قال: وَلِمَ؟
قلت: لأن المنسوخ إما كتابٌ وإما سنةٌ، والإجماع لا ينسخ واحدًا منهما؛ لأن الإجماع لا يعتبر إلا بعد وفاة نبينا صلوات اللَّه عليه وسلامه؛ لأنه ما دام حيًا فالعبرة بقوله -ﷺ-، لأن قوله حجة على كل أحد، وليس قول أحدٍ حجةٌ عليه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، ولذا لابد في حد الإجماع من القيد بقولهم: من بعد وفاته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم. قال في "مراقي السعود" في حدّ الإِجماع:
وهو الاتفاق من مجتهدي الأمة من بعد وفاة أحمد
وإذا حققت أن الإجماع لا يعتبر إلا بعد وفاته صلى اللَّه عليه وآله
[ ٢٨ ]
وسلم، فبعد وفاته لا يصح النسخ بحال؛ لأنه تشريع جديد، وهو صلوات اللَّه وسلامه عليه لا مشرع بعده، بل لم يبق بعده إلَّا اتباع ما جاء به صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، فظهر منع النسخ بالإجماع. قال في "مراقي السعود":
فلم يكن بالعقل أو مجرد الإِجماع بل ينمى إلى المستند
ومعنى قوله: "بل ينمى إلى المستند" أنك إذا وجدت في كلامهم: هذا الحكم منسوخ بالإجماع فإنهم يعنون كونه منسوخًا بالنص الذي هو مستند الإجماع؛ إذ لابد للمجمعين من مستند من كتاب أو سنة، وذلك المستند هو الناسخ لا الإجماع نفسه، لأنه لا ينعقد إلا بعد وفاته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وحينئذٍ فلا نسخ لأنه تشريع جديد.