غيره كافيًا. والحمد للَّه رب العالمين.
ثم سألنا عن تعيين ناسخ آية الوصية للوالدين والأقربين.
قلت له: كان هذا مشكلًا عليَّ في زمن درسي فن أصول الفقه إشكالًا قويًا، ووجه إشكاله أنه لم يدَّع أحدٌ فيما وقفت عليه ناسخًا لهذه الآية الكريمة غير ثلاثة أمور:
أحدها: أنها منسوخة بحديث "لا وصية لوارث".
الثاني: أنها منسوخة بآيات الميراث.
الثالث: أنها منسوخة بالإجماع.
ووجه الإشكال أنَّ هذه الأمور الثلاثة لا يصح النسخ بواحدٍ منها حسب ما قرره علماء الأصول.
أما حديث "لا وصية لوارث" فلم يكن متواترًا، والصحيح عند جمهور الأصوليين أن نسخ الكتاب بالسنة لا يصح إلا إذا كان متواترة. والشافعي يقول: لا ينسخ الكتاب بالسنة أصلًا، بل بكتاب عاضد لها كالعكس. قال في "مراقي السعود":
والنسخ بالآحاد للكتاب ليس بواقع على صواب
والتواتر يشترط عندهم في جميع طبقات السند، فلو تواتر في بعضها ولم يتواتر في بعضها فهو خبر آحاد. قال في "مراقي السعود":
وأوجبن في طبقات السند تواترًا وفقًا لدى التعدد
[ ٧٦ ]
فإذا كان حديث "لا وصية لوارث" ليس بمتواتر، ونسخ القرآن بغير المتواتر ليس بواقعٍ عند جمهور الأصولين، فادعاء نسخ الآية المذكورة بالحديث المذكور مشكل، وادعاء بعضهم إمكان تواتره قيل: لا تقوم به حجة؛ لاشتراط التواتر في جميع طبقات السند.
وأما آيات المواريث فإنها لا تنافي الوصية حتى يكون ثبوتها رافعًا لها؛ لأن النسبة التي بين الوصية والميراث التباين الخلافي، والخلافان يصح اجتماعهما عقلًا، كالكلام والقعود، وشرعًا ككون الوالد يرث وبره واجب، والناسخ والمنسوخ لابد أن تكون بينهما مناقضة بحيث يكون ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر، كالنقيضين والضدين والمتضائفين والعدم والملكة، وإن كان الغالب كونهما نقيضين، أو ضدين فقط، وبالجملة فالميراث يجامع الوصية إذ ليس ثبوته يقتضي رفعها، وإذا كان ثبوت الأمر الجديد لا يقتضي رفع الأمر الأول، فكيف يعقل كونه ناسخًا له؟
وما أجاب به المحرر العبادي في حاشيته المسماه "الآيات البينات" من أن حديث "لا وصية لوارث" وإن كان خبر آحاد، فقد اعتضد بموافقة الإجماع له، للإجماع على نسخ آية الوصية للوالدين والأقربين، فصار بسبب اعتضاده بالإجماع كالمتواتر، فلذا صح نسخ الآية به = فهو جوابٌ ليس فيه عندي مَقْنَع؛ لأمرين:
الأول: أن الإجماع الذي ذكر ليس ثابتًا، بل خالف فيه كثيرٌ من العلماء.
والثاني -على تسليم الإجماع جدليًّا- هو: ما صححه الأصوليون -
[ ٧٧ ]
من ثلاثة أقوال- من أن موافقة الإجماع لخبر الآحاد لا تصيره قطعيَّ المتن، وحاصل الأقوال عندهم في ذلك ثلاثة:
الأول: ما ذكرنا. وهو الصحيح عند الجمهور.
الثاني: أنه يصير قطعيًّا بسبب اعتضاده بالإجماع.
الثالث: إذا صرح المجمعون بأن ذلك الخبر هو مستندهم في إجماعهم أفاد القطع؛ لعصمة إجماع الأمة، وإلا فلا.
قلت: وهذا القول الأخير وجيهٌ جدًّا، وإن صححوا غيره، وإلى هذا الخلاف أشار في "مراقي السعود" بقوله:
ولا يفيد القطع ما يوافق الاجماع والبعض بقطع ينطق
وبعضهم يفيد حيث عولا عليه. . . . . . . . . . . .
فإذا كان الصحيح عندهم أن موافقة الإجماع لخبر الآحاد لا تصيره قطعيًا، والعبادي ممن يسلم ذلك، ظهر سقوط جوابه.
وأما الإجماع فلا يصح النسخ به شرعًا؛ لأنه لا ينعقد إلا بعد وفاته صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وبعدها يستحيل النسخ لانقطاع التشريع.
والذي يظهر أن حلَّ هذا الإشكال يتعين فيه وجهٌ واحدٌ، وهو أن الناسخ لآية الوصية للوالدين والأقربين هو آيات الميراث، وحديث "لا وصية لوارث" بيان للناسخ، وبضميمة هذا البيان يكون الميراث رافعًا للوصية، لأنه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم إذا بَيَّنَ عن اللَّه تعالى أن
[ ٧٨ ]