منه لضمير رفعٍ ظهرت الياء، فتقول في عوى الكلب: عويت يا كلب.
ومثال شذوذ الإدغام مع عروض السابق قراءة بعضهم: (إن كنتم للرُّيَّا تعبرون) بالإدغام، مع أن الواو عارضة، لأنها مبدلة من همز.
ثم سألنا بعض أذكياء الطلبة من أهل "أم درمان" عن المثنى من أسماء الإشارة والأسماء الموصولة نحو ذين وتين واللذين واللتين هل هو معرب، أم لا؟ وعلى أنه معرب فكيف يسوغ ذلك مع ما تقرر عندهم من أن الأسماء الموصولة مبنية للشبه الافتقاري، وأسماء الإشارة مبنية للشبه المعنوي.
فأجبته بأن بعض النحويين يقول: ذان واللذان مثلًا غير مثنيين حقيقةً، إذ لا يثنى المبني، وصيغتهما صيغة مستقلة، وإنما تغير بالعوامل نظرًا لصورة التثنية، فبنيا على ما يشاكل إعرابهما.
والذي يظهر لمقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه أن هذا القول غير سديد، إذ قولهم في الواحد المشار إليه: "ذا"، وفي الاثنين المشار إليهما: "ذان"، وقولهم: "الذي" في الواحد، و"اللذان" في الاثنين = تثنيةٌ مشاهدةٌ محسوسة، وادعاء أنها صورة خالية من الحقيقة يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، والذي يقبله الذهن السليم أن المثنى من أسماء الإشارة والموصولات معربٌ ومثنًّى حقيقةً لا صورةً، كما عليه ابن مالك في ألفيته حيث قال في كونه مثنى في الإشارة:
وذان تان للمثنى المرتفع وفي سواه ذين تين اذكر تطع
وقوله في الموصول:
[ ١٣٦ ]
موصول الأسماء الذي الأنثى التي واليا إذا ما ثنيا لا تثبت
قوله في الإشارة: "للمثنى المرتفع" وفي الموصول: "واليا إذا ما ثنيا" دليل على أنه مثنى حقيقةً لا صورةً، وقال في كونه معربًا: "بل ما تليه أوله العلامة"؛ لأن مراده بالعلامة علامة إعراب المثنى التي هي الألف رفغا، والياء نصبًا وخفضًا.
والذي يظهر عند التأمل الصادق أن أصل هذا الإشكال مفهومٌ من قول ابن مالك في ألفيته: "لشبهٍ من الخروف مدني"؛ لأن قوله يؤخذ منه أن الشبه الذي لم يُدْنِ الاسم من الحرف لا يكون موجبًا لبنائه، ألا ترى أن لفظة "زيد" و"رجل" مثلًا ثلاثة حروف هي شبيهة في الوضع بالحروف الموضوعة على ثلاثة أحرف، كليت، وبلى، ونعم، إلا أنه لما كان الوضع على ثلاثة أحرف كثيرًا في الأسماء جدًّا صارت مشابهة الاسم الثلاثي: كزيد ورجل لحرف الثلاثي كليت ونعم في الوضع ضعيفةً غير مُدْنِيَةٍ من الحرف، فلم يحصل البناء، ولذا أعربت "أيّ" لملازمتها الإضافة لفظًا أو تقديرًا مع شبهها بالحرف الشبه المعنوي في الاستفهامية والشرطية، والافتقاري في الموصولة، إلا أنها لما لازمت خاصة الاسم -التي هي الإضافة- أضعف ذلك شبهها بالحرف فلم تُبْنَ.
فإذا حققت هذا المعنى فاعلم أن "ذا" ونحوه من أسماء الإشارة مبنيٌّ لشبهه بالحرف الشبه المعنوي، إذ حق العرب أن تضع حرفًا للإشارة، كما وضعته لأخواتها من الخطاب، والتنبيه، والنداء، ونحو ذلك، فإذا أشارت باسمٍ فقد أدت بذلك الاسم معنًى حقُّه التأديةُ
[ ١٣٧ ]
بالحرف، فيبنى ذلك الاسم لشبهه بالحرف المقدر في معناه، كما قال ابن مالك: "والمعنوي في متى وفي هنا".
وكذلك الموصول فإنه مفتقر إلى جملةٍ افتقارًا أصليًّا، والجملة المذكورة صلته، والحرف مفتقر أبدًا إلى جملةٍ افتقارًا أصليًّا، فتشابها من حيث افتقار كل منهما إلى جملة افتقارًا غير عارض، فبني لذلك.
فإذا ثُني الاسم الموصول، أو اسم الإشارة فقد تعارض فيه أمران:
أحدهما: يستوجب البناء، وهو الشبه بالحرف الشبه المعنوي في الإشارة، والافتقاري في الموصول.
والثاني: يستوجب الإعراب، وهو التثنية؛ لأنها من خصائص الأسماء، واتصافه بأمر خاص بالاسم يضعف شبهه بالحرف.
فراعت العرب في التثنية موجب الإعراب فأعربت، وراعت في الجمع موجب البناء فبنت، ولذا صار "ذان" و"اللذان" معربين، و"أُولي" جمع "ذا"، و"اللذين" جمع "الذي" مبنيين، وربما راعوا موجب الإعراب في "اللذين" لأنها جمع، والجمع من خصائص الأسماء، كما قال ابن مالك في ألفيته:
* وبعضهم بالواو رفعًا نطقا *
فتحصل أن المفرد من الإشارات والموصولات مبني قولًا واحدًا لشبهه بالحرف من غير معارض يضعف ذلك الشبه، والمثنَّى والمجموع منهما تعارض فيهما موجب البناء وهو الشبه بالحرف، مع
[ ١٣٨ ]
موجب الإعراب الذي هو الاتصاف بخاصة الاسم -أعني الجمع والتثنية- فروعي أحد الموجبين في المثنى، والآخر في الجمع. واللَّه تعالى أعلم.
ثم سألني بعض الطلبة في "أم درمان" عن معنى قول الشاعر: