سيدي أحمد بن العربي رئيس أهل جدة بن خليفة من قبيلة الأقلال، ومن جملة من زارنا قاضي القرية المذكورة الشيخ الأستاذ المحفوظ بن الغوث، والشيخ الأستاذ محمد الأمين بن الشيخ أحمد الذي كان قاضيًا أيضا للقرية المذكورة.
ومما دار في أثناء تلك المذاكرة السؤال عن مسألتين:
إحداهما: بيان كيفية استحالة تسلسل هيولى العالم، أي تأثير بعضها في بعض إلى ما لا نهاية، والبرهان الدالّ على أن كل ما سوى اللَّه جل وعلا حادث.
والثانية: تحقيق الفرق بين خطاب التكليف وخطاب الوضع.
فكان جوابنا على المسألة الأولى:
أنَّ البراهين الدالة عقلًا على حدوث ما سوى اللَّه جل وعلا كثيرةٌ، وسنذكر منها البعض على قدر الكفاية، فمن ذلك أن نقول:
أفراد الهيولى المتسلسلة إلى ما لا نهاية له -عند الفلاسفة القائلين بقدم الهيولى التي هي مواد الأشياء وأصولها- لابد أن يقترن واحدٌ منها بالأزل، بحيث لم يسبق عليه عدم أصلًا، أو لا يقترن واحدٌ منها بالأزل بأن يكون كلُّ واحدٍ منها مسبوقًا بعدم، ولا يخلو المقام من أحد هذين الأمرين ضرورةً.
فإن قالوا: لم يقترن واحد منها بالأزل، بل كل فرد منها مسبوق بعدم.
[ ١٧ ]
قلنا لهم: أقررتم بحدوث جميعها وانقطاع تسلسلها، لإقراركم بأن الأول منها مسبوقٌ بعدم، وهو المطلوب.
وإن ادعوا أن أولها مقترن بالأزل بحيث لم يسبق عليه عدم.
قلنا: لو كان غير مسبوق بعدم لكان قديمًا، والقديم يستحيل فناؤه عقلًا، وأنتم مقرُّون بفناء الفرد الأول الذي ادعيتم اقترانه بالأزل.
فإن قالوا: لا نسلم أن القديم يستحيل فناؤه.
قلنا لهم: البرهان العقلي قاضٍ باستحالة فناء القديم.
وإيضاح ذلك: أنه لو جاز عدمه لكان عين الجائز العقلي؛ لأنه هو ما يجوز فيه الوجود والعدم، وكل ماجاز وجوده وعدمه عقلًا استحال رجحان وجوده على عدمه المساويه عقلًا أزلًا بلا مرجحٍ؛ لأن العقل يوجب بقاء المساواة حتى يوجد مرجح، وإلا لزم رجحان أحد المتساويين بلا مرجح، وهو محالٌ عقلًا كاقتضائه كونهما متساويين وغير متساويين، وهو محالٌ ضرورةً، فظهر عقلًا أن كل ما جاز عدمه استحال قدمه، وكل ما وجب قدمه استحال عدمه.
وأول الأفراد المتسلسلة المزعومة معدوم الآن قطعًا فهو حادث قطعًا؛ إذ لا يجوز العدم إلا على حادث، لأن ما يجوز فيه أمران -أعني الوجود والعدم- يحتاج إلى مرجح يرجح أحد الجائزين على مساويه الآخر، وإلا لبقيا متساويين، والمحتاج إلى مرجح حادثٌ؛ لأنه مسبوق بمرجحه الذي رجح وجوده على عدمه المساوي عقلًا أزلًا.
فظهر بهذا البرهان العقلي أن كل ما سوى اللَّه حادث، وأن ادعاء
[ ١٨ ]
الفلاسفة قدم هيولى العالم، وأن أفرادها قديمة الجنس حادثة النوع لا يصح، لما ذكرنا من أنها إن لم يقترن درد منها بالأزل كانت حادثة، ولو اقترن فرد منها بالأزل لكان قديمًا، والقديم لا يفنى، وكلها فانية، فاتضح بطلان دعواهم.
ومما استدل به بعض النظار على استحالة قدم هيولى العالم، وأنها حوادث لا أول لها: أن ذلك يلزم عليه وجود عددين لا متماثلين ولا متفاضلين؛ لأن المماثلة لا تصح؛ لكون الأفراد من اليوم إلى الأزل تشارك الأفراد من الطوفان إلى الأزل في هيولاها التي هي موادها وأصولها، وتزيد عليها بما بين اليوم والطوفان، والمفاضلة بين العددين لا تعقل؛ لأن الفرض أن كلا من العددين لا نهاية له، وما لا يتناهى لا يعقل كونه أقل من شيء؛ لأن معنى القلة مقابلة العدد القليل بقدره من أفراد العدد الكثير، وانتهاؤه مع بقاء شيءٍ من الكثير، فانتهاؤه قبله هو قلت عنه، وبقاء بعض أفراد الآخر بعده هو كثرته عنه.
وربما يظهر للناظر القدح في هذا الدليل بأن يقول: أفراد الهيولى من اليوم إلى الأزل أكثر من أفرادها معتبرة من الطوفان إلى الأزل؛ لأنها لما شاركتها فيما بين الطوفان والأزل وزادت عليها بما بين اليوم والطوفان صارت أكثر منها.
وقال بعضهم: هذا القدح مدفوع عند التأمل الصادق؛ لأن هذا إنما يكون إذا اعتبرنا العددين من جهة النهاية إلى جهة الأزل، وإيضاحه أن يقول: لو فرضنا أن شخصين يعدان أفراد الهيولى المزعوم تسلسلها، أحدهما يعد من اليوم إلى الأزل، والثاني يعد من الطوفان
[ ١٩ ]
إلى الأزل، فالذي يعد من الطوفان إلى الأزل لا ينتهي عدده قبل الذي يعد من اليوم إلى الأزل؛ لأن الفرض عدم النهاية، وما لا ينتهي قبل شيء لا يعقل كونه أقل منه، فثبت أن حوادث لا أول لها يلزمه وجود المحال، وما أدى إلى المحال فهو محال، مع أن قول الفلاسفة حوادث لا أول لها كلامٌ متناقضٌ؛ لأن لفظة "حوادث" جمع حادث، وهو فاعل من الحدوث الذي هو الطروء بعد عدم، وقولهم: "لا أوَّل لها" نقيض ذلك، فهو بمثابة ما لو قالوا: حوادث لا حوادث. وهو محال لاستحالة اجتماع النقيضين.
وهذا الكلام كله في استحالة تسلسل تأثير بعض أفراد الهيولى في بعض، أما بالنظر إلى وجود حوادث لا أول لها بإيجاد اللَّه، فذلك لا محال فيه، ولا يلزمه محذور؛ لأنها موجودة بقدرة وإرادة من لا أول له جل وعلا، وهو في كل لحظةٍ من وجوده يحدث ما يشاء كيف يشاء، فالحكم عليه بأن إحداثه للحوادث له مبدأ يوهم أنه كان قبل ذلك المبدأ عاجزًا عن الإيجاد ﷾ عن ذلك.
وإيضاح المقام: أنك لو فرضت تحليل زمن وجود اللَّه في الماضي إلى الأزل إلى أفراد زمانية أقل من لحظات العين أن تفرض أن ابتداء إيجاد الحوادث مقترن بلحظة من تلك اللحظات، فإنك إن قلت: هو مقترن باللحظة الأولى. قلنا: ليس هناك أولى البتة. وإن فرضت اقترانه بلحظة أخرى، فإن اللَّه موجود قبل تلك اللحظة بجميع صفات الكمال والجلال بما لا يتناهى من اللحظات، وهو في كل لحظة يحدث ما شاء كيف شاء، فالحكم عليه بأن لفعله مبدأ لم يكن فعل قبله شيئًا يوهم
[ ٢٠ ]