وما يلي المضاف يأتي خلفًا عنه في الاعراب إذا ما حذفا
ومثال تغير الإعراب بزيادة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى/ ١١] على القول بزيادة الكاف لتأكيد نفي التشبيه.
ثم سألنا بعض طلبة العلم هل عثرنا على نص من كتاب أو سنة يفهم منه وجود دولة لليهود في آخر الزمان؟
فكان جوابنا أن قلنا له: إنه ثبت في الصحيح عن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم ما يدل بالدلالة المعروفة عند الأصوليين بدلالة الإشارة على وجود دولة لهم في آخر الزمان.
أما النص الذي دلَّ على ذلك بدلالة الإشارة فقوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائى فاقتله" رواه البخاري بهذا اللفظ، ومسلم عن أبي هريرة ﵁. وقد أخرج هذا الحديث البخاري في كتاب الجهاد والسير في باب قتال اليهود، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة في باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.
ومثل الحديث المذكور قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "تقاتلون اليهود فتسلطون عليهم حتى يختبئ أحدهم وراء الححر، فيقول الحجر: يا عبد اللَّه هذا يهودي ورائي فاقتله" رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄. أما البخاري فقد أخرجه في كتاب الجهاد في باب قتال اليهود، وأما مسلم فقد أخرجه في كتاب الفتن مختصرًا.
[ ٢٦٦ ]
فهذا نصر صحيحٌ من النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم أنه لابد من قتال المسلمين واليهود حتى تكون عاقبة النصر والظفر للمؤمنين.
والمقاتلة بحسب الوضع اللغوي تقتضي وجود القتال من طائفتين مقتتلتين؛ لأن المفاعلة تقتضي الطرفين وضعًا، ومنه قوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "تقاتلون اليهود"، [فدلَّ] على وجود جنسٍ مقاتَلٍ من اليهود، وذلك إنما يكون من طائفة متحدة الكلمة تحت طاعة أمير يقاتل بهم.
وذلك هو معنى دلالة الحديث على وجود دولة لهم في آخر الزمان، لأنهم لو كان دائمًا عليهم مضمون قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف/ ١٦٨] وكانوا متفرقين غير مجتمعين أبدًا تحت أمير على كلمةٍ واحدةٍ ما صح قتالهم مع المسلمين الذي نص عليه الرسول صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في الحديث الصحيح.
فإذا حققت ذلك فاعلم أن دلالة الإشارة في اصطلاح الأصوليين هي دلالة اللفظ على معنى ليس مقصودًا منه بالأصل، بل بالتبع؛ لأن ذلك المعنى لازم للمعنى المقصود من اللفظ، كدلالة قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة/ ١٨٧] المُغَيَّى بغايةٍ هي تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، أعني قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة/ ١٨٧] الآية = على صحة صوم من أصبح جنبًا؛ للزومه للمقصود به من جواز جماعهن ليلة الصيام إلى آخر جزء منها، بحيث لا يبقى بعد ذلك الجزء المجامَع فيه جزءٌ من الليل أصلًا حتى يغتسل فيه قبل النهار، فلزم جواز إصباحه
[ ٢٦٧ ]
جنحًا، وصحة صوم من أصبح جنحًا.
فالمقصود بلفظ النص المذكور إباحة الجماع في ليلة الصيام إلى انتهائها، ولم يقصد باللفظ صحة صوم من أصبح جنبًا؛ إلا أنها لازمة للمقصود باللفظ؛ لأنه إذا جاز له الجماع في جزء الليل الأخير الذي ليس بعده إلا النهار لزم كونه جنبًا في النهار، فدل بالإشارة على صحة صوم من أصبح جنبًا.
ومن دلالة الإشارة أخذ علي ﵁ كون أقل الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف/ ١٥] مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان/ ١٤] وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة/ ٢٣٣]؛ لأن ثلاثين شهرًا التي هي أمد الحمل والفصال إذا أسقط منها العامان اللذان هما أمد الفصال بأربعة وعشرين شهرًا بقي للحمل ستة أشهر هي باقي الثلاثين.
فإذا حققت ذلك فقوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود" المقصود منه أن قتال اليهود والمسلمين واقعٌ لا محالة، إلا أن هذا المعنى المقصود بالنص يلزمه كون اليهود فئةً متحدة الكلمة، تحت إمارة أمير يقاتل بهم، وذلك هو معنى وجود حكومة منهم في آخر الزمان، دل عليها النص بالإشارة.
وكثيرًا ما يتعسر على بعض العصريين حقيقة الفرق بين دلالة الإشارة ودلالة الاقتضاء ودلالة الإيماء والتنبيه، وربما أشكل على بعض الحذاق الفرق بين هذه الدلالات على القول بأنها من المنطوق
[ ٢٦٨ ]