فكان جوابنا في إيضاح الأقسام الثلاثة: أن المناط -بفتح الميم-: هو علة الحكم، والمناط في اللغة: مكان النوط، وهو تعليق الشيء على الشيء وإلصاقه به، كما قال حسان ﵁:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
وقال أبو تمام:
أحب بلاد اللَّه ما بين مَنْبِج إليَّ وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها
وسميت العلة مناطًا لربط الحكم بها وتعليقه عليها.
أما تنقيح المناط: فهو المسلك التاسع من مسالك العلة.
والتنقيح في اللغة: التهذيب والتصفية، وهو مأخوذ من تنقيح المنخل وهو إزالة ما يستغنى عنه، وإبقاء ما يحتاج إليه، وكلام منقح: أي لا حشو فيه.
وهذا المسلك التاسع المسمى "تنقيح المناط" هو تنقيح علة الحكم، أي تهذيبها وتصفيتها بإزالة ما لا يصلح للتعليل عما يصلح له، وهو ثلاثة أقسام، بناء على أن إلغاء الفارق قسم عنه وهو التحقيق، وعلى أن إلغاء الفارق مسلك عاشر.
فتنقيح المناط قسمان:
أحدهما: أن يدل ظاهر نص من كتاب أو سنة على التعليل بوصف، فيحذف المجتهد خصوص ذلك الوصف عن اعتبار الشارع
[ ١٥٩ ]
له، وينيط الحكم بالمعنى الأعم.
مثاله في القرآن قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء/ ٢٥]، فقد ألغوا خصوص الإناث في تشطير الحد، وأناطوه بالرق.
ومثاله من السنة قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "لا يقضي القاضي وهو غضبان". فإن ذكر الغضب مقرونًا بالحكم يدل بظاهره على التعليل بالغضب، لكن ثبت بالنظر والاجتهاد أنه ليس علة لذاته، بل لما يلازمه من التشويش المانع من استيفاء الفكر، فيحذف خصوص الغضب، ويناط النهي بالمعنى الأعم الذي هو التشويش المدهش عن الفكر، فيحرم القضاء مع كل ما يدهش عن الفكر كالعطش والجوع المفرطين، وكالحقن والحقب أعني مدافعة البول والغائط، ونحو ذلك من نزول مصيبة أو فرحٍ شديد، وغير ذلك.
ومن هذا القسم إيجاب مالك وأبي حنيفة رحمهما اللَّه الكفارة بالأكل والشرب عمدًا في نهار رمضان، وبيانه أنه جاء أعرابي للنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم يضرب صدره وينتف شعره ويقول: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "أعتق رقبة". فألغى مالك وأبو حنيفة رحمهما اللَّه خصوص مواقعة الأهل، وأناطا الكفارة بالإفطار عمدًا، لما فيه من انتهاك حرمة رمضان، فأوجبا الكفارة في الأكل والشرب.
والقسم الثاني من تنقيح المناط: هو أن تكون أوصاف في محل الحكم فيحذف بعضها عن الاعتبار، ويناط الحكم بالباقي من
[ ١٦٠ ]
الأوصاف، وحاصله: الاجتهاد في حذف بعض الأوصاف وتعيين بعضها للعلة.
وهذا القسم من تنقيح المناط هو بعينه السبر والتقسيم، وهو المسلك الرابع من مسالك العلة، فله اسمان: يسمى "السبر والتقسيم"؛ لأنه قسم منه، ويسمى "تنقيح المناط"؛ لأنه قسم منه، فبين "تنقيح المناط" من حيث هو وبين "السبر والتقسيم" من حيث هو عمومٌ وخصوصٌ من وجه؛ لاشتراكهما في هذا النوع المذكور آخرًا، وانفراد تنقيح المناط في النوع الأول من قسمي "تنقيح المناط" المذكورين، وانفراد "السبر والتقسيم" فيما إذا كان يتبين بالسبر أن الأوصاف المقسمة باطلةٌ كلها.
ويمثل لهذا القسم الأخير من قسمي "تنقيح المناط" الذي هو "السبر والتقسيم" بحديث الصحيحين المتقدم في المواقعة في نهار رمضان، ألغوا فيه كونه أعرابيًا يضرب صدره وينتف شعره، وكون الموطوءة زوجة، وكون الوطء في القبل؛ لأنها لا تصلح للتعليل، والباقي عند الشافعي هو المجامعة في نهار رمضان، وعند مالك وأبي حنيفة الإفطار عمدًا في نهار رمضان؛ لما فيه من انتهاك حرمته، فقد نقحاه مرتين، ونقحه الشافعي مرةً واحدةً.
فعلم من هذا أن أبا حنيفة ﵀ يستعمل "تنقيح المناط" في الكفارة، وإن كان يمنع القياس فيها.
وإلى هذين القسمين من "تنقيح المناط" أشار في "مراقي السعود" بقوله في تعريف "تنقيح المناط":
[ ١٦١ ]
وهو أن يجي على التعليل بالوصف ظاهر من التنزيل
أو الحديث فالخصوص يَطْرُدُ عن اعتبار الشارعِ المجتهدُ
وقال في القسم الثاني منه:
من المناط أن تجي أوصاف فبعضها يأتي له انحذاف
عن اعتباره وما قد بقيا ترتب الحكم عليه اقتفيا
وأما "إلغاء الفارق" فذهب بعضهم إلى أنه مسلك عاشر ليس قسمًا من "تنقيح المناط"، وعليه درج السبكي في "جمع الجوامع".
والتحقيق أن إلغاء الفارق قسم من "تحقيق المناط"، ويسمى حينئذٍ "تنقيح المناط وإلغاء الفارق"، وهو تبيين عدم تأثير الفارق المنطوق به في الحكم، فيثبت الحكم لما اشتركا فيه؛ لأنه إذا لم يفارق الفرع الأصل إلا فيما لا يؤثر، ينبغي اشتراكهما في المؤثر، فيلزم من ثبوت الحكم في الأصل ثبوته في الفرع.
وإنما قلنا: إن التحقيق أن "إلغاء الفارق" قسمٌ من "تنقيح المناط"، لأن حذف خصوص الوصف عن الاعتبار قد يكون بإلغاء الفارق، وقد يكون بدليل آخر، وهذا ظاهرٌ.
و"إلغاء الفارق" ينقسم إلى ظني وقطعي؛ فمثال القطعي منه إلحاق صب البول في الماء الراكد بالبول فيه في الكراهة، إذ لا فرق بين أن يبول فيه وبين أن يبول في إناء ثم يصب البول فيه، ومثال الظني منه إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق الثابت في حديث الصحيحين:
[ ١٦٢ ]
"من أعتق شركًا له في عبدٍ، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم العبد قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه، وإلا فقد عتق منه ما عتق"؛ فالفارق بين العبد والأمة الأنوثة، ولا تأثير لها في منع السراية، فثبتت السراية في الأنثى لأجل ما شاركت فيه العبد من الأحكام غير السراية. وإنما كان هذا المثال ظنيًّا؛ لأنه قد يتخيل فيه احتمال اعتبار الشارع في عتق العبد استقلاله في جهادٍ وجمعةٍ وغيرهما مما لا مدخل للأنثى فيه.
وإلى كون "إلغاء الفارق" قسمًا من "تنقيح المناط" أشار إليه في "مراقي السعود" بقوله:
فمنه ما كان بإلغا الفارق وما بغيرٍ من دليل رائق
وأما "تخريج المناط" فهو المسلك الخامس من مسالك العلة، واسمه عند بعض الأصوليين "تخريج المناط"، وهو ما درج عليه ابن الحاجب، واسمه عند بعضهم "المناسبة والإخالة"، وهو ما درج عليه صاحب "جمع الجوامع"، والقائل بهذا القول الأخير يقول: "تخريج المناط" هو استخراج المجتهد أي استنباطه المسلك الذي هو المناسبة والإخالة.
والتحقيق جواز كل من الأمرين، فالذي يقول: إن المسلك هو نفس المناسبة لا استخراجها -كالسبكي- قوله وجيهٌ جدًّا؛ لأن المسلك دليل العلة، وشأن الدليل كما هو جلي أن يكون ثابتًا في نفسه مع قطع النظر عن نظر المستدل فيه سابق الوجود عليه. والذي يقول: إن استخراج المناسبة الذي هو "تخريج المناط" هو المسلك أي الطريق
[ ١٦٣ ]
الذي يعرف به كون الوصف علة للحكم -كابن الحاجب- قوله صحيحٌ أيضًا.
فيصح إطلاق المسلك على كلٍ من "المناسبة" ومن "تخريج المناط"؛ لأن المراد بالمسلك ما أثبت العلية، ونسبة إثباتها لكل منهما صحيحة، لأن المناسبة دليلٌ، والتخريج إقامة ذلك الدليل، وكل منهما يصح أن ينسب إليه المسلكية.
وقد ارتكب السبكي في المسلك الرابع الذي هو "السبر والتقسيم" نظير ما ارتكبه ابن الحاجب في المسلك الخامس الذي هو "المناسبة والإخالة" عند السبكي، و"تخريج المناط" عند ابن الحاجب.
وإيضاحه أن السبكي في "جمع الجوامع" فسر المسلك الرابع الذي هو "السبر والتقسيم" بالحصر والإبطال، وهما فعلان للمجتهد، كما أن استخراج المناط الذي فسَّر به ابن الحاجب المسلك الخامس فعل للمجتهد أيضًا.
والمناط: العلة. وتخريجها: استنباطها.
والمناسبة لغة: الملاءمة أي الموافقة، وقيل: المقاربة. والإخالة -بكسر الهمزة وبالخاء المعجمة- مِنْ خَالَ بمعنى ظنَّ، سميت مناسبة الوصف للحكم بالإخالة لأن بالنظر إلى ذاتها يُخال أي يُظَنُّ عِلِّيَّةُ الوصف للحكم.
والمناسبة في الاصطلاح: ملاءمة خاصة هي فرد من أفراد المعنى اللغوي. وعليه، فالمناسب المأخوذ منها -أي من المناسبة
[ ١٦٤ ]
الاصطلاحية- هو الوصف المناسب الذي استلزم ترتب الحكم عليه جلب مصلحة أو درء مفسدة، ويدخل في المفسدة المشقة، والمصلحة لذة أو وسيلتها، والمفسدة ألم أو وسيلته، وكلاهما نفسي أو بدني، دنيوي أو أخروي.
قال في "التنقيح": والمناسب ما تضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، فالأول كالغنى علة وجوب الزكاة. والثاني كالإسكار علة تحريم الخمر. انتهى.
فيلزم على ترتب وجوب الزكاة على الغنيِّ المقصودُ الذي هو سد خلة الفقراء، ومن ترتب تحريم الخمر على الإسكار المقصودُ الذي هو حفظ العقل الموجب زواله للوقوع في كثير من المهالك.
و"تخريج المناط" الذي هو نفس المسلك عند ابن الحاجب، واستخراجه عند السبكي، معناه: تعيين المجتهد العلة بإبداء مناسبة بين العلة المعينة والحكم، مع الاقتران بينهما في دليل حكم الأصل، ومع السلامة للوصف المعين من قوادح العلية، والاقتران معتبر في كون الوصف المناسب علة لا في كون الوصف مناسبًا.
وصورته أن يحكم الشارع في صورة بحكم ولا يتعرض لبيان علته، فيبحث المجتهد عن علة ذلك الحكم ويستخرج ما يصلح مناطًا له، كالإسكار في حديث مسلم. "كل مسكر حرام"؛ فهو لإزالة العقل المطلوب حفظه مناسب للحرمة، وقد اقترن بها في دليل الحكم، وهو الحديث المذكور، وسلم من القوادح.
[ ١٦٥ ]
وقولنا: "تعيين المجتهد العلة بإبداء مناسبة" احترزنا به عن تعيين العلة بالطرد، أو الشبه، أو الدوران، أو الوصف المستبقى في السبر، وباعتبار المناسبة في هذا المسلك يمتاز عن ترتب الحكم على الوصف الذي هو من أقسام الإيماء الذي هو المسلك الثالث، وإن اشتركا في ارتباط الحكم بالوصف في كل منهما، فحديث مسلم المذكور فيه الإيماء من جهة ترتيب الحكم على الوصف، ولو فرضنا عدم ظهور المناسبة بينهما على مذهب الأكثر من عدم اشتراطها، وفيه المناسبة -أي النوع المسمى بها- من جهة ظهور المناسبة الخاصة.
والسلامة عن القوادح قيدٌ في تسمية التعيين المذكور بتخريج المناط بحسب الواقع، لا للاعتداد به، إذ كل مسلك لا يتم بدون السلامة من القوادح، فالسلامة عنها جزء من مسمى هذا المسلك الذي هو المناسبة أو تخريج المناط، أما بالنسبة إلى غيره من المسالك فشرطٌ خارجٌ عن المسمى.
وما ذكرنا في تفسير المناسبة اصطلاحًا هو الصحيح من أقوال متقاربة ذكرها صاحب "جمع الجوامع".
واعلم أن الوصف المناسب المذكور لابد من تحقيق استقلاله بالعلية، وذلك بنفي غيره من الأوصاف، بألا يوجد مثله ولا ما هو أولى منه بالسبر والتقسيم.
وإلى جميع هذا التحقيق المذكور في "تخريج المناط" أشار في "مراقي السعود" بقوله:
[ ١٦٦ ]
ثم المناسبة والإخالة من المسالك بلا استحالة
ثم بتخريج المناط يشتهر تخريجها وبعضهم لا يعتبر
وهو أن يعين المجتهد لعلة بذكر ما سيرد
من التناسب الذي مَعْهُ اتضح تقارنٌ والأمن مما قد قدح
وواجبٌ تحقيق الاستقلال بنفي غيره من الأحوال
ثم المناسب الذي تضمنا ترتب الحكم عليه ما اعتنى
به الذي شرَّع من إبعاد مفسدة أو جلب ذي سداد
وقوله: "وبعضهم لا يعتبر" يشير به إلى إنكار الظاهرية ومن تبعهم لتخريج المناط.
قال مقيد هذه الرحلة عفا اللَّه عنه وغفر له: الفرق بين هذا المسلك الخامس الذي هو "المناسبة"، أو "تخريج المناط" وبين المسلك الرابع الذي هو "السبر والتقسيم" متعسر جدًّا، إن لم يكن متعذرًا على الذهن السليم.
وإيضاحه أن "السبر والتقسيم" مركبٌ من أمرين، وهما: التقسيم والسبر، أي حصر أوصاف الحكم، وإبطال ما لا يصلح منها للعلة، وإبقاء الصالح لها. وصلاحية الوصف للتعليل إنما تكون بمناسبته، والمسلك المسمى "بالمناسبة" لابد فيه من تحقيق استقلال الوصف المناسب بالعلية بنفي المناسبة عن غيره من الأوصاف، بألا يوجد مثله أو أولى منه، وطريق ذلك إنما هو السبر والتقسيم، فيظهر اتحاد
[ ١٦٧ ]
المسلكي، ويعسر الفرق.
وحاول صاحب "مراقي السعود" في شرحه له المسمى "نشر البنود" حَلَّ هذا الإشكال بما نصه: وبحث في "الآيات البينات" بأنه قد يشكل الاحتراز المذكور بأن ما ذكر من الوصف المستبقى في السبر والمدار في الدوران، وغيرهما من الأوصاف، قد يشتمل على "المناسبة"، ويحصل من ترتيب الحكم عليه ما ذُكِر. وغاية الأمر أن تلك المسالك لم يعتبر فيها "المناسبة" في دلالتها على العلية، وذلك لا ينافي حصول المناسبة لتلك الأوصاف، اللهم إلا أن يريدوا أن الأوصاف المثبتة عليتها بتلك المسالك لا يحصل من ترتيب الحكم عليها ما ذُكِر، فلو اشتملت على مناسبة لكان حصول ما ذكر من ترتيب الحكم عليه باعتبار مسلك "المناسبة"، لا تلك المسالك الأخرى. انتهى فانظره، واللَّه تعالى أعلم.
وأما "تحقيق المناط" فهو إثبات العلة المتفق عليها في الفرع، فالمختلفون في "تحقيق المناط" متفقون في علة الحكم.
وإيضاحه بمثاله، اختلافهم في النَّباش الذي ينبش القبور ويأخذ الأكفان، هل هو سارقٌ تقطع يده، أم لا؟ فبعضهم يقول: المناط -أي العلة التي هي السرقة- موجودةٌ محققة في النَّباش؛ لأخذه مالًا خفيةً من حرز مثله، فيقطع، والإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: لا يقطع؛ لأنه غير سارق، فلا يسلِّم أن المناط الذي هو السرقة موجود في النباش. والكل متفق على أن السارق تقطع يده، وإنما اختلفوا في تحقيق السرقة.
[ ١٦٨ ]