وذكروا أن الشعراء ربما هجوا على عدم القرى؛ فذكرت لهم نبذًا من هجاء الشعراء من لم يقدم إليهم الضيافة، وأنهم ربما هجوا على قلة المقدم إليهم، كما قال بعض الأدباء:
أبو جعفر رجل عالم بما يصلح المعدة الفاسدة
تخوَّف تخمة أضيافه فعوَّدهم أكلة واحدة
ولما ذكرت لهم بهذه المناسبة بيتي الأديب أحمد عبد اللَّه البوحسني الشنقيطي المعروف بالذئب، وقد استضاف قومًا فلم يضيفوه:
مات الغداء لدينا أهل ذا الأفق والخطب سهل إذا كان العشاء بقي
ولست أحسبه يبقى وقد زعمت عُوَّاده أنه في آخر الرمق
فضحكوا.
ثم سألني صديقي النحوي الكبير ذو الشمائل الطيبة أحد أساتذة المعهد المذكور الأستاذ الشيخ إبراهيم يعقوب فقال لي: أأنت شاعر أم لا؟
فقلت له: أما بالجبلة والطبيعة فنعم، وأما من حيثما التوصل بالشعر إلى الأغراض والأكل به من الملوك والأمراء فلا، فألح عليَّ أن أسمعه من شيء كنت قلته من الشعر فيما مضى، فأخبرته أن عهدي بنسج القريض أيام الصبا، وأكثر ما جرى على لساني منه الغزل في عنفوان الشباب، وربما قلت مقطعات في طلب العلم أيام الاشتغال
[ ٢٧٧ ]
به، وأني لما عزمت على أن لا أقول شعرًا قلت أبياتًا في ذلك مقتضاها أن مقاصد الشعراء ليست لي بمقاصد، فطلب مني الشيخ المذكور بإلحاح أن أسمعه هذه الأبيات، وبعض ما قلت في طلب العلم، وطرفًا من الغزل أيام الصبا، فأسعفته بما طلب، ففرح بما سمع هو والحاضرون من مشائخ المعهد فرحًا بان أثره في وجوههم.
والأبيات التي قلت في أن مقاصد الشعراء ليست لي بمقاصد هي هذه:
أنقذت من داء الهوى بعلاج شيب يزين مفارقي كالتاج
قد صد بي حلم الأكابر عن لمى شفة الفتاة الطفلة المغناج
ماء الشبيبة زارع في صدرها رمانتي روض كحق العاج
وكأنها قد أدرجت في برقع يا ويلتاه بها شعاع سراج
وكأنما شمس الأصيل مذابة تنساب فوق جبينها الوهاج
يعلى لموقع جنبها في خدرها فوق الحشية ناعم الديباج
لم يبك عيني بين حي جيرة شدوا المطيَّ بأنسع الأحداج
نادت بأنغام اللحون حداتهم فتزيلوا والليل أليل داج
لا تطبيني عاتق في دنها رقت فراقت في رقاق زجاج
مخضوبة منها بنان مديرها إذ لم تكن مقتولة بمزاج
طابت نفوس الشِّرب حيث أدارها رشأ رمى بلحاظ طرف ساج
[ ٢٧٨ ]
أو ذات عود أنطقت أوتارها بلحون قول للقلوب شواجي
فتخال رنان المثاني أحرفًا قد رددت في الحلق من مهتاج
وكأنها قد لقنت رناتها متحيزات حريمها الهياج
فهذه هي الأبيات التي كنت قلتها في هذا المقصد، وقد ضممت إليها بعد ذلك أبياتًا في بحرها ورويها في شأن زيارة أخينا وابن عمنا باشا تاردانت، وهو محمد البيضاوي باشا، حيث زارنا في بلادنا من مسافةٍ بعيدةٍ جدًّا، ولم ييسر اللَّه الاجتماع والملاقاة حتى رجع إلى محله، فضممنا الأبيات للأبيات المذكورة في شأن التأسف على فوات فرصة الملاقاة، وكتبنا الجميع إليه.
وأول الأبيات المضمومة إليها:
بل إنما اهتاج الفؤاد لشأنه أن فاته مرأى حلى الأفواج
راضت به جاكان أثباج العلا من بعد زلزلة عن الإثباج
. . . الأبيات.
ومما قلت في شأن طلب العلم، وقد كنت أخريات زمني في الاشتغال بطلب العلم دائم الاشتغال به عن التزويج، لأنه ربما عاق عنه، وكان إذ ذاك بعض البنات ممن يصلح لمثلي يرغب في زواجي ويطمع فيه. فلما طال اشتغالي بطلب العلم عن ذلك المنوال، أيست مني، فتزوجت ببعض الأغنياء، فقال لي بعض الأصدقاء: إن لم تتزوج الآن من تصلح لك تزوجت عنك ذوات الحسب والجمال، ولم تجد
[ ٢٧٩ ]
من يصلح لمثلك. يريد أن يعجلني عن طلب العلم. فقلت في ذلك هذه الأبيات:
دعاني الناصحون إلى النكاح غداة تزوجت بيض الملاح
فقالو لي: تزوجت ذات دل خلوب اللحظ جائلة الوشاح
ضحوكًا عن مؤشرة رقاق تمج الراح بالماء القراح
كأن لحاظها رشقات نبل تذيق القلب آلام الجراح
ولا عجب إذا كانت لحاظ لبيضاء المحاجر كالرماح
فكم قتلت كميًّا ذا دِلاصٍ ضعيفات الجفون بلا سلاح
فقلت لهم: دعوني إن قلبي من الغيِّ الصراح اليوم صاح
ولي شغل بأبكارٍ عذارى كأن وجوهها غرر الصباح
أراها في المهارق لابسات براقع من معانيها الصحاح
أبيت مفكرًا فيها فتضحى لفهم الفدم خافضة الجناح
أبحت حريمها جبرًا عليها وما كان الحريم بمستباح
ومما كتب عني الشيخ إبراهيم المذكور قصيدةً كنت قلتها في عنفوان شبابي في شأن رجلين من قبيلتنا وقعت بينهما شحناء، فهجا أحدهما الآخر ولحنه، وادعى الهاجي علي أني دسست للمهجو شعرًا ينتقم به منه، فغضبت من تزويره علي؛ لأني -وللَّه الحمد والمنة- لست ممن يهجو، وما كافأت أحدًا بسوء، وما أخذت أخًا بزلة، تحدثًا
[ ٢٨٠ ]
بنعمة اللَّه تعالى، فكيف أدخل بين رجلين نزغ الشيطان بينها، فحمل أحدهما على هجو الآخر إلا بالإصلاح بينهما؟
والرجل الذي قيل فيه الشعر المذكور اسمه السالم، وهو رجلٌ من أهل العلم، والذي قال الشعر اسمه محمد محمود وهو من أهل العلم أيضًا.
وسبب الشعر المذكور أن السالم المذكور لم يجز تزكية محمد محمود المذكور لشهود شهدوا عنده في خصومة من أجل قادح ديني يعتقده فيه، فغضب لذلك، وقال هذه الأبيات:
إلى السالم الفقيه حبر بلاده أخي الفضل والإفتاء طبق مداده
تحية من أمسى رهينًا بحبه إلى خله قدمًا وأنس فؤاده
فموجبه أني لنصحك قاصد وقد يرشد الحبيب أهل وداده
فإن كنتَ صوفيًا كما أنت زاعم لسانك أوردْه لنهج رشاده
وإن كنت ذا فقه تريش سهامه تغار لدين اللَّه خوف فساده
فلا تَرُمِ الفتيا ولا تك قاضيا فذاك لدين اللَّه محض سداده
تعرضت للإنكار دون تأهل وكم صيد ذو الإنكار قبل اصطياده
فخضت بلا فلك بحورًا عميقةً ورمت بناء الشيء دون عماده
وعزوك للحطاب آخر نقله مخافة درك الغير عين مراده
وتركك ما أبدى ابتداء كلامه ينبئ عن حيف الفتى وعناده
[ ٢٨١ ]
وحذفك نون الرفع دون مسوغ رأى معشر النحاة هجر اعتماده
وأما القصيدة التي رددت أنا بها هذه الدعوى التي لا تليق فهي هذه:
أرى الربع من أسمائه وسعاده وسُعداه قفرًا غير باقي رماده
وغير أثاف بينهن خصاصةً رواكدَ غطاها الصّلى بسواده
تبدل من بيض الترائب خذلًا كوانس في طلح النقى وقتاده
مطافيل أدمًا آويات لربرب مربٍّ على أولاده بمراده
تراها عليها عاطفات وتارة ترود فيدعوها الكلا برواده
فتتركها فوضى وتمرد يومها على قرد غير المرد بين وهاده
فلما دهاها الليل أسود حالكًا وأعشى عيون الوحش برح اسوداده
تذكرن غزلًا نالهن تركنها سدى كلها لم ينتبه من رقاده
فنادت نزيباها ديات صوارها يبارين عدو الطرف بين جياده
وغادرن في حيزوم كل تنوفةٍ خدوشًا كآثار الفؤوس الكواده
فأخطأنها ذهلًا ولسن ذواهلًا إلى أن تلافى الفحل ظهر وراده
فأنشأ يعدو وأتسَيْنَ بعدوه فجشمها سيرًا بوعثِ نجاده
فما راعاها إلا توجس رزها فنادينها ميئًا نداء النواده
فلله ربع قد عفت كل قاصف من الريح مغنى هنده وسعاده
[ ٢٨٢ ]
رعت في رباه الآء والشري هقلة بيوض بمغناه وجلهة واده
ويارب يوم قد أنست بغادة بساحته تدعو الحجا لفساده
وتدعو أخا الحلم الرشيد إلى الصبا فتبدله عني الصبا من رشاده
فبينا أنا في روضة اللهو رائع أسر بندب للتصادق ماده
إذا فجعتني الحادثات بنكبة وربك حسبي في الأمور البواده
مقالة أنْ قد قلت إني أجبت عن إلى السالم الفقيه حبر بلاده
وتمنعني من ذاك نفس عزيزة غلا سعرها في السوق يوم كساده
تهاب الخنا والنقص في كل موطن وقلب يقويها بشدة آده
وقربكم في القلب واللَّه شاهد بصير بما كن الفتى بفؤاده
ولست بمن يغريه من جاء مغريًا ولا من يعاد الدهر من لم يعاده
ألا قل لمن يعلو قرى شد نية سناد يجوب البيد وخد سناده
بلاغًا بلاغًا للسميذع إنني ورب المطايا مخلص لوداده
وأني لم أنطق بشيء علمته سوى مجده قدمًا وطول نجاده
وإني لأكسو الخل حلة سندس إذا ما كساني من ثياب حداده
وكائنْ يغيظ المرء ظن حبيبه به السوء بعض الظن إثم فعاده
صلاة إله العرش ما ذر شارق على خير خلق اللَّه هادي عباده
وكان معى أيام إنشائي هذه القصيدة بعض أقراني من طلبة العلم
[ ٢٨٣ ]
الماهرين في النحو، فادعى أن في القصيدة اعتراضًا نحويًا، وهو أنها جاءت فيها "إذا" الفجائية قبل جملة فعلية مع أنها تختص بالجملة الاسمية. فقلت له: إن ذلك الاعتراض قصور من المعترض به؛ لأن "إذا" الفجائية فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: اختصاصها بالجملة الاسمية كما زعم المعترض.
والثاني: دخولها على الجملة الاسمية والجملة الفعلية مطلقًا، صدرت بقد، أو جردت منها.
والثالث: دخولها على الجملة الاسمية والجملة الفعلية بشرط كون الفعلية مصدرة بقد.
وقد أشار إلى هذه الأوجه الثلاثة صاحب المغني في الكلام على "قد" وبيَّنها محشيه الدسوقي في الكلام على "إذا".
وقلت له: مثل هذا لا يعترض به إلا قاصر.
وقد جاء في القصيدة نحو هذا مما يتمشى على بعض اللغات دون بعض، كتذكير ضمير السوق في قوله: "غلا سعرها في السوق يوم كساده"، واللغة الفصحى في السوق التأنيث، وإن كان التذكير مسموعًا فيها. وكقوله: "بصير بما كنى الفتى بفؤاده" لأن اللغة الفصحى "أكن" بصيغة الرباعي، وإن كان الثلاثي مسموعًا فيه، فمثل هذا لا يعترض به على شاعرٍ ولا غيره إلا قاصرٌ.
ومما قلت من الغزل أيام الصبا هذه الأبيات:
[ ٢٨٤ ]