و"تحقيق المناط" ليس من مسالك العلة، بل هو دليل تثبت به الأحكام، فلا خلاف في وجوب العمل به بين الأمة، وإليه تضطر كل شريعة.
قال أبو إسحاق الشاطبي: لابد من الاجتهاد فيه في كل زمن، ولا ينقطع، إذ لا يمكن التكليف إلا به.
وإلى هذا التحقيق أشار في "مراقي السعود" بقوله:
تحقيق علة عليها ائتلفا في الفرع تحقيق مناط أُلِفا
ولما ذكرنا في هذا الجواب أن الوصف المناسب المذكور لابد من تحقيق استقلاله بالعلية، وذلك بنفي غيره من الأوصاف، وطريق ذلك إنما هو "السبر والتقسيم"، [سألوا توضيحه] (^١)، فأجبتهم إلى بيانه، بما حاصله: أن "السبر والتقسيم" عند الأصوليين هو المعروف عند المناطقة بـ "الشرطي المنفصل"، ويسمى عند الجدليين بـ "التقسيم والترديد"، وهو عند الأصوليين المسلك الرابع من مسالك العلة، ويسمى هذا المسلك بـ "السبر" وحده، وبـ "التقسيم" وحده، وبهما معًا وهو الأكثر.
والسبر بالفتحة لغةً: هو الاختبار، ومنه سُمِّيَ ما يعرف به طول الجرح وعرضه سِبَارًا ككتاب، ومِسْبَارًا كمفتاح، تقول العرب: هذه القضية يسبر بها غور العقل. أي يختبر.
_________________
(١) زيادة تقديرية ليست في الأصل المطبوع، وسياق الكلام يقتضيها.
[ ١٦٩ ]
والتقسيم؛ الافتراق، ولذا عبَّر بعض الأصوليين عن التقسيم بالافتراق.
والأصل أن يقال: التقسيم والسبر؛ لأن الناظر يحصر ما في المحل من الأوصاف، بأن يقول مثلا: علة الربا إما الاقتيات والادخار، أو الطعم، أو الكيل، وهذا هو التقسيم، ثم يختبر الصالح للعلية من غيره، وهذا هو السبر، فيعيَّن الصالح للعلية.
وإذا كان ذلك هو الأصل فمقتضاه أن يقال: "التقسيم والسبر"، ليوافق ترتب اللفظين ترتب معنييهما، وإنما أخروا "التقسيم" في اللفظ عن "السبر" وهو سابقٌ عليه في الوجود؛ لأن التقسيم لما كان وسيلة للاختبار، والأختبار هو المقصد، وقاعدة العرب تقديم الأهم والأفضل قدِّم "السبر" لأنه المقصد الأهم، وأخِّر "التقسيم" لأنه وسيلة أخفض رتبةً من المقصد.
وكيفية إفادة هذا المسلك الذي هو "السبر والتقسيم" علية الوصف للحكم أن الحكم مهما أمكن أن يكون معللًا فلا يجعل تعبدًا، وإذا أمكن إضافته للمناسب فلا يضاف لغيره، ولم نجد مناسبًا إلا ما بقي بعد "السبر"، فوجب كونه حجة وعلةً لهذه القواعد.
وإيضاح هذا المسلك الذي هو "السبر والتقسيم": هو أن يحصر المجتهد الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه، ثم يبطل ما لا يصلح للعلة من تلك الأوصاف، ويعين للتعليل الوصف الصالح له، وإبطال الأوصاف المذكورة يكون بطريقٍ من طرق إبطال العلة المعروفة في القوادح، كعدم الأطراد، وعدم الانعكاس بناءً على القدح بهما،
[ ١٧٠ ]
وكالكسر، وعدم تأثير الوصف.
ومن أنواع عدم تأثير الوصف كونه طرديًّا، والوصف الطردي هو ما علم من الشارع إلغاؤه، ويُعلم إلغاؤه باستقراء موارد الشريعة سواء كان طرديًّا في جميع الأحكام كالطول والقصر، فإنهما لم يعتبرا في القصاص، ولا في الكفارة، ولا في الإرث، ولا في العتق، لا في المعتِق بالكسر، ولا في المعتَق بالفتح، ولا غير المذكورات، فلا يعلل بهما حكمٌ أصلًا، أو كان طرديًّا في النزاع فقط، كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق، فلا يعلل بهما شيءٌ من أحكام العتق، وإن اعتبر في الشهادة، والقضاء، والإمامة، والإرث، وولاية عقد النكاح.
ومن طرق الإبطال بعد ثبوت الحصر كون الوصف ملغى، وإن كان مناسبًا للحكم المتنازع فيه، ويكون الإلغاء باستقلال المستبقى بالحكم دونه في صورةٍ مجمع عليها، كاستقلال الطعم في ملء كف من القمح بالحكم الذي هو حرمة ربا الفضل، دون الكيل وغيره، فإن ذلك لا يكال، وليس فيه اقتيات في الغالب.
ومن طرق الإبطال بعد ثبوت حصر الأوصاف ألا تظهر مناسبة الوصف الذي يريد المستدل إسقاطه للحكم بعد البحث عنها، لانتفاء مثبت العلية، بخلاف الإيماء فلا يشترط فيه ظهور المناسبة عند الأكثر، وإنما اشترطت في "السبر والتقسيم" لأنه لما تعددت فيه الأوصاف احتيج إلى بيان صلاحية بعضها للعلية بظهور المناسبة فيه، فاشتراط ظهور المناسبة في السبر لعارض.
فإن ادعى المعترض أن الوصف الذي استبقاه المستدل واعتبره
[ ١٧١ ]
لمناسبة غير مناسب، فليس للمستدل إقامة الدليل على كونه مناسبًا، لأنه انتقالٌ من مسلك السبر إلى مسلك المناسبة والإخالة، لكن له ترجيح سبره على سبر المعترض، بأن يبين أن الوصف المستبقي في سبره متعدٍّ من الأصل المقيس عليه إلى فرعه، وأن الوصف في سبر المعترض قاصر، أي غير متعدٍّ من الأصل إلى فرعه، فالعلة القاصرة عندهم هي غير المتعدية إلى الفرع، والمتعدي أولى من القاصر.
وذَكَرَ الرهوني أن المستدل لو قال: لو لم يكن الوصف مناسبًا لزم التعبد بالحكم، والأصل خلافه، كان حسنًا.
وأما حصر أوصاف المحل فيكفي فيه قول المجتهد العدل: "بحثت فلم أجد فُوهِمَ مناسبة غير هذا الذي ذكر له من الأوصاف"؛ لعدالته مع أهلية النظر فيه، فيندفع عنه بذلك منع الحصر. وغير العدل لا يكفيه أن يقول ما ذكر؛ لأن قوله لا يقبل شرعًا، والمراد عدل الرواية لأن هذا إخبار محض، ولكن له الدفع بالاستدلال على الحصر كأن يقول: "العلة في الإجبار في النكاح إما البكارة، وإما الجهل بالمصالح"، فيمنع المعترض الحصر، فيحتج المستدل بالإجماع على نفي التعليل بغيرهما.
ويكفي في حصر الأوصاف في المحل أيضًا أن يقول المستدل: "الأصل عدم غير ما ذكرت من الأوصاف"؛ فإن أبدى المعترض وصفا زائدًا على الأوصاف التي ذكرها المستدل، فلا يكلف المعترض ببيان صلاحيته للتعليل، فإن المستدل لم يعتقد في صلاحية ما ادعاه إلا حصر الأوصاف التي ذكر في الأصل، وإبطال ما عدا المستبقى،
[ ١٧٢ ]
ووجود وصف زائد على ما ادعى يخرم بمجرده دليله، غير ألا يكون منقطعًا بمجرد إظهار المعترض الوصف الزائد على الأوصاف التي حصرها المستدل، حتى يعجز عن إبطال صلاحية ذلك الوصف للعلية، لأنه إن أظهر إبطاله ما ضرَّ وجوده؛ لأن وجود ما لا يصلح للعلية كعدمه. وذكر ولي الدين قولًا: أنه ينقطع بمجرد إظهار الوصف الزائد لظهور بطلان ما ادعاه من الحصر.
والسبر والتقسيم مركب من أمرين: أحدهما: الحصر، والثاني: الإبطال، فإذا بطل أحدهما بطل الدليل، لأن الماهية المركبة تنخرم بانخرام بعض أجزائها، وقد يتفق الخصمان على إبطال ما عدا وصفين، فيكفي المستدل التردد بين علته وعلة خصمه اكتفاءً بالاتفاق منهما على إبطال ما سواهما، وإذا أبطل علة خصمه صحت علته، مثل أن يتفق الشافعي مع الحنفي أن العلة في الربا الطعم أو التقدير، لا غير ذلك، فإذا استدل على إبطال أحدهما، صح التعليل بالآخر.
ومثال "السبر والتقسيم" أن يقول المستدل في علة ربا الفضل مثلًا: هي إما الطعم، أو الأقتيات، أو التقدير بالكيل والوزن، ثم يستدل على إبطال اثنين، فيتعين كون الثالث علة.
واعلم أن مدار "السبر والتقسيم" على أمرين، وهما: الحصر والإبطال كما تقدم، فإذا كانا قطعيين كان قطعيًّا، وإذا كان ظنيين أو أحدهما ظنيًا فالسبر والتقسيم ظني.
واعلم أن العلماء مختلفون في الاحتجاج "بالسبر والتقسيم" الظني على مذاهب:
[ ١٧٣ ]
أحدها -وهو قول الأكثر، واختاره القاضي أبو بكر-: أنه حجة مطلقًا. قال الفهري: وهو الأظهر، لأنه يغلب على الظن بأن الحكم لا يخلو غالبًا عن علة، وأن علته لا تعدو أوصاف محله، وإذا ظهر بطلان ما سوى المستبقى غلب على الظن أنه العلة.
الثاني: أنه غير حجة؛ لاحتمال إبطال المستبقى بسبب احتمال عدم الحصر، أو عدم الإبطال.
الثالث -وبه قال إمام الحرمين-: أن شرط كونه حجة انعقاد الاجماع على تعليل الحكم في الأصل على الجملة، وإلا فلا؛ لاحتمال أن يكون تعبدًا.
قال الفهري: ما ذكره إمام الحرمين محتمل إلا أنه خلاف الأصل. يعني أن الأصل في الأحكام -أي الغالب فيها- المعقولية لا التعبد، فإلحاقه بالأغلب أولى من إلحاقه بالنادر.
الرابع: أنه حجة للناظر لنفسه دون المناظر غيره، لأن ظنه لا يكون حجة على خصمه.
وأجاب في "الآيات البينات" عن هذا: بأنه ليس من باب التقليد، بل من باب إقامة الدليل على الغير، وإن لم يفد إلا مجرد الظن؛ لوجوب العمل بالدليل الظني، ولا فرق في كون الظني حجة بين الناظر بنفسه والمناظر غيره.
وإلى هذه التحقيقات التي ذكرنا في مباحث "السبر والتقسيم" أشار في "مراقي السعود" بقوله:
[ ١٧٤ ]
والسبر والتقسيم قسم رابع أن يحصر الأوصاف فيه جامع
ويبطل الذي لها لا يصلح فما بقي تعيينه متضح
معترض الحصر في دفعه يرد بحثت ثم بعد بحثي لم أجد
أو انفقاد ما سواها الأصل وليس في الحصر لظن حظل
وهو قطعي إذا ما نميا للقطع والظن سواه وعيا
حجية الظنيِّ رأيُ الأكثر في حق ناظر وفي المناظر
إن يبد وصفًا زائدًا معترض وَفَى به دون البيان الغرض
وقطع ذي السبر إذًا منحتم والأمر في إبطاله منبهم
أبطل لما طردًا يرى ويبطل غير مناسب له المنخذل
كذاك بالإلغا وإن قد ناسبا وبتعدي وصفه الذي اجتبى
واعلم أن هذا الدليل المسمى عند الأصوليين بـ "السبر والتقسيم" من أحسن الأدلة الجدلية، وأنفعها في إفحام الخصوم، وهو الدليل الذي أفحم به الشيخ الذي جيء به مقيدًا من الشام ابن أبي داود بحضرة الواثق باللَّه العباسي، وذلك أن الشيخ الشامي قال لابن أبي داود: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها وهي القول بخلق القرآن لا تخلو بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين: إما أن يكون النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان عالمًا بمقالتك هذه التي تدعو الناس إليها، هو وخلفاؤه الراشدون، أو كانوا غير عالمين بها، ولا واسطة بين الأمرين، أي علمهم بها وعدمه، وفي كل واحد منهما فأنت على غير
[ ١٧٥ ]
حق يا ابن أبي داود؛ لأنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم إذا كان عالمًا بها وسكت عنها، ولم يدع لها أحدًا، وكذلك خلفاؤه الراشدون، فأنت يا ابن أبي داود يسعك ما وسع النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في أمته، ووسع خلفاءه الراشدين في رعاياهم، وإن كان النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وخلفاؤه الراشدون ﵃ غير عالمين بها فكيف يجهلونها وتعرفها أنت يابن أبي داود؟ ! فانقطع ابن أبي داود بهذا "السبر والتقسيم"، وفهم الواثق أنه لابد من أحد الأمرين، وذلك هو معنى "التقسيم"، وأن ابن أبي داود مخطئٌ على كل منهما، وذلك هو معنى "السبر".
ومثاله في القرآن العظيم: رد اللَّه تعالى تشريع عمرو بن لحي الذي كان عليه أشياعه من الكفار في زمن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم من تحريم البحائر والسوائب والحوامي ونحو ذلك، فإنهم كانوا يحرمون بعض الإناث دون بعض، كالبحيرة والسائبة والوصيلة دون غيرها مما هو حلال عندهم، ويحرمون بعض الذكور دون بعض كالحامي دون غيره، فأبطل اللَّه تحريمهم البعض دون البعض بدليل هو الذي يقال له في الاصطلاح "السبر والتقسيم".
وإيضاح ذلك أن حاصل ما رد عليهم به هو أن تحريم البعض دون البعض إما أن يكون معللًا، أو تعبدًا، ولا واسطة بينهما، وعلى كونه معللًا، فعلة التحريم إما أن تكون الذكورة في المحرم من الذكور، والأنوثة في المحرم من الإناث، وإما أن تكون التخلق في الرحم في الجميع، فلو كانت العلة المذكورة لحرم غير الحامي من الذكور؛
[ ١٧٦ ]
للاشتراك في العلة، ولو كانت العلة الأنوثة لحرم غير البحيرة والسائبة والوصيلة من الإناث؛ للاشتراك في العلة، ولو كانت علة التحريم التخلق في الرحم لحرم جميع الذكور والإناث؛ لتخلقه في الرحم، ولو كان التحريم تعبديًّا لكان اللَّه هو الذي أوصاهم باجتناب هذا دون هذا؛ وهو باطلٌ.
وهذا هو حاصل معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام/ ١٤٤]؛ فقوله: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ بين به أن الذكورة ليست علة التحريم، إذ لو كانت علته لحرم كل ذكر، وقوله: ﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يبين به أن الأنوثة ليست علة التحريم، إذ لو كانت علته لحرمت كل أنثى، وقوله: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يبين به أن علة التحريم ليست التخلق في الرحم، إذ لو كان العلة لحرم المجميع لتخلقه في الرحم، وقوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ بين به أن التحريم المذكور ليس تعبديًّا.
فظهر بهذا "السبر والتقسيم" أن تحريمهم بعض الإناث والذكور دون بعض باطل لا وجه له على جميع التقديرات، ولذا أتبعه جل وعلا بقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام/ ١٤٤ - ١٤٥] الآية.
ومثال "السبر والتقسيم" في الشعر قول عبد اللَّه بن همام السلولي من شعراء الحماسة لما وشي به واثن إلى زياد بن أبي سفيان فقال له:
[ ١٧٧ ]
إنه هجاك، فقال زياد للرجل الواشي: أفأجمع بينكما؟ قال: نعم، فبعث زياد إلى ابن همام فجاء، ودخل الرجل بيتًا، فقال زياد لابن همام: بلغني أنك هجوتني، فقال: كلا أصلح اللَّه الأمير ما فعلت، وما أنت لذلك أهل. قال: فإن هذا أخبرني وأخرج الرجل. فأطرق ابن همام هنيهة، ثم أقبل على الرجل فقال له هذين البيتين:
وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليًا فخنت وإما قلت قولًا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننا بمنزلة بين الخيانة والإثم
فخجل الرجل وأقصاه زياد.
والبيتان المذكوران فيهما "السبر والتقسيم"؛ لأنه حصر الأوصاف بالتقسيم الصحيح في أمرين، وهما: أنه إما أن يكون حدثه بأنه هجا زيادًا، وإما أن يكون كذب عليه في ذلك، ثم بين بالسبر أنه مذمومٌ على كل من الأمرين، لأنه إن كان أخبره بأنه هجا زيادًا وائتمنه على هذا السر، فأفشاه إلى زياد، فهو خائن والخائن مذموم، وإن كان بَهَتَه وكذب عليه بأن قال عنه: إنه هجا زيادًا بالكذب فهو كذاب ذو بهتان وهو مذموم، فَبَيَّنَ بهذا الدليل أنه مذمومٌ على كل حال، فانقطع ولم يُحِرْ جوابًا بالظهور والإفحام بالسبر والتقسيم، إذ كان الحصر والإبطال صحيحين.
واعلم أن "السبر والتقسيم" من حيث هو أعم من "السبر والتقسيم" الذي هو الرابع من مسالك العلة، لأن "السبر" الذي هو المسلك لابد فيه من بقاء وصف صالح للتعليل مع إبطال غيره من الأوصاف التي
[ ١٧٨ ]
تصلح للعلة، و"السبر" من حيث هو يصدق بهذه الصورة التي هي المسلك وبغيرها، كإبطال جميع الأوصاف إذا كان مذهب الخصم لا يبطل إلا بإبطال جميعها، ومثاله: ما ذكرنا من قصة الشيخ الشامي مع ابن أبي داود، وآية: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ وبيتي السلولي.
و"السبر والتقسيم" عند المناطقة هو "الشرطي المنفصل"، وهو ثلاثة أقسام، لأن الشرطية المنفصلة التي يتركب منها الشرطي المنفصل ثلاثة أقسام، لأنها إما أن تكون مانعة جمع وخلو معًا، وهي المعروفة عندهم بالحقيقة، ولا تتركب إلا من النقيضين أو ما يساويهما، كقولك: العدد إما زوج وإما فرد، والشيء إما قديم وإما حادث، وإما أن تكون مانعة جمع فقط مجوزة للخلو، ولا تتركب إلا من قضية ومن أخص من نقيضها، كقولك: الجسم إما أبيض وإما أسود، وإما أن تكون مانعة خلو فقط مجوزة للجمع، ولا تتركب إلا من قضية ومن أعم من نقيضها، كقولك: زيد إما في البحر وإما أن لا يغرق، وكقولك: إما أن يكون الجسم غير أبيض وإما أن يكون غير أسود.
وبرهان الحصر في هذه الأقسام الثلاثة: أن الشرطية المنفصلة لابد فيها من تنافر بين الطرفين، وبذلك التنافر سميت منفصلة، وذلك التنافر إما أن يكون في الوجود والعدم معًا، أو في الوجود وحده، أو العدم وحده، ولا رابع البتة. فإن كان فيهما فهي مانعة الجمع والخلو الحقيقية، وإن كان في الوجود فقط فهي مانعة الجمع المجوزة للخلو، وإن كان في العدم فقط فهي مانعة الخلو المجوزة للجمع.
ومعلوم عندهم أن القياس المركب من مانعة الجمع والخلو معًا
[ ١٧٩ ]
ضروبه الأربعة منتجة، فاستثناء عين كل من الطرفين ينتج نقيض الآخر لأنها مانعة جمع، واستثناء نقيض كل منهما ينتج عين الآخر لأنها مانعة خلو أيضًا، فلو قلت: العدد إما زوج وإما فرد، لكنه زوج، أنتج نقيض فرد، ولو قلت: لكنه فرد، أنتج نقيض زوج، ولو قلت: لكنه غير زوج، أنتج عين فرد، ولو قلت: لكنه غير درد، أنتج عين زوج.
وأما القياس المركب من مانعة الجمع المجوزة للخلو فاثنان من ضروبه الأربعة منتجان، واثنان عقيمان.
أما الضربان المنتجان فهما: استثناء عين المقدم، واستثناء عين التالي، إذ استثناء عين كل منهما ينتج نقيض الآخر؛ لأنها مانعة جمع، فلو قلت: الجسم إما أبيض وإما أسود، ولكنه أبيض، أنتج نقيض أسود، ولو قلت: لكنه أسود، أنتج نقيض أبيض؛ لاستحالة اجتماع طرفيها؛ لأنها مانعة جمع.
وأما الضربان العقيمان: فهما استثناء نقيض المقدم، واستثناء نقيض التالي. فلو قلت: الجسم إما أبيض وإما أسود، لكنه غير أبيض، لا ينتج ذلك شيئًا؛ لجواز أن يكون غير أبيض وغير أسود، لكونه أحمر أو أصفر مثلًا؛ لأنها مجوزة خلو، أي يجوز خلو المقام فيها عن الطرفين لوجود واسطة غيرهما، فالسواد والبياض في المثال المذكور يجوز خلو الجسم عنهما بأن يكون أحمر أو أصفر مثلًا.
وكذا لو قلت: الجسم إما أبيض وإما أسود، واستثنيت نقيض التالي لأن قلت: لكنه غير أسود، لم ينتج شيئًا؛ لجواز أن يكون غير أسود وغير أبيض؛ لأنها مجوزة خلوٍّ، أي يجوز انتفاء كل من مقدمها
[ ١٨٠ ]
وتاليها، فلو قلت: الجسم إما أبيض وإما أسود، فالطرفان يستحيل اجتماعهما بأن تكون النقطة الواحدة من الجسم سوداء بيضاء؛ لاستحالة اجتماع الضدين، ويجوز انتفاء الطرفين بأن تكون النقطة الواحدة من الجسم لا بيضاء ولا سوداء بل حمراء، فاستحالة اجتماع الطرفين هي معنى كونها مانعة جمع، وجواز انتفائهما وخلو المقام عنهما هو معنى كونها مجوزة خلو.
ومانعة الخلو المجوزة لجمع هي عكس هذه، فالقياس المركب منها ينتج منه الضربان العقيمان في قياس مانعة الجمع، وهما استثناء نقيض المقدم ونقيض التالي، ويعقم منه الضربان المنتجان من مانعة الجمع لظهور التعاكس بينهما.
فلو قلت: زيد إما في البحر وإما أن لا يغرق، واستثينت نقيض المقدم بأن قلت: لكنه ليس في البحر، أنتج عين لا يغرق، ولو استثنيت نقيض التالي بأن قلت: لكنه يغرق، أنتج عين المقدم، وهو كونه في البحر، بخلاف ما لو استثنيت عين المقدم أو عين التالي فلا ينتجان شيئًا؛ لأنها مجوزة جمع، فلو قلت: زيد إما في البحر وإما أن لا يغرق، واستثنيت عين المقدم بأن قلت: لكنه في البحر، لا ينتج شيئًا؛ لجواز أن يكون في البحر ويغرق، وأن يكون في البحر ولا يغرق؛ لكونه في مركب أو يحسن العوم، وكذا لو استثنيت عين التالي في هذا المثال بأن قلت: زيد إما في البحر وإما أن لا يغرق، لكنه لا يغرق؛ فلا ينتج شيئًا؛ لأن عدم الغرق الذي هو معنى "لا يغرق" يصح مع كونه في البحر في مركب مثلًا، ومع كونه غير البحر بأن يكون في
[ ١٨١ ]