بعد أن طلبوني أن أملي عليهم القصيدة التي منها البيت، فأمليتها عليهم وبينت لهم معنى البيت، بأن قلت لهم:
"أيما": لغة في أما، وهي الرواية في بعض نسخه.
ومعنى قوله: "يضحى" يكون بارزًا للشمس من غير كِنٍّ يحجبها عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه/ ١١٩]، وقد استدل ابن عباس ﵄ على معنى الآية بالبيت المذكور.
وقوله: "يخصر" مضارع خَصِر بالكسر يَخْصَر بالفتح خَصرًا بفتحتين على القياس، إذا أصابه البرد، ومنه قول الشاعر:
إذا ما رأوا نارًا يقولون ليتها وقد خصرت أيديهم نار غالب
فقوله: "وقد خصرت أيديهم" أي أصابهم البرد، لأن اليد تتأثر من شدة البرد كثيرًا.
وسألونا عن أشياء غير هذا، أكثرها في الشعر والشعراء، فأجبناهم عنها، فازداد فرحهم وسرورهم بمعرفتهم لنا.
ثم توجهنا من قرية "جنينة" في شوال من السنة المذكورة في أول الرحلة التي هي سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف، توجهنا إلى قرية اسمها "الفاشر"، والأمطار في ذلك الوقت متراكمة، فحبسنا الوحل ليلتين في خلاء من الأرض، ثم وصلنا قرب القائلة محطة صغيرة
[ ١٠٤ ]
اسمها "كبكابية"، فوجدنا السمن فيها كثيرًا جدًّا، ويباع رخيصًا جدًّا، فمكثنا فيها قدر ساعة تقريبًا، ورحنا منها، وحبسنا الوحل ليلتين أخريين، ثم وصلنا بعد الظهر بعد تعب كثير في السيارات المذكورة قبل، فنزلنا عند رجل اسمه الحاج أبو سفيطة، فقدَّم لنا نوعًا من الخبز إدامه اللبن الرائب، وما قدرنا على سد خلة الجوع منه، واجتمع بنا قرب المغرب ضابط البوليس محمد عباس بخيت فآوانا وأكرمنا.
ومن الغد كان مقيلنا عند رجل منا قاطن بمدينة "الفاشر" اسمه سيدي محمد بن أحمد سيدي، وأكرمنا وفرح بنا، وسافرنا آخر ذلك اليوم متوجهين إلى جهة الأبيض، فمكثنا دونه ليلتين، ومررنا بمحطات ولم نلبث في شيء منها، منها محطة صغيرة اسمها "أم كداده" وقرية اسمها "النهود"، وغيرها لم أعرف اسمه، ونزلنا "الأبيض" أول النهار، فنزلنا عند رجل اسمه محمد خير، ومكثنا في قرية الأبيض ليلتين، وصاحبنا الذي نحن في ضيافته يرسل لنا في يومينا قرب الغروب قطعة من عصيدة الدخن عليها بعض إدام، فمرة تركنا وأكلنا من زادنا، ومرة تناولنا منها. فتذكرت قول الشاعر:
الجوع يطرد بالرغيف اليابس فعلام تكثر حسرتي ووساوسي
والموت سَوَّى حين عدَّل قسمه بين الخليفة والفقير البائس
ثم ركبنا في قطار الحديد من "الأبيض" متوجهين إلى "الخرطوم"، فمكثنا دونه ليلتين، ومررنا بقرى كثيرة ما نزلنا في شيء منها، ولا عرفنا فيها شيئًا إلا قرية يقال لها: "وادي مدني" سماها لنا واحد من الراكبين معنا، وقف بنا القطار فيها قليلًا ثم سار، ثم قدمنا
[ ١٠٥ ]