ولجميع من معنا تذاكر السفر في قطار الحديد، وسافرنا فيه من تلك الليلة في العشر الأواسط من ذي القعدة من سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف، فسرنا فيه متوجهين تلقاء سواكن فبتنا دونها، وجئناها من الغد وقت المقيل، فنزلنا في خيم مبنية للحجاج، وأخذنا جوازات السفر إلى الحجاز، وما توصلنا إلى أخذها حتى تعبنا من الزحام في المركز، لكثرة الحجاج المزدحمين لأخذ الجوازات، وكان بواب المركز يدخل قبلنا كثيرًا من أخلاط الناس من أسود وأحمر، ونحن جئنا قبلهم، فذكرني ذلك قول عصام بن عبيد الزماني:
أدخلت قبلي قومًا لم يكن لهم في الحق أن يدخلوا الأبواب قدامي
ثم بعد لأيٍ تحصَّلنا على أخذ الجوازات والتذاكر بعد أن سلمنا الرسوم المقررة، ثم مكثنا في محل النظر في صحة الحجاج ثلاثة أيام، ثم ركبنا في السفينة متوجهين إلى جدة، فمكثت السفينة بنا يومًا وليلة في البحر، ثم نزلنا من الغد في جدة، فنزلنا في بيت لآل جمجوم عمومي لنزول أهل قطرنا، فمكثنا ليلتين في جدة، ولم نجتمع بأحدٍ من أهلها، لكن اجتمعنا برجل سوداني موظف في بعض الشركات في جدة اسمه أحمد بكري، قأحسن إلينا وحملنا إلى مكة المكرمة بواسطة رجلٍ طيبٍ من موظفي إدارة الحج اسمه سامي كتبي. فركبنا من جدة بعد صلاة المغرب محرمين ملبين تلبية النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وكان إحرامنا بالحج مفردًا، وإنما أحرمنا إفرادًا من غير تمتع ولا
[ ٢٨٧ ]
قران؛ لأن الإفراد في مذهبنا أفضل من التمتع والقران، وأفضلية الإفراد التي هي مذهبنا معاشر المالكية قال بها مالك وأصحابه، وذلك هو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو قول عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وعائشة، والأوزاعي، وأبي ثور، وداود.
وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والمزني، وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزي: القِران أفضل.
وقال الإمام أحمد ﵀: التمتع أفضل.
وكافة العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن الكل من التمتع والإفراد والقران جائز، إلا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب وعثمان ﵄ أنهما كانا ينهيان عن التمتع.
أما دليل جواز الثلاثة فهو ما ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: "خرجنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهلَّ بحج وعمرة، ومنا من أهلَّ بحج، وأهلَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بالحج" رواه البخاري ومسلم عنها. وفي رواية لمسلم: "منا من أهل بالحج مفردًا، ومنا من قرن، ومنا من تمتع".
وأما دليل مذهبنا ومذهب الشافعي في ترجيح الإفراد، وأنه أفضل من القران والتمتع، فهو ما ثبت في الصحيح من رواية جابر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة ﵃.
[ ٢٨٨ ]
أما حديث عائشة فقد سبق الآن في قولها: "وأهلَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بالحج" رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: "أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أهلَّ بالحج مفردًا". وفي رواية البخاري ومسلم قالت: "خرجنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لا يذكر لنا إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت. . . " وذكرت تمام الحديث إلى قولها: "ثم رجعوا مهلين بالحج".
وأما حديث ابن عمر فعن بكر بن عبد اللَّه المزني عن أنس ﵁ قال: "سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعًا" قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر فقال: لبى بالحج وحده. فلقيت أنسًا فحدثته بقول ابن عمر، فقال: ما تعدوننا إلا صبيانًا؟ ! سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم يقول: "لبيك عمرةً وحجًّا" رواه البخاري ومسلم.
وعن زيد بن أسلم "أن رجلًا أتى ابن عمر فقال: بم أهل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم؟ قال: بالحج. ثم أتاه من العام المقبل فسأله فقال: ألم تأتني عام أول؟ قال: بلى، ولكن أنسًا يزعم أنه قرن. قال ابن عمر: إن أنسًا كان يدخل على النساء وهن منكشفات الرؤوس، وإني كنت تحت ناقة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، فكنت أسمعه يلبي بالحج" رواه البيهقي بإسناد صحيح.
وفي رواية لمسلم أيضًا عن ابن عمر قال: "أهللنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بالحج منفردًا".
[ ٢٨٩ ]
وأما حديث جابر فعن عطاء عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: "أهل النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم هو وأصحابه بالحج". رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم أيضًا عن جابر قال: "أهللنا أصحاب محمد صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بالحج خالصًا وحده، فقدمنا صبح رابعة من ذي الحجة، فأمرنا أن نحلّ".
وفي صحيح مسلم أيضًا عن جابر في حديث طويل قال: "خرجنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لمناسك الحج. . . " وذكر الحديث إلى أن قال: "حتى إذا كان آخر طوافٍ على المروة قال النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليتحلل وليجعلها عمرة".
وأما حديث ابن عباس ففيه قال: أهلَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بالحج، فقدم لأربع مضين من ذي الحجة وصلى الصبح. وقال لما صلى الصبح: "من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة" رواه مسلم.
وفي رواية لمسلم أيضًا عن ابن عباس: "أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعى بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم وقلدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهلَّ بالحج".
[ ٢٩٠ ]
وروى البيهقي بإسناده عن علي ﵁ أنه قال لابنه: "يا بني أفرد الحج فإنه أفضل"، وبإسناده عن ابن مسعود أنه أمر بإفراد الحج.
فهذه الأحاديث الصحيحة دالة على أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أحرم في حجة الوداع بالحج مفردًا، وهو صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لا يحرم إلا بما هو الأفضل.
وإنما كانت هذه الأحاديث الدالة على إفراده صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أرجح عند المالكية والشافعية ومن وافقهم في تفضيل الإفراد من الأحاديث الصحيحة الدالة على أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان قارنًا، ومما ثبت في الصحيح أيضًا أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان متمتعًا، وترجيحهم لأحاديث الإفراد، بسبب أمور:
منها: أنه الأكثر في الروايات الصحيحة في حجة النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
ومنها: أن رواته أخص بالنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في هذه الحجة، فإن منهم جابرًا وهو أحسنهم سياقًا لحجة النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، فإنه ذكرها من أول خروجه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم من المدينة إلى فراغه، وذلك مشهور في صحيح مسلم وغيره، وهذا يدل على ضبطه لها واعتنائه بها، ومنهم ابن عمر وقد قال: "كنت تحت ناقة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم يمسني لعابها، أسمعه يلبي بالحج"، ومنهم عائشة وقربها من النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم معروف، واطلاعها على باطن أمره وفعله في خلوته وعلانيته مع فقهها وعظيم فطنتها، ومنهم ابن عباس وهو
[ ٢٩١ ]
بالمحل المعروف من الفقه والفهم الثاقب مع كثرة بحثه وحفظه أحوال النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
ومن أدلة تفضيل الإفراد أن الخلفاء الراشدين رضي للَّه عنهم أفردوا الحج، وواظبوا على ذلك بعد النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، كذلك فعل أبو بكر، وعمر، وعثمان، واختلف فعل عليٍّ ﵃ أجمعين.
وقد حج عمر بالناس عشر حجج مدة خلافته كلها مفردًا، ولو لم يكن هذا هو الأفضل عندهم وعلموا أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم حج مفردًا لم يواظبوا على الإفراد مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإسلام، ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، وكيف يظن بهم المواظبة على خلاف فعل النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، أو أنهم خفي عليهم جميعهم فعله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم؟ !
وأما الخلاف عن علي وغيره فالظاهر أنهم إنما فعلوه لبيان جواز غير الإفراد، فلا ينافي أفضلية الإفراد عندهم.
ومن أدلة ترجيح الإفراد أنه لا يجب فيه دم بالإجماع، وذلك لكماله، ويجب الدم في التمتع والقران، وذلك الدم جبران لسقوط الميقات وبعض الأعمال، لأن ما لا خلل فيه ولا يحتاج إلى جبران أفضل. وقول المخالف: "إنه دم نسك لا جبران" غير مسلم، بدليل أن الصيام يقوم مقامه عند العجز، ولو كان دم نسك لم يقم مقامه كالأضحية.
[ ٢٩٢ ]
ومن أدلة ترجيح الإفراد أن الأمة أجمعت على جوازه من غير كراهة، وكره عمر وعثمان وغيرهما التمتع، وبعضهم التمتع والقران، وإن كانوا يجوزونه على ما سبق بيانه، فكان ما أجمعوا على أنه لا كراهة فيه أفضل.
وقد قال البيهقي ﵀: فثبت بالسنة الثابتة عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم جواز التمتع والإفراد والقران، وثبت بمضي النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في حج مفرد، ثم باختلاف الصدر الأولى في كراهة التمتع والقران دون الإفراد كون إفراد الحج عن العمرة أفضل. واللَّه تعالى أعلم.
والمالكية والشافعية ومن وافقهم في أفضلية الإفراد مقرون بأن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أمر من لم يكن معه هدي من أصحابه أن يفسخ حجه إلى عمرة ويتحلل منها، ثم يهل بحج من مكة. وقد قال هو صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة"، كما ثبت في الصحيح ثبوتًا لا مطعن فيه ولا شبهة، إلا أنهم يقولون: إن هذا خاص بأصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لعلةٍ موجودةٍ في ذلك الوقت، وقد زالت، وهي أن الكفار كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فأمر النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أصحابه بفسخ الحج إلى عمرة ليظهر بذلك بطلان ما يعتقدونه من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور.
واستدلوا لخصوص هذا الفسخ بأصحاب النبي صلى اللَّه عليه
[ ٢٩٣ ]
وعلى آله وسلم بأدلة:
منها: أنه مأخوذٌ من حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين قال: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فقدم النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول اللَّه أي الحل؟ قال: "حِلٌّ كله". رواه البخاري ومسلم. وفي رواية مسلم: "الحل كله".
ففي هذا الحديث دلالةٌ ظاهرةٌ أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم إنما أمرهم بفسخ الحج في عمرة لمخالفة ما كان الجاهلية عليه من تحريم العمرة في أشهر الحج، وقولهم: "إنها من أفجر الفجور"؛ إذ لو لم يكن هذا هو علة الفسخ لما كان في ذكره وترتيب الفسخ عليه فائدةٌ.
فكون مخالفة الجاهلية علة للفسخ المذكور تؤخذ من هذا الحديث بمسلكين من مسالك العلة، وهما ظهور النص والإيماء؛ لأن مسلك النص مرتبتان: نص صريح، ونص ظاهر. وقد تقرر عند الأصوليين أن الفاء ظاهرة في التعليل، كقولهم: "سها فسجد" و"سرق فقطعت يده".
فإذا عرفت ذلك فاعلم أن قوله: "فأمرهم أن يجعلوها عمرة" بالفاء بعد قوله: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض" يدل بظاهره على أن ذلك هو علة الفسخ.
[ ٢٩٤ ]
قال في "مراقي السعود" في مسالك العلة:
الاجماعُ فالنص الصريح مثلُ لعلة فسبب فيتلو
من أجل ذا فنحو كي إذًا فما ظَهَر لامٌ ثمت البا علما
فالفاء للشارع فالفقيه فغيره يتبع بالشبيه
ومحل الشاهد منه قوله: "فالفاء للشارع. . . " إلخ.
والمسلك الثاني هو الإيماء، وهو عند الأصوليين: اقتران الوصف بحكم، لو لم يكن الوصف علة لذلك الحكم عابه الفطن بمقاصد الكلام. فقوله في الحديث المذكور: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض" لو لم يكن علة لقوله: "فأمرهم أن يجعلوها عمرة" لكان الكلام معيبًا عند الفطن بمقاصد الكلام، فترتيب الوصف على الحكم عند الأصوليين من أفراد الإيماء، وقد بينه في "مراقي السعود" بقوله:
والثالث الإيما اقتران الوصف بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النظير قرانه لغيرها يضير
كما إذا سمع وصفًا فحكم وذكره في الحكم وصفًا قد ألم
إن لم يكن علته لم يفد ومنعه مما يفيت استفد
ترتيبه الحكم عليه واتضح تفريق حكمين بوصف المصطلح
. . . الخ.
ومحل الشاهد منه قوله: "ترتيبه الحكم عليه".
[ ٢٩٥ ]
وإذا كانت علة الفسخ المذكور مخالفة ما كان عليه الجاهلية، فلا دلالة فيه على أفضلية التمتع بفسخ الحج إلى عمرة.
ولا يقدح في هذا أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بين بطلان ما كان الجاهلية عليه في عمره الثلاث قبل حجة الوداع؛ لأن عمرة الحديبية التي صده المشركون فيها عن البيت عام سبع كانت في ذي القعدة من أشهر الحج، وكذلك عمرة القضاء عام سبع كانت في ذي القعدة، وكذلك عمرة الجعرانة عام ثمان عام الفتح كانت في ذي القعدة أيضًا؛ لأن حجة الوداع اجتمع فيها من الخلق ما لم يجتمع في غيرها، فالبيان فيها أعظم موقعًا، وله فائدة لم تكن في غيره، ولذلك جاء في الحديث: "فتعاظم ذلك عندهم".
ومن أدلة المالكية والشافعية على الخصوص المذكور حديث الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه قال: قلت يا رسول اللَّه، أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "بل لكم خاصة". رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
قال النووي في هذا الحديث: إسناده صحيح، إلا الحارث بن بلال فإني لم أر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقد رواه أبو داود ولم يضعفه، وما لم يضعفه أبو داود فهو حديث حسن عنده إلا أن يوجد فيه ما يقتضي ضعفه. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللَّه تعالى: هذا الحديث لا يثبت عندي، ولا أقول به. قال: وقد روى الفسخ أحد عشر صحابيًّا، أين يقع الحارث بن بلال منهم؟ ! .
[ ٢٩٦ ]
قال النووي ﵀: لا معارضة بينهم وبينه حتى يقدموا عليه؛ لأنهم أثبتوا الفسخ للصحابة، ولم يذكروا حكم غيرهم، وقد وافقهم الحارث بن بلال في إثبات الفسخ للصحابة، لكنه زاد زيادة لا تخالفهم، وهي اختصاص الفسخ بهم.
واحتجوا أيضًا للاختصاص المذكور بحديث أبي ذر ﵁ قال: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم خاصة" رواه مسلم موقوفًا على أبي ذر.
قال البيهقي وغيره من الأئمة: أراد بالمتعة فسخ الحج إلى العمرة؛ لأنه كان لمصلحةٍ، وهي بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج، وقد زالت، فلا يجوز ذلك اليوم لأحد.
واحتج أبو داود في "سننه" والبيهقي وغيرهما في ذلك برواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن سليمان بن الأسود أن أبا ذر كان يقول: "من حج ثم فسخها بعمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم" وإسناده هذا لا يحتج به؛ لأن محمد بن إسحاق صاحب "المغازي" مدلس، وقد قال: "عن"، واتفقوا على أن المدلس إذا قال: "عن" لا يحتج به.
قال النووي: واعلم أن البيهقي ذكر بابًا في جواز الإفراد، والتمتع، والقران، ثم بابًا في تفضيل الإفراد، ثم باب من زعم أن القران أفضل، وأن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان متمتعًا. وذكر في كل نحو ما ذكرته من الأحاديث. ثم قال: باب كراهة من كره التمتع والقران، وبيان أن جميع ذلك جائز، وإن كنا اخترنا الإفراد. فذكر في هذا الباب
[ ٢٩٧ ]
بإسناده عن سعيد بن المسيب: "أن رجلًا من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أتى عمر بن الخطاب ﵁ فشهد عنده أنه سمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج" رواه أبو داود في "سننه".
وقد اختلفوا في سماع سعيد بن المسيب من عمر، لكنه لم يرو هنا عن عمر، بل عن صحابي غير مسمى، والصحابة كلهم عدول.
وعن معاوية ﵁ أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم "نهى أن يقرن بين الحج والعمرة" رواه البيهقي بإسناد حسن.
وقال القاضي عياض في "شرح صحيح مسلم": جمهور الفقهاء على أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصًّا للصحابة. قال: وقال بعض أهل الظاهر: هو جائز الآن.
وقال النووي في "شرح المهذب": فرع: إذا أحرم بالحج لا يجوز له فسخه وقلبه عمرة، وإذا أحرم بالعمرة لا يجوز له فسخها حجًا، لا لعذر ولا لغيره، سواء ساق الهدي أم لا. هذا مذهبنا. قال ابن الصباغ والعبدري وآخرون: وبه قال عامة الفقهاء. وقال أحمد: يجوز فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يسق الهدي. انتهى كلام النووي.
والغرض منه قوله: "وبه قال عامة الفقهاء" غير أحمد، وقد بيَّنا طرفًا من أدلة الشافعية والمالكية على أفضلية الإفراد.
وأما الأحاديث الصحيحة الدالة على أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان قارنًا، فلا يرد الإشكال بها على ما ذكرنا، لظهور الجمع
[ ٢٩٨ ]
بينهما بأنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أحرم أولًا بحج مفردًا، كما تضافرت به الروايات الصحيحة، ثم لما أمر من لم يكن معه هدي من أصحابه بفسخ الحج إلى عمرة لمخالفة ما كان عليه أهل الجاهلية، وشق عليهم رضي للَّه عنهم إحلالهم مع كونه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم باقيًا على إحرامه تأسف على سوق الهدي، وذكر أنه لو لم يسقه لفعل مثل ما أمرهم به مواساة لهم وتطييبًا لنفوسهم، ثم إنه أدخل العمرة على الحج ليوافقهم في إدخالها عليه، إلا أنه منعه من التحلل معهم كونه معه الهدي، فلم يحل من شيء حتى أتم حجه، فقد صار صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم قارنًا بإدخاله العمرة على الحج.
وكونه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم صار قارنًا في آخر الأمر، لم يدل عند المالكية والشافعية ومن وافقهم على أفضلية القران على الإفراد، لأنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم قرن للموجب المذكور، وقد زال.
وأما الأحاديث الصحيحة الدالة على أنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان متمتعًا، فلا يرد الإشكال بها على ما ذكرنا أيضًا؛ لأن التمتع ربما أطلق على مطلق العمرة في أشهر الحج فيشمل القِرانَ، فيكون معناه القِران. وقد بينا أنه كان قارنًا في آخر الأمر، للأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك، مع وجوب الجمع بين الأحاديث إذا أمكن، أو أن معنى كونه كان متمتعًا: أمره أصحابه بفسخ الحج إلى عمرة؛ لأن ذلك تمتع، حيث أحلوا بالعمرة في شهر ذي الحجة، ثم أهلوا محرمين بحج.
[ ٢٩٩ ]
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: وإنَّما الإشكال الذي يصعب الانفكاك عنه على المالكية والشافعية ومن وافقهم في أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصًا بأصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم = هو ما جاء في حديث جابر الثابت في الصحيحين قال: "أهل النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم هو وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وطلحة، وكان علِيٌّ قدم من اليمن ومعه هدي. فقال: أهللت بما أهل به النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، فأمر النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أصحابه أن يجعلوها عمرة ويطوفوا ويقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي. فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر. فبلغ ذلك النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم فقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت". وأن سراقة بن مالك لقي النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بالعقبة وهو يرميها. فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول اللَّه؟ فقال: "بل للأبد".
وهو نص صريح في عدم الاختصاص بأصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، ومعلومٌ أن حديث جابر هذا لا يقاومه حديث الحارث بن بلال بن الحارث الذي رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه كما قدمنا؛ لأن فيه الحارث بن بلال، ولا يقاومه حديث أبي ذر الذي قدمنا أنه أخرجه مسلم؛ لأنه موقوفٌ على أبي ذر.
فهذا النص الصريح الصحيح عن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بعدم الاختصاص بأصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم
[ ٣٠٠ ]
يردُّ على المالكية والشافعية ومن وافقهم احتجاجهم بالاختصاص المذكور، وأجويتهم عن قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "بل للأبد" لا تنهض كل النهوض، ولا تتضح كل الوضوح.
قال النووي: معنى قوله: "بل للأبد" عند الجمهور: أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إبطالًا لما كان عليه في الجاهلية، وليس معناه جواز القِران. أي دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج. وقيل: معناه: سقط وجوب العمرة.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه: هذه الأجوبة التي ذكرها النووي وغيره غير ظاهرة، والحجة بها غير ناهضة؛ لأن سياق سؤال سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ﵁ يقتضي أن السؤال إنما وقع عن فسخ العمرة إلى الحج؛ لأنه هو القضية الواقعة، فصرف السؤال عنها إلى غيرها غير ظاهر.
ويدل على أن السؤال عن الفسخ المذكور سياق مسلم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، فإنه يقتضي أنه قال له ذلك لما أمر أصحابه أن يجعلوا حجهم عمرة، فهو دليلٌ واضحٌ لمن قال: "إن السؤال كان عن فسخ الحج إلى العمرة"، ولا يعارض هذا ما في صحيح البخاري وبعض روايات مسلم من أن سؤال سراقة للنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم كان عند رمي جمرة العقبة لإمكان تعدد السؤال لتعدد المكان، مع أن السؤال عند جمرة العقبة أيضًا ظاهر في أنه عن القضية الواقعة كما قدمنا قريبًا، فلا يصرف عنها إلى غيرها إلا بدليل جازم.
[ ٣٠١ ]
فالذي يظهر من جهة النقل عدم اختصاص الفسخ المذكور بأصحاب النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم لقوله الثابت في الصحيح: "بل للأبد".
فالذي يظهر أن هذا الفسخ لو كان أفضل من إتمام الحج من غير إحلال منه بعمرةٍ الثابتِ بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ لما أعرض عنه الخلفاء الراشدون ﵃ لشدة حرصهم على متابعة النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم واطلاعهم على أحواله.
وقد أخرج مسلم عن أبي نضرة قال: "قلت لجابر بن عبد اللَّه: إن الزبير ينهي عن المتعة، وإن ابن عباس يأمر بها. فقال جابر: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، فلما قام عمر قال: إن اللَّه كان يحل لرسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة للَّه كما أمركم اللَّه، وأبتُّوا نكاح هذه النساء، فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة". وفي رواية زيادة: "فإنه أتم بحجكم وأتم بعمرتكم".
وقد روى البيهقي بإسناده الصحيح عن عبيد بن عمير قال: قال علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب ﵄: أنهيت عن المتعة؟ قال: لا، ولكني أردت كثرة زيارة البيت. فقال علي: من أفرد الحج فحسن، ومن تمتع فقد أخذ بكتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
وروى البيهقي عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها أخبرته في
[ ٣٠٢ ]
تمتع النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم بالعمرة إلى الحج، وتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم. فقال الزهري: فقلت لسالم: فلم ينهى عن التمتع وقد فعل ذلك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم وفعله الناس معه؟ قال سالم: أخبرني ابن عمر: أن الأتم للعمرة آن تفردوها من أشهر الحج، الحج أشهر معلومات: شوال وذو القعدة وذو الحجة، فأخلصوا فيهن الحج، واعتمروا فيما سواهن من الشهور. قال: وإن اعتمر بذلك لزمه إتمام العمرة؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
وذلك أن العمرة إنما يتمتع بها إلى الحج، والتمتع لا يتم إلا بالهدي أو الصيام إذا لم يجد هديًا، والعمرة في غير أشهر الحج تتم بلا هدي ولا صيام، فأراد عمر بترك التمتع إتمام العمرة، كما أمر اللَّه تعالى بإتمامها، وأراد أيضًا أن تكرر زيارة الكعبة في كل سنة مرتين، فكره التمتع لئلا يقتصروا على زيارته مرة، فتردد الأئمة في التمتع حتى ظن الناس أن الأئمة يرون ذلك حرامًا. قال: ولعمري لم ير الأئمة ذلك حرامًا، ولكنهم اتبعوا ما أمر اللَّه به عمر ﵁ إحسانًا للخير.
وبإسناده الصحيح عن سالم قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها. فقيل: إنك تخالف أباك؟ فقال: إن أبي لم يقل الذي تقولون، إنما قال: أفردوا الحج من العمرة، أي أن العمرة لا تتم في أشهر الحج [إلَّا بهدي، وأرأد أن يزار البيت شهور الحج]، فجعلتموها أنتم حرامًا، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلها اللَّه ﷿
[ ٣٠٣ ]