فأجبته بأن "تُبْلِي" بمعنى تُهْلِك، من قولهم: أبلاه الدهر إذا أهلكه، والضمير في قوله: "تُبْلِي" راجع إلى المنون في بيت قبله، وهو قوله:
فتلك خطوب قد تملت شبابنا قديمًا فتبلينا المنون وما نُبْلِي
ومعنى البيت المسئول عنه: "وتُبْلِي" -أي تُهْلِك- المنونُ التي هي الموت، "الألى" جمع "الذي"، وهي هنا جمع مذكر عاقل بدليل قوله: "يستلئمون"، وقوله: "يستلئمون" يلبسون لأمة حربهم كالدروع، وقوله: "على الألى" جمع "التي" فهو جمع مؤنث، بدليل قوله: "تراهن"، و"الروع" الخوف، و"الحِدَأ" جمع حدأة كعنب وعنبة، والحدأة: طائر معروف يختطف اللحم من أيدي الناس و"القُبْلِ" جمع قبلاء كحمر وحمراء، والقبلاء المتصفة بالقَبَل بفتحتين وهو الحول في العين، والحدأة إذا أرادت الانقضاض صارت تنظر بمؤخر عينها كنظر الأحول.
وحاصل معنى البيت: أن المنون -وهي الموت- تهلك الرجال
[ ١٣٩ ]
الذين يلبسون لأمة حربهم دوق ظهور الخيل التي هي في سرعة جريها والتفاتها مثل سرعة الحدأ في انقضاضها.
والبيت شاهد للنحويين على أن "الألى" تكون جمع "الذي" و"التي"، وقوله: "الألى يستلئمون" بمعنى الذين يستلئمون، وقوله: "على الألى تراهن" أي على اللاتي تراهن، وإتيان "الألى" لكل منهما كثيرٌ في كلام العرب، فمنه في التذكير قول عبيد بن الأبرص الأسدي:
نحن الألى فاجمع جمو عك ثم وجههم إلينا
ومنه في تأنيث العاقل قول حميد بن ثور الهلالي أو غيره:
فأما الألى يسكنَّ غور تهامة فكل فتاة تترك الحجل أفصما
وقول مجنون ليلى:
محا حبها حب الألى كن قبلها وحلمت مكانًا لم يكن حل من قبل
ومنه في تأنيث غير العاقل قول الشاعر:
تهيجني للوصل أيامنا الألى مررن علينا والزمان وريق
ثم جاءني طالب من طلبة العلم في المعهد المذكور، وقال لي: بَيِّنْ المعاني التي تاتي لها لفظة "ما". فزجره بعض الأساتذة، وقالوا له: لا تضيعوا علينا هذه الفرصة بمثل هذه الأسئلة التي لا يحتاج لها، لظهورها عند صغار الطلبة، ومنعوه من السؤال رغبة عنه إلى ما هو أهم منه.
ثم سألني القاضي الشرعي في "أم درمان" -وهو إذ ذاك الشيخ
[ ١٤٠ ]