واسم الجنس.
والثانية: قول المتكلمين: إن الصفة النفسية لا يدرك لدونها الموصوف، وإن الإنسان مثلًا بدون النطق غير معروف، لِمَ لا يعرف الإنسان بخواصه، كالمشي على الاثنين مع الانتصاب، وكالضحك وكتابة الكتاب.
فكان جوابنا عن المسألة الأولى: ما حاصله: أن الفرق بين علم الجنس واسمه اصطدمت فيه عقول العقلاء، واختلفت فيه آراء العلماء، حتى قال بعضهم: لا يُعقل الفرق بينهما في المعنى. واختار بعض المحررين من المتأخرين من ذلك الاختلاف ما حققه ابن خاتمة من أن الفرق بينهما أمر اعتباري، وهو أن عَلَم الجنس موضوعٌ للحقيقة الذهنية، ليميزها عن غيرها من الحقائق الذهنية، مع قطع النظر عن وجودها في أفرادها الخارجية، واسم الجنس موضوع للحقيقة باعتبار وجودها في أفرادها الخارجية، ولذا كان الأول جزئيًّا، والثاني كليًّا، والجزئي الحقيقي يكون عَلَمًا بالإجماع، والعَلَمُ قسمان: عَلَم شخصٍ، وعَلَم جنس. ودليل حصره فيهما أن العَلَم لابد أن يعيّن مسماه بتشخيصه إياه، فإن كان التشخيص باعتبار الخارِج فهو عَلَم الشخص، كزيد ومكة، وإن كان باعتبار الذهن فهو عَلم الجنس، كأسامة وأبي الحارث للأسد.
قال مقيّد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: هذا الفرق الذي ذكره ابن خاتمة بين عَلَم الجنس واسمه، وإن اختاره المحقق البناني في شرحه لسلم الأخضري في علم المنطق، وغيره من محققي المتأخرين، إذا فرَّعنا
[ ٨ ]
على قول ابن الحاجب والآمدي ومن تبعهما من الأصوليين بأن المطلق والنكرة شيءٌ واحدٌ، فهو -أي فرق ابن خاتمة- أمرٌ معقولٌ واضحٌ لا شبهة فيه. وأما إذا ما فرعنا على ما عليه جمهور الأصوليين من أن المطلق والنكرة شيئان متغايران فالفرق الذي ذكره ابن خاتمة لا يكاد يعقله الذهن السليم.
وإيضاح ذلك: أن المطلق هو اسم الجنس بعينه عند جمهور الأصوليين، وجمهورهم على أن النكرة والمطلق الذي هو اسم الجنس أمران متغايران، خلافًا لابن الحاجب والآمدي وطائفة، والفرق بينهما -عند القائل به-: أن المطلق هو ما دل على الماهية بلا قيد، والنكرة ما دل على الواحد الشائع في جنسه.
ومما يوضح الفرق بينهما أن المطلق الذي هو اسم الجنس يكون موضوع القضية الطبيعية، ولا يكون موضوع كلية ولا جزئية. والنكرة تكون موضوع الكلية والجزئية، ولا تكون موضوع الطبيعية. فبهذا يظهر الفرق.
والقضية الطبيعية عند المناطقة هي: التي حكم بمحمولها على ماهية موضوعها الذهنية من حيث هي ماهية وحقيقة، مع قطع النظر عن وجود تلك الماهية الذهنية في أفرادها الخارجية، ولذا لو حمل محمولها على أفراد موضوعها الخارجية لكذبت باعتبار كونها طبيعية.
ومثالها -أعني الطبيعية-: قولك: حيوان جنس، وإنسان نوع. فحكمك بالجنسية على الحيوانية، وبالنوعية على الإنسانية إنما هو باعتبار ماهية الحيوان والإنسان الذهنية دون أفرادها الخارجية،
[ ٩ ]
فالجنسية المحكوم بها على الحيوان، والنوعية المحكوم بها على الإنسان، كلتاهما لا يصدق الحكم بها إلا على الماهية، وإن حكمت بها على الأفراد كذبت، لأن أفراد الإنسان -مثلًا- كزيد وعمرو ليس واحدٌ منها يصح الحكم عليه بالنوعية، لأنها كلها أشخاص، فلو قلت: زيد نوع، وعمرو نوع؛ لكان كذبًا، مع صدق قولك: إنسان نوع، فظهر قصد الماهية دون الأفراد.
وكذلك أفراد الحيوان لا يصدق الحكم على واحد منها بأنه جنس، فلو قلت: الإنسان جنس، والفرس جنس مثلًا؛ لكان كذبًا، لأن أفراد الحيوان أنواعٌ لا أجناس، والحكم على النوع بأنه جنسٌ كذبٌ ظاهرٌ، فَكَذِبُ قولك: الفرس جنس والإنسان جنس، مع صدق قولك: الحيوان جنس، يظهر به قصد الماهية دون الأفراد، وهذا يخالف الكلية والجزئية اللتين موضوعهما النكرة، فالحكم بالمحمول فيهما إنما هو على أفراد الموضوع، لا على ماهيته العارية من اعتبار الأفراد.
فقولك: كل إنسان حيوان، الحكم في هذه الكلية بالمحمول الذي هو الحيوان على كل فرد من أفراد الموضوع الذي هو الإنسان، لصدق قولك: زيد حيوان وعمرو حيوان مثلًا، وليس الحكم على الماهية؛ لأن ماهية الإنسان شيءٌ واحدٌ متركبٌ عندهم من حيوانية وناطقية، والشيء الواحد لا يجوز دخول السور عليه لعدم تعدده، فلا يجوز مع اعتبار الماهية قولك: كل إنسان، لأن ماهية الإنسان شيء واحد كما هو مقرر في مبحث أطراف السور.
[ ١٠ ]
وما ذكرنا من الحكم بالمحمول على أفراد الموضوع في الكلية، ومثَّلْنا له هو بعينه في الجزئية، لأن الفرق بين الكلية والجزئية إنما هو بشمول الحكم جميع الأفراد وعدمه، فإن شمل الحكم بالمحمول جميع أفراد الموضوع فهي كلية، نحو كل إنسان حيوان، وإلا فجزئية نحو بعض الحيوان إنسان، والحكم في كل منهما على الأفراد لا على العاهية، فظهر الفرق بين اسم الجنس الذي هو المطلق وبين النكرة، بأن الأول موضوع الطبيعية، والأخير موضوع الكلية والجزئية.
وقد بنى الأصوليون على هذا الفرق مسألة تزيده إيضاحًا وبيانًا، وهي ما لو قال رجل لزوجته: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق، فولدت ذكرين. فعلى مراعاة المطلق الذي هو اسم الجنس الدال عندهم على الماهية بلا قيد تطلق زوجته، لأنه علق طلاقها على ماهية الذكر وقد وجدت، ولا نظر إلى الأفراد في المطلق. وعلى مراعاة النكرة الدالة على الواحد الشائع لا تطلق زوجته، لأنه علق الطلاق على ولادتها واحدًا بمقتضى النكرة الدالة على الواحد الشائع، فلم تلد واحدًا بل ولدت اثنين، فجاءت بغير المعلق عليه.
فإذا حققت هذا الفرق المذكور المشار إليه بقوله في "مراقي السعود":
وما على الذات بلا قيد يدل فمطلق وباسم جنس قد عقل
وما على الواحد شاع النكرة والاتحاد بعضهم قد نصره
علمت أن قول ابن خاتمة في فرقه المتقدم: "واسم الجنس
[ ١١ ]
موضوع للحقيقة الذهنية باعتبار أفرادها الخارجية" لا يصح بحال، لأن اعتبار الأفراد قيدٌ، وهم يقولون: ما دل على الماهية بلا قيد. إلا على القول بمراعاة الأفراد في اسم الجنس، فيتحد مع النكرة كما ذهب إليه ابن الحاجب والآمدي وطائفة، والعجب من غفلة البناني عن هذا مع دقة نظره، وما أطال به العبادي في "الآيات البينات" من أن المطلق ما دل على الماهية بلا قيدٍ، وأن الأفراد توجد في الخارج في ضمن الماهية الذهنية = يَرِدُ عليه ما ذكرنا من جواز مراعاة الماهية بقطع النظر عن وجود الأفراد في ضمنها كما ذكرنا، وكما يدخل في قولهم: "بلا قيدٍ" فلا يمكن الفرق إذًا بين عَلَم الجنس واسمه.
وقد فرّق بعض النحاة بين عَلَم الجنس واسمه بأن الفرق بينهما في اللفظ فقط، وهما في المعنى شيءٌ واحدٌ، كما قال ابن مالك في "ألفيته":
ووضعوا لبعض الاجناس عَلَم كعَلَم الأشخاص لفظًا وهو عمّ
لأن قوله: "لفظًا وهو عمّ" معناه عنده أنهما مفترقان في اللفظ، متحدان في المعنى؛ لأن عَلَم الجنس يتناول كل فرد من أفراد الجنس كما يتناوله اسم الجنس، فالفرق بينهما لفظي، ومعناهما واحدٌ. هذا مراده، ومثله له في التسهيل، وتعقبه المرادي، وهو جدير بأن يتعقب؛ لأن ما ذكر من الفرق اللفظي يتعذر معه اتحاد المعنى عند النظر الصحيح.
وإيضاحه: أن جعل معنى أسامة عَلَمًا لجنس الأسد، متحدًا مع معنى أسد، اسم جنس للأسد؛ لا يكاد يعقل، مع جواز دخول الألف
[ ١٢ ]