وأما الإرادة الشرعية فهي ملازمة للرضى، فكل ما أراده اللَّه شرعًا فهو مرضيٌّ عنده، وكل ما هو مرضيٌّ عنده فهو مراد له شرعًا.
وهذا التحقيق تدل عليه آيات القرآن، لأن قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ نصٌّ في أن شركهم إنما وقع بمشيئة اللَّه وهي إرادته الكونية، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْ﴾ [الزمر/ ٧] دليل على أن الكفر ليس بمرضيٍّ عنده، وأنه غير مراد له شرعًا.
الوجه الثالث: أن معنى ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أكثرنا عددهم ففسقوا فيها، والعرب تقول: مره أمرًا بمعنى كثَّره.
واستدل قائل هذا القول بما أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة عن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "خير مال امرئ مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة"، والمراد بالمأمورة: كثيرة النسل، وهو محل الشاهد، وبالسكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: التي علق عليها طلع الذكر لئلا يسقط ثمرها.
ثم سألنا بعض أذكياء الطلبة بمحضر طائفة من العلماء في "أم درمان" المذكورة عن قصة الغرانيق في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج/ ٥٢]، وطلبوا منا أن نتكلم على هذه الآية الكريمة.
فأجبناهم بأن كثيرًا من المفسرين ذكروا أن سبب نزولها أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم قرأ سورة النجم بمكة، فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ
[ ١٢٠ ]
اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم/ ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى"، فلما بلغ آخر السورة سجد وسجد معه المشركون والمسلمون، وقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم. وشاع في الناس أن أهل مكة أسلموا بسبب سجودهم مع النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم حتى رجع المهاجرون من الحبشة ظنًّا منهم أن قومهم أسلموا، فوجدوهم على كفرهم ولم يدخل أحد منهم مكة إلا مستخفيًا، أو بجوار من يحميه من المشركين.
والغرانيق: الذكور من طير الماء، واحدها غُرْنُوق كعصفور، أو غِرْنَوْق كفردوس، أو غِرْنَيْق كِمعْلَيق (^١)، أو غِرْنِيق كمسكين، وهي طيور بيض طويلة الأعناق والقوائم، وقيل: الغرنوق هو الكُركي.
ومعنى قول الشيطان: "تلك الغرانيق العلى" أن الأصنام في علو منزلتها ورفعة شأنها كالغرانيق المرتفعة نحو السماء في طيرانها.
وسنتكلم أولًا على معنى الآية، ثم على قصة الغرانيق.
اعلم أولًا أن التمني في هذه الآية، فيه للعلماء وجهان:
أحدهما: أنه هو التمني المعروف الذي أداته "ليت".
والثاني: أن معناه التلاوة، والعرب تقول: "تمنى" إذا تلا، وتمنى القراءة أمنية، ومنه قول الشاعر في عثمان بن عفان ﵁:
_________________
(١) كذا في الأصل المطبوع.
[ ١٢١ ]
تمنى كتاب اللَّه أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر
وقول الآخر:
تمنى كتاب اللَّه في الليل خاليًا تمني داود الزبورَ على رِسْلِ
فمعنى "تمنى" في البيتين: تلا وقرأ.
وعلى هذا أكثر المفسرين.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إذا حدَّث ألقى الشيطان في حديثه.
وعلى هذا فمعنى الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلا وحاله أنه إذا قرأ شيئا من الآيات ألقى الشيطان في أمنيته -أي قراءته- الشبه والوساوس والتخيلات؛ ليصد الناس عنها، أو ألقى الشيطان في القراءة ما ليس منها مما يرضى به الكفار، ثم يبطل اللَّه إلقاء الشيطان، ويتبت آياته، محكمات بينات.
وعلى القول بأن "تمنى" معناه أراد وأحب، فالمعنى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلا أنه إذا أحب شيئًا واشتهاه، وحدث به نفسه مما لم يؤمر به ألقى الشيطان في أمنيته، أي مراده ومشتهاه، وما من نبي إلا تمنى أن يؤمن قومه، ولا تمنى نبي ذلك إلا ألقى الشيطان في أمنيته.
والمراد بالنسخ في قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ النسخ اللغوي الذي هو الإزالة والإبطال، لا النسخ الشرعي الذي هو رفع
[ ١٢٢ ]
حكم شرعي بخطاب جديد، أو بيان انقضاء زمن العمل به؛ لأن ما ألقاه الشيطان ليس بحكم حتى يكون رفعه نسخًا شرعيًّا، بل هو باطل أبطله اللَّه وأزاله.
والعلماء مختلفون في أصل قصة الغرانيق هل هي باطلة أو ثابتة.
فعلى القول ببطلانها فالأمر واضحٌ، وعلى القول بثبوتها فمعنى إلقاء الشيطان على لسان النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان يقرأ القرآن يرتله ترتيلًا تتخلله سكتات، فراقب الشيطان بعض سكتات النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، ثم حاكى قراءته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بقوله -عليه لعنة اللَّه-: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفعاتهن لترتجى" فظن المشركون صوت الشيطان صوت النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
وهذا الجواب عن قصة الغرانيق على القول بثبوتها هو أحسن الأجوبة عنها، وارتضاه جمعٌ من المحققين من أجوبةٍ كثيرةٍ.
وحجة القائل بأن قصة الغرانيق باطلةٌ اضطراب رواتها، وانقطاع سندها، واختلاف ألفاظها، بعضهم يقول: إن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان في الصلاة. وبعضهم يقول: قرأها وهو في نادي قومه. وآخر يقول: قرأها وقد أصابته سِنَةٌ. وآخر يقول: بل حدث نفسه فجرى ذلك على لسانه. وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسان النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وأن النبي لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك. . . إلى غير ذلك من اختلاف ألفاظها.
[ ١٢٣ ]
والذي جاء في الصحيح من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁: "أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم قرأ: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فسجد فيها، وسجد من كان معه غير أن شيخًا من قريش أخذ كفًا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته فسجد عليه. قال عبد اللَّه: فلقد رأيته بَعْدُ قُتِلَ كافرًا" أخرجه الشيخان في صحيحيهما.
وصح من حديث ابن عباس ﵄: "أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس" رواه البخاري ﵀.
فهذا الذي جاء في الصحيح لم يذكر فيه أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم ذكر الغرانيق ولا شفاعتها، ولا شيئًا من تلك القصة، والذي ذكره المفسرون عن ابن عباس في هذه القصة، إنما هو من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵁، والكلبي ضعيف جدًّا، بل متروك، ولذا قال ابن العربي المالكي: إن قصة الغرانيق باطلة لا أصل لها.
وقال القاضي عياض: إن قصة الغرانيق لم يخرجها أحدٌ من أهل الصحة، ولا رواها ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلتها واضطراب رواياتها وانقطاع إسنادها، وذكر أن من حملت عنه من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية.
قال: وقد بَيَّنَ البزار أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير ﵁، مع الشك الذي وقع في
[ ١٢٤ ]
وصله.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: وقد اعترف الحافط بن حجر العسقلاني ﵀ مع انتصاره لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلها إما منقطعة أو ضعيفه إلا طريق سعيد بن جبير، وإذا علمت أن طرقها كلها لا يعول عليها إلا طريق سعيد بن جبير، فاعلم أن طريق سعيد بن جبير لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد، وهو وإن كان ثقة فقد شك في وصلها، فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، فقال أمية بن خالد في إسناده هذا: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب. . . ثم ساق حديث القصة المذكورة.
وقال البزار: لا يروى متصلًا إلا بهذا الإسناد، تفرَّد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور.
وقال -أعني البزار-: وإنما يروى من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي متروك.
فتحصل مما ذكرنا أن قصة الغرانيق لم تثبت من طريقٍ متصلةٍ يجوز ذكرها إلا هذا الطريق الذي شك راويه -وهو أمية بن خالد- في الوصل، وما لم يثبت إلا من طريق شك صاحبه في الوصل فضعفه ظاهر، ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره في قصة الغرانيق: إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح، واللَّه تعالى أعلم.
وقال البيهقي فيها: إنها غير ثابتة من جهة النقل. وذكر الرازي في
[ ١٢٥ ]
تفسيره أنها باطلة.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: إن القول بعدم صحتها له شاهد من القرآن العظيم في سورة النجم نفسها، وشهادته لعدم صحتها واضحة، وهو أن قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، الذي يقول القائل لصحة القصة: إن الشيطان ألقى لعده ما ألقى، قرأ النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بعد في تلك اللحظة في الكلمات التي تليه من سورة النجم قوله تعالى: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم/ ٢٣] فهذا يتضمن منتهى ذم الغرانيق التي هي كناية عن الأصنام، إذ لا ذمَّ أعظم من جعلها أسماء بلا مسميات، وجعلها باطلًا ما أنزل اللَّه به من سلطان.
فلو فرضنا أن الشيطان ألقى على لسانه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم تلك الغرانيق العلى بعد قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾، وفرح المشركون بأنه ذكر آلهتهم بخير، ثم قال النبي في تلك اللحظة: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، وذم الأصنام بذلك غاية الذم، وأبطل شفاعتها غاية الإبطال، فكيف يعقل بعد هذا سجود المشركين وسبُّ أصنامهم هو الأخير، والعبرة بالأخير.
ويستأنس بقوله أيضا بعد ذلك بقليلٍ في الملائكة: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم/ ٢٦]؛ لأن إبطال شفاعة الملائكة إلا بإذن اللَّه معلومٌ منه عند الكفار بالأحروية إبطال شفاعة الأصنام المزعومة.
[ ١٢٦ ]
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في تفسير سورة الحج ما يفيد ثبوت قصة الغرانيق، وذكر أنها ثبتت بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذلك من لا يحتج به لاعتضاد لعضها ببعض، واحتج أيضًا لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلًا، ثم قال: وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع في القصة مما يستنكر وهو قوله: "ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى"، فإن ذلك لا يجوز حملة على ظاهره، لأنه يستحيل عليه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أن يزيد في القرآن ما ليس منه عمدًا، وكذا سهوًا إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد؛ لمكان عصمته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
ثم أخذ -أعني الحافظ ابن حجر- في أجوبة العلماء عن القصة المذكورة على تقدير ثبوتها، وذكر أجوبة كثيرة، وقد قدمت أن أحسنها ما استحسنه كثير من المحققين من أن الشيطان هو الذي قال: "تلك الغرانيق العلى" فظن المشركون أنها من كلام نبينا صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وحاشاه من ذلك، ولذا اقتصرت على هذا الجواب، ولم أذكر غيره، واللَّه تعالى في كتابه العزيز أسند هذا الإلقاء للشيطان حيث قال: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، ونسبته إياه للشيطان تدل على براءة جناب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم منه.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: اعلم أن براءة ساحة خاتم الرسل وأشرفهم وسيد ولد آدم بالإطلاق عليه صلوات اللَّه وسلامه مما جاء في ظاهر هذه القصة تدل عليها البراهين القاطعة، والأدلة الساطعة
[ ١٢٧ ]
كما ستراه.
وقول الشيطان: "تلك الغرانيق العلى" شركٌ أكبر صُراح، وكفرٌ بواح، وهو صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم مبعوثٌ لإخلاص العبادة للَّه وحده مما تضمنته كلمة لا إله إلا اللَّه، كجميع إخوانه من المرسلين؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/ ٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء/ ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف/ ٤٥].
فإخلاص العبادة للَّه وحده هو دعوة عامة الرسل، وأشدهم فيه احتياطًا خاتمهم صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، ولذا منع بعض الأمور التي كانت مباحة عندهم احتياطًا في توحيد اللَّه في عبادته جل وعلا، فالسجود لمخلوق في شريعته السمحة كفرٌ باللَّه تعالى، مع أنه كان جائزًا في شرع غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى عن يعقوب وأولاده في سجودهم ليوسف: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف/ ١٠٠].
ولذلك أمر نبينا صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أن يقول للناس: إنه ما أوحي إليه إلا توحيد اللَّه تعالى في عبادته في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ [الأنبياء/ ١٠٨]، وقد تقرر عند الأصوليين والبيانيين أن لفظ "إنما" من أدوات الحصر، فدلت الآية على حصر الموحى إليه صلى اللَّه عليه
[ ١٢٨ ]
وعلى آله وسلم في أصله الأعظم الذي هو "لا إله إلا اللَّه"؛ لأنها دعوة جميع الرسل، وغيرها من شرائع الإسلام وفروعها تابعة لها.
ولهذا صار مكذب رسول واحدٍ مكذِّبًا لجميع الرسل؛ لأن دعوتهم واحدةً، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء/ ١٠٥] أي بتكذيبهم نوحًا. ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء/ ١٢٣] أي بتكذيبهم هودًا. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾ [الشعراء/ ١٤١] أي بتكذيبهم صالحًا. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠)﴾ [الشعراء/ ١٦٠]، أي بتكذيبهم لوطًا. ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾ [الشعراء/ ١٧٦]، أي بتكذيبهم شعيبًا.
فهذه الآيات تدل على أن مكذب رسولٍ واحد مكذبٌ لجميع الرسل، وذلك لاتحاد دعوتهم، وهي مضمون "لا إله إلا اللَّه"، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء/ ١٥٠ - ١٥١].
فإذا حققت هذا علمت أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لا يقول: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى"؛ لما في هذا الكلام من الشرك الصراح، والكفر البواح، المضاد لما جاء به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ولا يَقْدِرُ الشيطان أن يجري ذلك على لسانه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، لأنه ليس له عليه من سلطان، بشهادة القرآن وبإقرار الشيطان، قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)
[ ١٢٩ ]
إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل/ ٩٨ - ١٠٠] ومعلوم أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم من الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، وأنه ليس من الذين يتولونه والذين هم به مشركون.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر/ ٤٢] ومعلوم أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، وأنه ليس من الغاوين الذين اتبعوه.
وأقر الشيطان بأنه لا سبيل له على من هو دونه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وأحرى هو صلوات اللَّه عليه وسلامه، قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص/ ٨٢ - ٨٣]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم/ ٢٢].
وقال تعالى في نبينا صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى/ ٦]، وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم/ ٣ - ٤].
وصرح جل وعلا بحفظ القرآن من دسائس الشيطان، قال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت/ ٤١ - ٤٢]، فقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ فعل في سياق النفي، والفعل في سياق النفي من صيغ العموم، كالنكرة في سياق النفي عند المحققين من علماء الأصول، ووجهه ظاهر؛ لأنك إذا حللت الفعل انحل إلى مصدر وزمن، فهو يدل على نكرةٍ واقعةٍ في
[ ١٣٠ ]
سياق النفي؛ لأن نفي الفعل نفي للمصدر الذي هو جز من مدلوله، فإذا قلنا: "لا يقوم زيد" عمَّ النفي أفراد المصدر، فكأنما قلنا: لا قيام لزيد.
وقال أبو حنيفة: لا تعميم في الفعل بعد النفي وضعًا، بل فيه تعميم عقلي بدلالة الالتزام. وما نصر به الرازي في "محصوله" مذهب أبي حنيفة في عدم عموم الفعل في سياق النفي لا يصح التمسك به، فانظر تحقيقه في "حاشية العبادي على شرح المحلي لجمع الجوامع" يظهر لك ما ذكرنا.
فبهذا تعلم أن قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ يعم نفي كل باطل يأتي القرآن، وقد أكد هذا العموم بقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾، فلو قدرنا أن الشيطان أدخل في القرآن على لسان النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "تلك الغرانيق العلى" -وحاشاه من ذلك- لكان قد أتى القرآن أعظم باطل من بين يديه ومن خلفه، فيكون تصريحًا بتكذيب اللَّه جل وعلا في قوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾، وكل خبر ناقض القرآن العظيم فهو الكاذب؛ للقطع بصدق القرآن العظيم، ونقيض الصادق كاذب ضرورة.
ولا حجة في أن اللَّه جل وعلا نسخ ما ألقاه الشيطان في القرآن على لسان النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كما قال: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج/ ٥٢]؛ لأن الباطل إن أتى القرآن أولا ثم نُسِخَ فنَسْخُه بعد إتيانه لا يرفع اسم الإتيان أولًا، وقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ نص صريح في نفي أصل إتيان الباطل كما قدمنا.
[ ١٣١ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر/ ٩].
فهذه نصوص قراَنية قاطعة تدل على أن الشيطان لا سبيل له إلى أن يحمل النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم على أن يدخل في القرآن العظيم ما ليس منه من الكفر الصراح والشرك الأكبر.
ولم يبق في الآية الكريمة المسئول عنها إشكال إلا ما يقتضيه ظاهرها من رسالة الرسول ورسالة النبي المغاير للرسول، إذ معنى الكلام: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا أرسلنا من قبلك من نبي"؛ فما عليه أكثر العلماء من أن النبي أعم من الرسول مطلقًا، وأن الرسول أخص من النبي مطلقًا، وأن النبي هو من أوحى إليه وحي أمر بتبليغه أم لا، والرسول من أوحى إليه وأمر بالتبليغ خاصة = لا تساعده هذه الآية الكريمة؛ لأنها تقتضي رسالة الرسول، ورسالة النبي المغاير للرسول.
وللعلماء عن هذا الإشكال أجوبة يتعين حمل المعنى على بعضها.
منها: أن الرسول هو الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانًا، والنبي هو الذي تكون نبوته إلهامًا أو منامًا.
ومنها: أن الرسول من بعث بشرع جديد، والنبي من بعث لتقرير شرع من قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يوحى إليهم أن يعملوا بما أنزل قبلهم في التوراة.
ومنها: أن الرسول من بعث بكتاب، والنبي من بعث بغير كتاب.
[ ١٣٢ ]