والبواقي بسائط، وهي اثنتا عشرة، أربع منها من الموجهات بالضرورة، وهي: الضرورية المطلقة، والمشروطة العامة، والوقتية المطلقة، والمنتشرة المطلقة. واثنتان من الموجهات بالدوام، وهما: الدائمة المطلقة، والعرفية العامة. وأربع من الموجهات بالإمكان، وهي: الممكنة العامة، والممكنة الوقتية، والممكنة الدائمة، والحينية الممكنة. واثنتان من الموجهات بالإطلاق، وهما: المطلقة العامة، والحينية المطلقة.
فهذا إتمام عدها بعد حدها، أعني البسائط المركبات من الموجهات، وتحقيقها يحتاج إليه في التناقض إذا كان باعتبار الجهة.
ثم من الغد دعانا علماء المعهد الديني في "أم درمان"، فوجدناه حافلًا بالعلماء والطلبة الأذكياء، تدرس فيه فنون كثيرة، منها: الأصول، والبلاغة، والكلام، والمنطق، وغير ذلك، وحضرنا في ذلك المعهد الديني أيامًا، وأكثر الطلبة وبعض العلماء سألونا عن مسائل من فنونٍ شتى.
فأول ما سألونا عنه في يوم قدومنا عليهم أول مرة أن قال لنا بعض الأساتذة المدرسين أن نتكلم لهم على قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد/ ٣١].
فكان جوابنا أنَّ هذه الآية الكريمة نزلت في نفر من مشركي مكة، منهم عبد اللَّه بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي ﵁ أخو أم سلمة ﵂؛ لأنه كان قبل إسلامه من أشد المشركين عنادًا
[ ١١٤ ]
وكفرًا، وهو القائل قبل إسلامه: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء/ ٩٣]، قال هو وابن عمه أبو جهل بن هشام في نفر من المشركين للنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "إن سرك أن نتبعك فسيِّرْ عنا جبال مكة بالقرآن وأَذْهِبْها؛ لتتسع أرض مكة لمزارعنا، فإنها أرض ضيقة، واجعل لنا فيها عيونًا وأنهارًا؛ لنغرس فيها الأشجار، ونزرع ونتخذ البساتين، فلست في زعمك بأهون على اللَّه تعالى من داود ﵇ حيث سخر اللَّه له الجبال تسبح معه، وسَخِّرْ لنا الريح لنركبها إلى الشام لحوائجنا وميرتنا، ونرجع في يومنا، فلست أهون على ربك من سليمان، أو أَحْيِ لنا جدَّك قصيًّا أو من شئت من آبائنا وموتانا لنسأله عن أمرك، فإن عيسى ﵇ كان يحيي الموتى، ولست بأهون على اللَّه منه"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية.
وفي معنى هذه الآية وجهان لعلماء التفسير:
فمعناها عند قتادة: لو أن تسيير الجبال عن أماكنها وإذهابها، وتقطيع الأرض -أي شقها- أنهارًا وعيونًا، وإحياء الموتى وتكليمهم، فُعِلَ بقرآنٍ أنزل على نبيٍّ قبل قرآنكم لَفُعِلَ بقرآنكم، لأنه أفضل كتاب أنزله اللَّه.
ونظير هذا المعنى في كلام العرب قول ابن أبي سلمى الضبي يصف فرسًا:
فلو طار ذو حافر قبلها لطارت ولكنه لم يطر
[ ١١٥ ]
وعلى هذا التفسير فجواب "لو" محذوف، وتقديره: لو أن قرآنا سيرت به الجبال لكان هذا القرآن العظيم. وحذف جواب "لو" إذا دل المقام عليه جائزٌ اكتفاء بمعرفة السامعين، كقول الشاعر:
فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعًا
والتقدير: لو شيء أتانا سوى رسولك لرددناه.
والوجه الثاني: أن معنى الآية: لو أجبناكم فيما اقترحتم فسيَّرنا عنكم جبال مكة بهذا القرآن، وشققنا لكم به الأرض أنهارًا وعيونًا، وأحيينا لكم به الموتى حتى كلموكم، لتماديتم على كفركم بالرحمن.
ويدل لهذا التفسير الأخير أمور:
أحدها: أن جواب "لو" المحذوف تقدم ما يدل عليه في هذا التفسير، وهو قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد/ ٣٠]، وقد قال بعده: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾. فيكون المعنى: ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال لكفروا بالرحمن. أي: لو فعلنا لهم ما طلبوا لما آمنوا.
بل قيل: إن ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ﴾ جواب "لو" مقدمٌ عليها بناءً على القول بجواز ذلك.
والأمر الثاني: إتيانه تعالى بعده بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ومعنى قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ أفلم يعلم الذين آمنوا أن اللَّه لو شاء هدايتهم لهداهم، وحيث لم يشأ هداهم فلا ينفع فيهم تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى.
[ ١١٦ ]
فقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ فيه دلالة ظاهرة على أن المراد: لو سيرنا لهم الجبال لما آمنوا، إذ لا إيمان إلا بمشيئتنا.
وكون "أفلم ييأس" بمعنى "أفلم يعلم" أمر معروف عند العرب، ومنه قول الشاعر:
ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا
وقول الآخر.
فقلت لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم
الأمر الثالث: أنه -أي التفسير الأخير- تشهد لمعناه الآيات القرآنية بكثرة، لأنها ناطقة بأن الكفار لو فعل اللَّه لهم ما اقترحوا من الآيات لما آمنوا، ولتمادوا على كفرهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام/ ١١١]، وكقوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر/ ١٤ - ١٥]، وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام/ ٧]، وكقوله ﷿: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام/ ١٠٩]، وكقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس/ ١٠١]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا
[ ١١٧ ]