فأجبناهم:] (^١) أن المؤمنين الذين تغلب عليهم الكفار باحتلال بلادهم إذا أمكنهم الانضمام إلى سلطان إسلامي وجب عليهم ذلك، ولم يجز لهم موالاة الكفار وأحرى توليتهم؛ لأن موالاة المسلمين للكفار مع القدرة على موالاة المسلمين تتضمن الفتنة والفساد الكبير بنص القرآن العظيم، وهو قوله تعالى. ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال/ ٧٣]، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة/ ٥١].
وأما إن كان المسلمون الذين تغلب عليهم الكفار لا صريخ لهم من المسلمين يستنقذهم بضمهم إليه، فموالاتهم للكفار بالظاهر دون الباطن لدفع ضررهم جائزة بنصِّ القرآن العظيم، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران/ ٢١].
وكذلك توليتهم بعض المسلمين على بعض (^٢)، في الجاري على أصل مذهب مالك ومن وافقه مِنْ أن شرع من قبلنا شرع لنا إن ثبت بشرعنا إلا لدليل يقتضي النسخ.
وإيضاح ذلك: أن نبي اللَّه يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام- طلب التولية من ملك مصر، وانعقدت له منه وهو كافر، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ
_________________
(١) زيادة تقديرية ليست في الأصل المطبوع. والسياق يقتضيها.
(٢) أي: جائزة.
[ ٩٠ ]
اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف/ ٥٥]، فلو كانت التولية من يد الكافر المتغلب حرامًا غير منعقدة لما طلبها هذا النبي الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم من يد الكافر، ولما انعقدت له منه، ويوسف من الرسل الذين ذكرهم اللَّه تعالى في سورة الأنعام بقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ﴾ [الأنعام/ ٨٤] وقد أُمِرَ نبينا صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بالاقتداء بهم حيث قال بعد ذكرهم عليه وعليهم صلوات اللَّه وسلامه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠].
وأَمْرُ نبينا صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بالاقتداء بهم أمرٌ لنا؛ لأن الخطاب الخاص بالنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم يتناول الأمة من جهة الحكم؛ لأنه قدوتهم، إلا ما ثبتت فيه الخاصية بالدليل، على ما ذهب إليه أكثر المالكية، وهو ظاهر قول مالك.
وقد احتج ﵀ على أن ردة الزوجة مزيلة للعصمة بخطاب خاص بالنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وهو قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر/ ٦٥].
وقال: أنكرت عائشة ﵂ على من ذهب إلى أن نفس التخيير طلاق بقولها: "خير رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أزواجه فاخترنه"، فلم يعد ذلك طلاقًا، مع أنه ورد فيه خطاب خاص به صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ. . .﴾ [الأحزاب/ ٢٨ - ٢٩].
ومثال ما ثبتت فيه الخاصية تزويج تسع، وقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً
[ ٩١ ]
لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب/ ٥٠].
وقال الإمام أحمد، والإمام أبو حنيفة رحمهما اللَّه تعالى: ما خوطب به النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم عامٌّ للأمة ظاهرًا؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفًا.
والصحيح في أصول الشافعية أن الخطاب الخاص بالنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لا يتناول الأمة من جهة الحكم لخصوص الصيغة به صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وأجابوا عن كون أمر القدوة أمرًا لأتباعه عرفًا بأنه فيما يتوقف المأمور به على المشاركة.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: الدليل من القرآن العظيم ظاهر للجاري على أصول الأئمة الثلاثة: مالك وأبي حنيفة وأحمد، دون الجاري على أصول الإمام الشافعي رحم اللَّه الجميع ورضى عنهم وأرضاهم، دالٌّ على أن خطابه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم يتناول أمته من جهة الحكم إلا لدليل على الخصوص، وذلك كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق/ ١] فلو كانت الأمة غير داخلة تحت قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ لما أتى تعالى بصيغة الجمع في قوله: ﴿طَلَّقْتُمُ﴾، وفي قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾، وفي قوله: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾، ولقال: "طلقتَ النساء" بالإفراد فيه وفيما بعده.
وكقوله تعالى في أول سورة الأحزاب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ [الأحزاب/ ١ - ٢] فلو لم تدخل
[ ٩٢ ]
الأمة تحت قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ لما قال تعالى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بصيغة الجمع الدالة على خطاب الجميع، ولقال: "تعمل" بالإفراد. ونظيره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم/ ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم/ ٢].
وكقوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾ [الروم/ ٣١]؛ فإن قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ﴾ حال من الفاعل المستتر الخاص به صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم من قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم/ ٣٠]، فلو لم تدخل الأمة تحت الخطاب الخاص بالنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لما قال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ﴾ بصيغة الجمع، ولقال: "منيبًا" بالإفراد.
وكقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس/ ٦١].
وقال في "مراقي السعود":
وما به قد خوطب النبي تعميمه في المذهب السني
ومن أدلة المالكية على أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا أن يثبت بشرعنا نسخه: قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى/ ١٣] الآية، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة/ ٤٤] الآية، والموجود منهم عند نزولها هو وحده صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وقوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٦]، وقوله تعالى:
[ ٩٣ ]
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل/ ١٢٣]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠].
فأخذ الأحكام من القصصالتي قص اللَّه علينا في كتابه العزيز عن الأمم الماضية، ورسلهم عليهم الصلاة والسلام هو مشهور مذهب مالك، كما ذكره القرطبي في تفسير سورة القصص. وقال في "مراقي السعود":
وهو والأمة بعد كلفا إلا إذا التكليف بالنص انتفى
وقيل لا والخلف فيما شرعا ولم يكن داع إليه سمعا
ومعنى كلامه أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وأمته مكلفون بما ورد في شرعهم من شرع من قبلهم، إلا لدليل على النسخ.
وقيل: لا يكلفون به بناء على أن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعًا لنا إلا لنص أنه شرع لنا. وهذا هو مذهب الإمام الشافعي ﵀ قائلًا: إن الآيات المذكورة لا دليل فيها للمالكية ومن وافقهم؛ لأن المراد بالهدى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والمراد بالدين في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾، وأمثال ذلك إنما هو التوحيد لا الفروع، فالآيات المذكورة عنده في الأصول فقط، فهي كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/ ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ
[ ٩٤ ]
قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف/ ٤٥].
ثم استدل على أن المراد بهذه الآيات الأصول التي هي توحيد اللَّه جل وعلا في عبادته وربوبيته وأسمائه وصفاته دون الفروع بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/ ٤٨]، وقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج/ ٦٧]، وقوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علَّات ديننا واحد" يعني أن المقصود عبادة اللَّه وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله عليهم الصلاة والسلام، كما يدل عليه قوله جل وعلا: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/ ٤٨].
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: الذي يظهر من هذا الخلاف أن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا يكون شرعًا لنا من حيث وروده في شرعنا، لا من حيث كونه كان شرعًا لمن قبلنا؛ لأن اللَّه تعالى أنزل علينا هذا الكتاب العزيز لنعمل بكل ما دل عليه من الأحكام، سواء علينا كان شرعًا لمن قبلنا، أم لا، واللَّه تعالى ما قص علينا أخبار الماضين إلا لنعتبر بها، فنتجنب الموجب الذي هلك بسببه الهالكون منهم، ونغتنم الموجب الذي نجا بسببه الناجون منهم، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف/ ١١١].
والآيات الدالة على الاعتبار بأحوال الماضين كثيرة جدًا، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ [الصافات/ ١٣٧ - ١٣٨]، وكقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ [الحجر/ ٧٦]، وكقوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ [الحجر/ ٧٩]، وكقوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا
[ ٩٥ ]
قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾ [طه/ ١٢٨]، وكقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ [محمد/ ١٠]، وكقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود/ ٨٣] يعني الحجارة التي أمطرت على قوم لوط أو ديارهم. وقال في سورة الشعراء: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [الشعراء/ ٨] بعد قصة هلاك قوم نوح وهود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب، وأمثال ذلك فى القرآن كثيرة جدًا.
وقول الشافعية في الآيات المتقدمة أنها في خصوص التوحيد دون الفروع غير مسلَّم؛ لأن ترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس ﵄ حملها على ما يتناول الفروع مع الأصول رافعًا ذلك إلى النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، فقد قال البخاري في صحيحه في تفسير سورة ص ما لفظه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن العوام قال: سألت مجاهدًا عن السجدة في ص. قال: سئل ابن عباس فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠]، وكان ابن عباس يسجد فيها.
حدثني محمد بن عبد اللَّه، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوام قال: سألت مجاهدًا عن سجدة ص. فقال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام/ ٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠]؛ فكان داوود ممن أمر نبيكم صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أن يقتدي به، فسجدها داوود ﵇، فسجدها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى
[ ٩٦ ]
آله وسلم. انتهى كلام البخاري.
ولا يخفى أن سجود التلاوة فرعٌ، فجَعْلُ ابن عباس في هذا الحديث المرفوعِ الاقتداءَ في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ يتناول سجود التلاوة = يدل على عدم التخصيص بالأصول التي هي التوحيد.
ويؤيد هذا ذمه تعالى المعرض عما في التوراة من رجم الزاني المحصن في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [آل عمران/ ٢٣]؛ لأن المراد بكتاب اللَّه "التوراة"، وذمه المعرض عما فيه يقتضي الثناء على من عمل بما فيه مما ثبت بهذا الشرع الطاهر؛ لأنها نزلت في يهودية ويهودي زنيا بعد الإحصان، فرجمهما النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وأنكر اليهود الرجم، فذمهم اللَّه تعالى على إعراضهم عما في التوراة بقوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾.
ولم يزل علماء هذه الأمة يستدلون على الأحكام بما ورد في القصص الماضية، فقد استدل المالكية وغيرهم على إقامة القرينة الظاهرة مقام البينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها بقوله تعالى في قصة يوسف: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف/ ٢٦ - ٢٨]؛ فجعل شاهدُ يوسف شق القميص من دبر قرينةً قائمةً مقام البينة على صدقه وكذبها؛ لأنه يدل على إدباره عنها، وإقبالها عليه تمسك بما يلي الدبر من قميصه، وذِكْرُ اللَّه قصته من غير
[ ٩٧ ]
اعتراض عنها في ذلك يقتضي أنه عمل حسن موافق للشرع.
وقد أخذوا إبطال القرينة بقرينة أقوى منها من قوله تعالى في قصة يوسف: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف/ ١٨]؛ فإخوة يوسف لما جعلوه في غيابات الجب جعلوا دم سخلة على قميصه، ليكون تلطيخ قميصه بالدم قرينة لهم على صدقهم في أنه أكله الذئب، فأبطلها نبي اللَّه يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص، فقال: سبحان اللَّه! متى كان الذئب حليمًا كيِّسًا يقتل يوسف ولا يشق قميصه، كما قال تعالى حكاية عنه وعنهم: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف/ ١٨] ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف/ ١٨].
واستدلوا لجواز طول مدة الإجارة بقوله في معاملة موسى وشعيب ﵉: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص/ ٢٧].
واستدلوا على ضمان الغرم بقوله تعالى في قصة يوسف: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف/ ٧٢].
واستدل بعض الشافعية على ضمان الوجه بقوله تعالى حكاية عن يعقوب قال: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف/ ٦٦].
واستدل المالكية على أن التلوُّم في الخصومة بعد انقضاء الآجال ثلاثة أيام بقوله تعالى في قصة صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
[ ٩٨ ]
ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ [هود/ ٦٥].
قال ابن عاصم في "تحفته":
* ثلاثة وأصله تمتعوا *
واستدلوا لوجوب الإعذار بقوله تعالى في قصة سليمان مع الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ [النمل/ ٢١] الآية.
واستدلوا لكرامات الأولياء بقوله تعالى في قصة مريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران/ ٣٧].
وذكر المواق في شرحه لمختصر خليل بن إسحاق المالكي عند قوله في باب القضاء: "إن كان أهلًا، أو قاضي مصر، وإلا فلا" ما يفيد انعقاد تولية الكفار المتغلبين قضاة من المسلمين يقضون بينهم.
وفي البناني في حاشيته على شرح عبد الباقي الزرقاني مختصر خليل عند قوله: "الباغية: فرقة خالفت الإمام" ما يفيد ما ذكرنا، ووجهه ظاهر جدًا؛ لأنه إن لم يلِ القضاء مسلم وليه كافر، وقد تقرر عند علماء الأصول أن ارتكاب أخف الضررين واجبٌ. قال في "مراقي السعود":
وارتكب الأخف من ضرين وخَيِّرَنْ لدى استوى هذين
ومعلوم أن ولاية المسلم ولو من جهة الكفار أحسن من ولاية الكافر نفسه.
[ ٩٩ ]
ومن يأتي الأمور على اضطرار فليس كمثل آتيها اختيارًا
وتحرير المقام في المسألة أن شرع من قبلنا له ثلاث حالات:
في حالة منها يكون شرعًا لنا بلا خلاف.
وفي حالة يكون غير شرع لنا بلا خلاف.
وفي حالة يختلف فيه.
أما الحالة التي يكون فيها شرعًا لنا بلا خلاف، فهي فيما جاءنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ثم بُيِّنَ لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص، فإنه بُيِّنَ لنا أنه كان شرعًا لبني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة/ ٤٥] الآية، وبُيِّنَ لنا أنه شرع لنا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة/ ١٧٨] الآية.
وأما الحالة التي يكون فيها غير شرع لنا بلا خلاف، فهي فيما جاءنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا وبُيِّنَ لنا أنه ليس بشرعٍ لنا وقد كان شرعًا لمن قبلنا، ككون بعض المذنبين لا توبة له إلا بتقديم نفسه للقتل، كما في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة/ ٥٤]؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف/ ١٥٧]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦]؛ لأن اللَّه أخبر عنه نبيه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "قد فعلت" كما ثبت في صحيح مسلم.
وما عرف بالإسرائيليات أنه كان شرعًا لهم، ولم يثبت بشرعنا، فليس شرعًا لنا قولًا واحدًا؛ لأنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم نهى
[ ١٠٠ ]