليه كتاب؛ كان هذا على صورة قياس اقتراني من الشكل الثالث، ينتج: بعض البشر أنزل عليه كتاب. وهذه النتيجة التي هي: "بعض البشر أنزل عليه كتاب" جزئية موجبة. وقد تقرر عندهم أن الموجبة الجزئية هي نقيض السالبة الكلية، وقضية اليهود التي هي
[ ٢٨٥ ]
قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْء﴾ سالبة كلية يتحقق نقضها وإبطالها بجزئية موجبة، هي: نزول كتاب على بعض البشر الذي هو موسى، لإقرارهم بذلك.
قال: فإن قولنا: موسى بشر، موسى أنزل عليه كتاب. هذا ينتج من الشكل الثالث: "بعض البشر أنزل عليه كتاب" إنتاجًا لاشك في صحته، مع أن المقدمتين شخصيتان. والمقرر عندهم في الشكل الثالث أنه يشترط لإنتاجه كلية كبراه. فكيف ينتج هذا الشكل الثالث، وليست كبراه كلية؟
فكان جوابنا أن قلنا له: إن الشخصية من قبيل الإنتاج في حكم الكلية المسوَّرة بسور كلي، ووجه استوائهما هو شمول الحكم بالمحمول جميع أفراد الموضوع، فالسور في الكلية محيط بجميع أفراد الموضوع، بحيث لم يتخلف منها فرد عن الحكم بالمحمول، وموضوع الشخصية فردٌ واحدٌ لا تعدد فيه أصلًا، فصار انحصار موضوع الشخصية في فردٍ واحدٍ بالأصالة كانحصار أفراد الموضوع الكلي بالسور الكلي، فاتحدا من هذا الوجه، فصح الإنتاج المذكور.
ثم لما عزمنا على السفر من "أم درمان" اجتمع بنا الأخ الفاضل ذو الأخلاق الطيبة والشمائل الحسنة السيد محمد صالح الشنقيطي رئيس اللجنة بالسودان، فأحسن إلينا وأكرمنا غاية الإكرام، وجمع بيننا وبين السيد عبد الرحمن المهدي فعزيناه في ولد ولده كان متوفى عند ملاقاتنا، ففرح بلقائنا، وأظهر لنا البشر، والإكرام، وأهدى لنا هدية سنية.
وشيعنا محمد صالح المذكور في سيارته الخاصة، وأخذ لنا
[ ٢٨٦ ]