غير الصريح، وسنبين لك الجميع على سبيل الاستطراد، لأن القصد في الجواب دلالة الإشارة فقط، وذكر غيرها استطرادي.
اعلم أولًا أن دلالة الاقتضاء، ودلالة الإشارة، ودلالة الإيماء والتنبيه، كلها من دلالة الالتزام، والأصوليون مختلفون فيها: هل هي من المنطوق غير الصريح، أو من المفهوم؟
فإذا حققت ذلك فاعلم أنا قدمنا الكلام مستوفى على دلالة الإشارة، وسنتكلم الآن على دلالة الإقتضاء، ودلالة الإيماء والتنبيه.
أما دلالة الاقتضاء فهي دلالة اللفظ بالالتزام على معنى غير مذكور مع أنه مقصود بالأَصالة، ولا يستقل المعنى -أي: لا يستقيم- إلا به؛ لتوقف صدقه أو صحته عقلًا أو شرعًا عليه، وإن كان اللفظ لا يقتضيه وضعًا.
مثال توقف صدقه عليه حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهو عليه" أي: المؤاخذة بما ذكر، لتوقف الصدق على ذلك؛ لأن نفس الخطأ وما ذكر معه غير مرفوع، بل هو واقع منهم لأنهم يخطئون وينسون ويُكْرَهون دائمًا، فالكلام دلَّ بالاقتضاء على المحذوف من جهة توقف صدقه عليه، إذ لولا ذلك المحذوف لكان الكلام غير صادق.
ومن هذا المعنى قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم حين قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟: "كل ذلك لم يكن" أي: في ظني. فدل الحديث بالاقتضاء على محذوف تقديره: "في ظني"؛ إذ
[ ٢٦٩ ]
لولا ذلك المحذوف لكان غير صادق، لأنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان قد سلم من اثنتين، وهو لا يكذب صلوات اللَّه وسلامه عليه.
ومثال ما تتوقف صحته عليه عقلًا قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف/ ٨٢] أي: أهل القرية، إذ القرية -وهي الأبنية المجتمعة- لا يصح سؤالها عقلًا جريًا على العادة، فدل بالاقتضاء على محذوفٍ من جهة توقف الكلام عليه عقلًا.
ومثال ما تتوقف صحته عليه شرعًا الأمر بالصلاة، فإنه يتضمن الأمر بالطهارة لها لتوقفها عليها شرعًا، فاللفظ المتوقف صدقه أو صحته منطوق صريح، والمضمر الذي لابد للصدق أو الصحة منه منطوقٌ غير صريح، وهو من ضرورة المنطوق الصريح، وهذا بناءً على أحد القولين المتقدمين.
وسميت هذه الدلالة دلالة اقتضاء لأن المعنى يقتضيها لا اللفظ.
وأما دلالة الإيماء والتنبيه فلا تكون إلا في العلل، فهي أبدًا دلالة على كون الوصف علة الحكم، ولذلك كان الإيماء هو المسلك الثالث من مسالك العلة.
وهي -أي: دلالة الإيماء والتنبيه- أن يقرن الوصف بحكم لو لم يكن الوصف علة لذلك الحكم عابه الفطن بمقاصد الكلام؛ لأنه لا يليق بالفصاحة، وكلام الشارع لا يكون فيه ما يخل بالفصاحة، ومثاله حديث الأعرابي الذي جاء يضرب صدره وينتف شعره ويقول: "هلكت
[ ٢٧٠ ]
وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان"، فقال له النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "أعتق رقبة"؛ فمواقعة الأهل في نهار رمضان وصفٌ اقترن به في كلام الشارع حكم وهو عتق رقبة، ولو لم تكن علة ذلك العتق مواقعة الأهل في نهار رمضان لكان الكلام خارجًا عن مقاصد العقلاء، وكان الكلام غير مطابق للسؤال، وذلك لا يليق بفصاحة الشارع وبلاغته صلوات اللَّه عليه وسلامه.
ومثال الإيماء في القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة/ ٩]، فلو لم يكن خوف فوات صلاة الجمعة علة للبيع عند النداء لها لما كان في ترتيبه عليه في الكلام فائدة، وكلامه تعالى في أعلى درجات الإعجاز والبلاغة.
وإذا أردت تقسيمًا جامعًا للأقسام المذكورة فهو أن تقول: غير المنطوق الصريح لا يخلو: إما أن يكون مدلوله مقصودًا للمتكلم، أو غير مقصودٍ له، فإن كان مقصودًا فلا يخلو: إما أن يتوقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به عليه، أو لا، فإن توقف سمي دلالة اقتضاء، وإلا فلا يخلو: إما أن يكون مفهومًا في محل تناوله اللفظ نطقًا، أو لا، الأول: دلالة الإيماء والتنبيه. والثاني: دلالة المفهوم. وإن كان غير مقصود للمتكلم بالأصالة سميت دلالة اللفظ عليه دلالة الإشارة. حرره العبادي في "حاشيته" على "شرح المحلى لجمع الجوامع".
فإذا تقرر ذلك فالفرق بين المفهوم ودلالة الإشارة مصاحبة القصد
[ ٢٧١ ]
الأصلي له دونها، والفرق بينه وبين دلالة الاقتضاء توقف الصدق أو الصحة على إضمار فيها دونه، والفرق بينه وبين دلالة الإيماء والتنبيه كونها مفهومة في محل تناوله اللفظ نطقًا دونه. فاندفع استشكال التفتازاني الفرق بين غير الصريح من المنطوق والمفهوم.
وهذا على القول بأن دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء من المنطوق غير الصريح، وأما على القول بأنها كلها من دلالة المفهوم فالأمر ظاهر.
وإلى هذا التحقيق الذي ذكرنا أشار في "مراقي السعود" بقوله:
وفي كلام الوحي والمنطوق هل ما ليس بالصريح فيه قد دخل
وهو دلالة اقتضاء إن يدل لفظ على ما دونه لا يستقل
دلالة اللزوم مثل ذات إشارة كذاك الإيما آتي
فأول إشارة اللفظ لما لم يكن القصد له قد علما
دلالة الإيماء والتنبيه في الفن تقصد لدى ذويه
أن يقرن الوصف بحكم إن يكن لغير علة يعبه من فطن
وقال في "مراقي السعود" أيضًا في مسالك العلة في خصوص الإيماء الذي هو المسلك الثالث:
والثالث الإيما اقتران الوصف بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النظير قرانه لغيرها يضير
[ ٢٧٢ ]
فقال لنا: أورد ما يدل على العداوة والبغضاء دائمًا بين فرق اليهود فيما بينهم.
فقلنا له: نعم. وبين فرق النصارى أيضًا.
أما اليهود فقد قال اللَّه فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة/ ٦٤].
فالضمير في قوله: ﴿بَيْنَهُمُ﴾ في الظاهر المتبادر من مساق الآية راجعٌ إلى اليهود فيما بينهم فقط، لا إلى اليهود والنصارى، وإن قال بهذا الأخير بعض الأجلاء من علماء التفسير؛ لأن القرآن لا يصح صرفه عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليلٍ جازمٍ من كتاب اللَّه أو سنة رسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
وأما النصارى فقد قال اللَّه فيهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة/ ١٤].
فالضمير في قوله: ﴿بَيْنَهُمُ﴾ راجع إلى النصارى المعبر عنهم بـ ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ في الظاهر المتبادر من مساق الآية، وإن قال بعضهم: إن معناه راجع إلى اليهود والنصارى؛ لما قدمناه من عدم جواز صرف القرآن عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليل من كتاب أو سنة.
[ ٢٧٣ ]