فقلت له: لا، لجواز نسخ الأخف بالأثقل. قال في "مراقي السعود":
* ويُنْسَخُ الخِفُّ بما له ثِقَل *
ومنه نسخ التخيير بين الصوم والإطعام المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة/ ١٨٤] بإيجاب الصوم المدلول عليه بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة/ ١٨٥]، والتخيير بين الصوم والإطعام أخف من إيجاب الصوم.
وقيل في آية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أنها محكمة، وتقدَّر: "لا
[ ٢٩ ]
يطيقونه" (^١) فيكون المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه كالهَرِم والزَّمِن فدية طعام مسكين.
والجمهور على القول بأنها منسوخة، والناسخ فيها أثقل من المنسوخ.
ومن نسخ الأخف بالأثقل نسخ حبس الزواني في البيوت المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء/ ١٥] بالجلد والرجم المدلول على الأول منهما بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور/ ٢]، وعلى الثاني بآية الرجم التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها وهي: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم). والناسخ الذي هو الجلد والرجم أثقل من المنسوخ الذي هو الحبس في البيوت.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: كون حبس الزواني في البيوت منسوخًا بالجلد والرجم ذهب إليه كثيرٌ من أجلاء العلماء، والذي يظهر أن تسمية ذلك نسخًا فيه نظر، بل هو خطأٌ؛ لأن الحبس في البيوت كان مغيًّا بغاية هي جعل اللَّه لهن سبيلًا، كما يدل عليه قوله -ﷺ-: "خذوا عني قد جعل اللَّه لهن سبيلًا" الحديث، وكما هو صريح الآية الكريمة؛ لأن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ﴾ غاية لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾، فالإمساك في البيوت نص جل وعلا على أن له غاية ينتهي إليها، وهي
_________________
(١) في الأصل المطبوع: لا تقبل يطيقونه.
[ ٣٠ ]
أحد أمرين: الموت أو جعل اللَّه لهن سبيلًا. وقد وجد أحد الأمرين وهو جعل اللَّه لهن السبيل، وقد تقرر عند الأصوليين أن الغاية من المخصصات المتصلة، فالكف عن الصيام عند مجيء الليل مثلًا المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة/ ١٨٧] ليس ناسخًا لصوم النهار، بل الصوم مغيًّا بغاية هي النهار ينتهى بانتهائها.
وإذ بان لك مما ذى نا أولًا أن الأخف ينسخ بما هو أثقل منه كما عليه جمهور العلماء، ظهر أن حكمة النسخ ليست هي التخفيف.
وقد أورد بعض العلماء على ما ذكرنا من جواز نسخ الأخف بالأثقل إشكالًا قويًّا، وهو أن اللَّه جل وعلا يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦].
قال: فإن كان الأثقل خيرًا لكثرة الأجر فيه امتنع نسخ الأثقل بالأخف؛ لأنه ليس خيرًا منه ولا مثله، مع أنه جائز وواقع، كنسخ قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران/ ١٠٢] بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦]، ونسخ قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة/ ٢٨٤] بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦]، وكنسخ الاعتداد بحول بأربعة أشهر وعشرًا. والناسخ في الجميع أخف من المنسوخ.
وإن كان الأخف خيرًا لسهولته، امتنع نسخه بالأثقل؛ لأنه ليس خيرًا منه ولا مثله، مع أنه جائز واقع كما قدمنا.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: لم نر من العلماء من شفى
[ ٣١ ]
الغليل في رفع هذا الإشكال، والذي يظهر لنا أن الخيرية تارةً تكون بالتخفيف، وتارةً تكون بالتثقيل، فاللَّه جل وعلا ينسخ الأخف بالأثقل لكثرة الأجر، وينسخ الأثقل بالأخف إذا عسر امتثال الأثقل رحمةً وتخفيفًا، كما في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء/ ٢٨]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥].
وإيضاحه بمثاله: أن قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة/ ٢٨٤] لو لم ينسخه اللَّه تعالى بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦] لما نجا من ذلك الحساب أحدٌ؛ لأن ما يخطر في القلوب يعسر التحرز منه جدًّا، فلو استمر تكليفنا بما يخطر في قلوبنا لعسر علينا جدًّا تجنبه ووقعنا في المعصية لا محالة؛ لعسر اجتناب هذا المنهي، وكذلك اتقاؤه ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ لو لم ينسخ بقوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦] لما قدرنا على الامتثال. فالتخفيف عنَّا به خير لنا، إذ لولاه لوقعنا في المعصية لعسر الاجتناب.
وأما نسخ التخيير بالصوم مثلًا، فلكثرة أجر الصوم، فهو خيرٌ لكثرة أجره، وعامة الناس يقدرون على القيام به من غير تعسر مفرط يكون سببًا لانتهاك الحرمة، وإذا وجد سبب التعسر كالسفر والمرض رفع ذلك التعسر برخصة الإفطار.
والتحقيق في حكمة النسخ أن اللَّه جل وعلا ينيط الحكم والمصالح بالتكليف، فإذا انتهت الحكمة والمصلحة من الخطاب الأول وصارت في غيره، أمر جل وعلا بترك الأول الذي زالت
[ ٣٢ ]
حكمته، والأخذ بالخطاب الجديد المشتمل على الحكمة الآن، فالمنسوخ وقت العمل به كانت فيه الحكمة والمصلحة، والناسخ هو المشتمل على الحكمة والمصلحة وقت النسخ، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل/ ١٠١]، وكما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦].
فإن قيل: يزول بهذا التحقيق الإشكال في قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ لكن يبقى الإشكال في قوله ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦]. ووجهه أن الأمر الجديد الذي هو الناسخ إذا كان مماثلًا للأول الذي هو المنسوخ، فأيُّ حكمة في نسخ المثل ليبدل منه مثله.
فالجواب: أن الناسخ -وإن كان مثل المنسوخ في حدّ ذاته- لابد أن يكون مستلزمًا لحكمةٍ خارجة عن ذاته، فيكون باعتبار ذاته مماثلًا للمنسوخ، وباعتبار الحكمة اللازمة لذاته الخارجة عنها فيه فائدة ليست في المنسوخ، فيكون مماثلًا للمنسوخ من جهة؛ وخيرًا منه من جهةٍ أخرى.
وإيضاحه بمثاله: أنهم مثلوا لقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ بنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت اللَّه الحرام، وهما جهتان كلتاهما تماثل الأخرى، ولا فرق بينهما في حد ذاتيهما، إلا أن الناسخ الذي هو استقبال بيت اللَّه الحرام يستلزم حكمة بالغة، وهي دفع حجة اليهود وحجة المشركين على النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
فاليهود يحتجون عليه بقولهم: "تعيب ديننا وتصلي لقبلتنا"، ويحتجون أيضًا بأن عندهم في كتابهم أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم
[ ٣٣ ]
يؤمر باستقبال بيت المقدس، ثم يحول إلى بيت اللَّه الحرام. فلو لم يحول إليه لقالوا: لست النبي الموعود، لأنه يحول إلى بيت اللَّه الحرام وأنت لم تحول إليه.
والمشركون يقولون: تدَّعي أنك على ملة إبراهيم وتصلي لغير قبلته؟ !
فاستقبال بيت اللَّه الحرام يدفع هذه الحجج.
وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة/ ١٤٩ - ١٥٠].
فقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ دليلٌ على أن الناسخ مستلزم لحكمة لم تكن في المنسوخ، وإن كانا متماثلين في ذاتيهما. والحكمة في استقبال بيت المقدس أولا هي تمييز قوي الإيمان من ضعيفه، وقت النسخ، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة/ ١٤٣].
فالحاصل أن التحقيق في حكمة النسخ إناطة الحكم والمصالح بالأحكام.
وقال بعض العلماء: ومن الحكمة في النسخ الامتحان بكمال
[ ٣٤ ]