خيمتهم ننتظر رفقتنا، فآوونا وأكرمونا غاية الإكرام، وأظهروا السرور بالمعارفة معنا، وتذاكرنا معهم مذاكرة أدبية.
وسألنا الأمير خالد المذكور عن معنى قول جرير في شعره: "ومسحهم صلبهم رحمن قربانًا" وعن إعراب "قربانًا" من بيت شعر جرير.
فقلنا له: هذا البيت من قصيدة لجرير يهجو بها الأخطل التغلبي وقومه، ويعيرهم بدين النصرانية. وذكرنا له القصيدة، ومعنى البيت، وإعراب الكلمة، والقصيدة هي:
بان الخليط ولو طووعتُ ما بانا وقطَّعوا من حبال الوصل أقرانًا
حي المنازل إذ لا نبتغي بدلًا بالدار دارًا ولا الجيران جيرانًا
قد كنت في أثر الأظعان ذا طرب مروَّعًا من حذار البين محزانًا
يا رب مكتئب لو قد نُعِيتُ له باك وآخر مسرور بمنعانا
لو تعلمين الذي نلقى أويت لنا أو تسمعين إلى ذي العرش شكوانا
كصاحب الموج إذ مالت سفينته يدعو إلى اللَّه إسرارًا وإعلانا
يا أيها الراكب المزجي مطيته بلغ تحيتَنا لُقِّيت حملانا
بلغ رسائل عنا خف محملها على قلائص لم تحملن حيرانا
كيما نقول إذا بلغت حاجتنا أنت الأمين إذا مُسْتأمنٌ خانا
نهدي السلام لأهل الغور من مَلَحٍ هيهات من مَلَحٍ بالغَور مهدانا
[ ٣٠٧ ]
أحبب إليَّ بذاك الجزع منزلة بالطلح طلحًا وبالأعطان أعطانا
يا ليت ذا القلب لاقى من يعلله أو ساقيًا فسقاه اليوم سلوانا
أو ليتها لم تعلقنا علاقتها ولم يكن داخل الحب الذي كانا
هلا تحرجت مما قد فعلت بنا يا أطيب الناس يوم الدَّجن أردانا
قالت ألم بنا إن كنت منطلقًا ولا إخالك بعد اليوم تلقانا
يا طَيْبَ هل من متاع تمتعين به ضيفًا لكم باكرًا يا طيب عجلانا
ما كنت أول مشتاق أخي طرب هاجت له غدوات البين أحزانا
يا أم عمرو جزاك اللَّه مغفرة ردي عليَّ فؤادي كالذي كانا
ألستِ أحسن ممن يمشي على قدم يا أملح الناس كل الناس إنسانا
يلقى غريمكم من غير عسرتكم بالبذل بخلًا وبالإحسان حرمانا
لا تأملننَّ فإني غير آمنة غدر الخليل إذا ما كان ألوانا
قد خنت من لم يكن يخشى خيانتكم ما أنت أول موثوق به خانا
لقد كتمت الهوى حتى تَهَيَّمني لا أستطيع لهذا الحب كتمانا
كاد الهوى يوم سُلمانين يقتلني وكاد يقتلني يومًا ببيدانا
لا بارك اللَّه في من كان يحسبكم إلا على العهد حتى كان ما كانا
من حبكم فاعلمي للحب منزلة نهوى أميركم لو كان يهوانا
لا بارك اللَّه في الدنيا إذا انقطعت أسباب دنياك من أسباب دنيانا
[ ٣٠٨ ]
يا أم عثمان إن الحب عن عرض يصبي الحليم ويبكي العين أحيانا
ضنت بموردة كانت لنا شرعًا تشفي صدى مستهام القلب صديانا
كيف التلاقي ولا بالقيظ محضركم منا قريب ولا مبداك مبدانا
ما أحدث الدهر مما تعلمين لكم كالعرق عرقًا ولا السُّلان سلانا
نهوى ثرى العرق إذْ لم نلق بعدكم للحبل صرمًا ولا للعهد نسيانا
أبُدِّلَ الليلُ لا تسري كواكبه أم طال حتى حسبت النجم حيرانا
يَارُبَّ عائدةٍ بالغور لو شهدت عزت عليها بدير اللُّج شكوانا
إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيينن قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق اللَّه أركانا
يَارُبَّ غابطنا لو كان يطلبكم لاقى مباعدة منكم وحرمانا
أرينه الموت حتى لا حياة به قد كن دِنَّكَ قبل اليوم أديانا
طار الفؤاد مع الخود التي طرقت في النوم طيِّبة الأعطاف مبدانا
مثلوجة الريق بعد النوم واضعة عن ذي مثان يمج المسك والبانا
تستاف بالعنبر الهندي قاطعة هم الضجيع فلا دنياك دنيانا
بينا ترانا كأنا مالكون لها ياليتها صدَّقت بالحق رؤيانا
قالت تعَزَّ فإن القوم قد جعلوا دون الزيارة أبوابا وخُزَّانا
لما تبينت أن قد حيل دونهم ظلت عساكر مثل الموت تغشانا
[ ٣٠٩ ]
ماذا لقيت من الإظعان يوم منًى يتبعن مفتريًا بالبين ظعانا
أتبعتهم مقلة إنسانها غرق هل ما ترى تارك للعين إنسانًا
كأن أحداجهم تُحدَى مُقَفِّيةً نخل بِمَلْهَمَ أو نخل بقُرَّانا
يا أم عثمان ما تلقى رواحلنا لو قِسْتِ مصبحنا من حيث ممسانا
تخدي بنا نجب دَمَّى مناسِمها نقلُ الحزابي حِزَّانا فحزّانا
ترمي بأعينها نجدًا وقد قطعت بين السلوطح والروحان صوّانا
يا حبذا جبلُ الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا
وحبذا نفحات من يمانية تأتيك من قبل الريان أحيانا
هبت شمالًا فذكرى ما ذكرتكم عند الصفاة التي شرقي حورانا
هل يرجعنّ وليس الدهر مرتجعًا عيش بها طالما احْلَوْلَى وما لانَا
أزمان يدعونني الشيطان من غزل وكن يهوينني إذ كنت شيطانا
من ذا الذي ظل يغلي أن أزوركم أمسى عليه مليك الناس غضبانا
ما يَدَّري شعراء الناس ويلهمُ من صولة الخادر العادي بخفَّانا
جهلًا تمنى حُدائي من ضلالتهم فقد حدوتُهمُ مثنى ووحدانا
غادرتهم من حسير مات في قرن وآخرين نسو التهدار خصيانا
ما زال حبلي في أعناقهم مَرِسًا حتى اشتفيت وحتى دان من دانا
من يدعني منهم يبغي محاربتي فاستيقننَّ أُجِبْهُ غير وسنانا
[ ٣١٠ ]
ما عض نابي قومًا أو أقول لهم إياكم ثم إياكم وإيانا
قل للأخيطل لم تبلغ موازنتي فاجعل لأمك أير القَسِّ ميزانا
إني امرؤ لم أرد فيمن أنَاوِئه في الناس ظلمًا ولا للحرب إدهانا
أحمي حماي بأعلى المجد منزلتي من خِنْدِف والذرى من قيس عيلانا
قال الخليفة والخنزير منهزم ما كنت أول عبد مُحلبِ خانا
لاقى الأخيطل بالجولان فاقرة مثل اجتداع القوافي وَبْرَ هزّانا
يا خُزْر تغلب ماذا بال نسوتكم لا يستفقن إلا الديرين تَحنانا
لما روين على الخنزير من سَكرِ نادين يا أعظم القَسّيْنِ جُرْدانا
هل تتركن إلى القسين هجرتكم ومسحهم صلبهم رحمن قربانا
لن تدركوا المجد أو تشروا عباءتكم بالخز أو تجعلوا التَّنُوم ضمرانا
ومعنى البيت الذي سأل عنه الأمير المذكور الذي هو قوله:
هل تتركن إلى القسين هجرتكم ومسحهم صلبهم رحمن قربانا
أن جريرًا يذم الأخطل وقومه بني تغلب بأنهم على دين النصرانية، وأنهم يهاجرون إلى النصارى، ويتمسحون بصلبهم التي يعبدونها، ويدعون أنها ترحمهم وتقربهم إلى اللَّه. فقوله: "ومسحهم صلبهم" مصدر مضاف إلى فاعله، كَمُلَ عمله بمفعوله المنصوب، على حد قول ابن مالك في "ألفيته":
[ ٣١١ ]
وبعد جره الذي أضيف له كمل برفع أو بنصبٍ عمله
والمفعول المنصوب المذكور هو قوله: "صلبهم" وهو جمع صليب، والصليب: ما يعبده النصارى.
وقوله: "رخمن" يروى بالخاء المعجمة، والحاء المهملة، فعلى رواية الحاء المهملة فهو فعلان من الرحمة، والرحمن عندهم ما يعبدونه من دون اللَّه، لدعواهم الكاذبة أن عبادته سبب لرحمة اللَّه لهم. وعلى رواية الخاء المعجمة فهو من قولهم: "وقعت عليه رخمته" أي: محبته ولينه وعطفه، ومنه قول ذي الرمة:
كأنها أم ساجي الطرف أحدرها مستودع خمرَ الوعساء مرخوم
فقوله: "مرخوم" أي: ألقيت عليه رخمة أمه، بالخاء المعجمة، أي: رحمتها وحبها وعطفها.
فعلى رواية: "رخمان" فهو فعلان من الرخمة، بالخاء المعجمة، بمعنى الرحمة والحب والعطف.
وقوله: "قربانًا" القربان: هو ما يتقرب به إلى اللَّه تعالى، سواء كان معبودًا يعبد من دون اللَّه تعالى، كما في هذا البيت وكما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف/ ٢٨] أو كان شيئًا آخر يتقرب به إلى اللَّه، كما في قوله تعالى من قول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران/ ١٨٣]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ [المائدة/ ٢٧] الآية.
[ ٣١٢ ]
وقوله: "رحمان قربانا" يحتمل فيما يظهر وجهين من الإعراب:
أحدهما: أن "رحمان" بدل من قوله: "صلبهم"؛ لأن "الرحمان" المذكر هو عين الصليب المتقرب به إلى اللَّه عندهم، فهو تابع له مقصود بالنسبة بلا وساطة، كما هي عادة البدل، "وقربانا" بدل من "رحمان" بناء على جواز أن يكون من البدل بدل، كما قال به بعض المحققين، وأجروا عليه قوله تعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام/ ١٤٣] فإنه بدل من قوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ مع أن قوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ بدل من قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾.
أو كل من "رحمان" و"قربانا" بدل من قوله: "صلبهم"؛ لأن المراد بالرحمان والقربان عنده هو عين الصليب لا شيء آخر.
ونظير هدا الإعراب قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ لأن أحسن أوجه الإعراب فيه أن قوله: ﴿قُرْبَانًا﴾ هو المفعول الثاني لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ ومفعوله الأول الضمير المحذوف الذي هو الرابط بين الصلة والموصول الذي أشار ابن مالك للزومه بقوله:
وكلها تلزم بعده صلة على ضمير لائق مشتملة
وأشار إلى المراد حذفه في مثل الآية الكريمة بقوله:
. . . . . . . . . . والحذف عندهم كثير منجلي
في عائدٍ متصل إن انتصب بفعل أو وصف كمن نرجو يهب
والتقدير: فلولا نصرهم الذين اتخذوهم قربانًا، وقوله: "آلهة"
[ ٣١٣ ]
بدل من قوله: "قربانًا" كما قال غير واحد من المحققين.
وذكرنا أنه أحسن أوجه الإعراب في الآية المذكورة، ونظيره الإعراب الذي ذكرنا في البيت.
ولا يقدح في الإعراب الذي ذكرنا أن البدل الذي هو "الرحمن" مفرد، والمبدل منه الذي هو "صلبهم" جمع، والبدل المذكور بدل كل من كل، لا بدل بعضٍ من كل، لأن المراد بالرحمن المذكور في البيت جنس ما يعبدونه من دون اللَّه، ويزعمون أن عبادته سبب لرحمتهم، مع أن إطلاق المفرد وإرادة معنى الجمع لا نزاع فيه في العربية، وهو كثيرٌ في القرآن العظيم، وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ [القمر/ ٥٤]، فالمراد بالنهر: الأنهار، بدليل قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد/ ١٥] الآية.
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان/ ٧٤]، إذ المراد بالإمام: الأئمة، كما هو واضحٌ من سياق الكلام.
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان/ ٧٥]، لأن المراد بالغرفة: الغرف، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ/ ٣٧].
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران/ ١١٩] أي: بالكتب كلها، بدليل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة/ ٢٨٥].
[ ٣١٤ ]