قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني شريح بن عبيد قال: "ذكر [أهل] (٢) الشام عند علي بن أبي طالب فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين قال: لا؛ إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الأبدال يكونون بالشام وهم [أربعون] (٣) رجلًا، كلما مات رجل بدل الله مكانه رجلًا فيستقي بهم الغيث وينصر بهم عَلَى الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب".
شريح بن عبيد شامي، معروف، قيل: إنه لم يسمع من علي، لكنه أدركه فإنَّه يروي عن عقبة بن عامر، وفضالة بن عبيد، ومعاوية، وغيرهم.
ورُوي عن علي من وجه آخر:
من رواية [ابن لهيعة] (٤) حدثني عياش بن عباس عن عبد الله بن زرير عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - ﷺ - قال: "يكون في آخر الزمان فتنة، (يخلص) (٥) فيها الناس كما (يخلص) (٥) الذهب في المعدن، فلا تسبوا أهل الشام، ولكن سبوا شرارهم؛ فإنَّه فيهم الأبدال، يوشك أن يرسل عَلَى أهل الشام سَبب من السماء فيفرق جماعتهم، حتى لو قاتلتهم الثعالب غلبتهم، فعند ذلك
_________________
(١) (١/ ١١٢).
(٢) زيادة من المسند.
(٣) في الأصل [أن يقعد] والتصويب من المسند (١/ ١١٢).
(٤) في الأصل: "ابن ربيعه" والتصويب من المعجم الأوسط.
(٥) هكذا في الأصل وكتب في الهامش: "بمهملة: يحصل" وهو الموافق لما في المعجم الأوسط، والمعنى واحد.
[ ٣ / ٢١٤ ]
يخرج خارج من أهل بيتي في ثلاث رايات، المكثر يقول: هم خمسة عشر ألفًا، والمقل يقول: هم اثنا عشر ألفًا، أمارتهم: أمت أمت، يلقون سب رايات، تحت كل راية منها رجل يطلب الملك، فيقتلهم الله جميعًا، ويرد الله إِلَى المسلمين ألفتهم ونعمتهم وقاصيهم ودانيهم".
خرجه الطبراني (١).
وقد روى ذكر الأبدال عن علي موقوفًا، وهو أشبه.
روى أبو صالح حدثني أبو شريح أنَّه سمع الحارث بن يزيد يقول: حدثني عبد الله بن زرير الغافقي أنَّه سمع علي بن أبي طالب يقول: "لا تسبوا أهل الشام؛ فإن فيهم الأبدال وسبوا ظلمتهم".
وروى الفرج بن فضالة، حدثنا عروة بن رويم اللخمي عن رجاء بن حيوة عن الحارث بن جبريل عن علي بن أبي طالب قال: قال علي بن أبي طالب: إلا تسبوا أهل الشام".
وروى سفيان بن عيينة حدثنا زياد بن سعد عن الزهري عن أبي عثمان بن [سَنَّة] (٢) قال: قام رجل فسب أهل الشام فَقَالَ: [علي ﵁] (٣) إلا تسبوهم جمًّا غفيرًا، فإن فيهم الأبدال".
وروى عبد الرزاق (٤) عن معمر عن الزهري عن عبد الله بن صفوان، قال: "قال رجل يوم صفين: اللهم العن أهل الشام! فَقَالَ علي: لا تسبوا أهل الشام جمًّا غفيرًا؛ فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال".
ورواه ابن المبارك ومحمد بن كثير المصيصي عن معمر فقالا: عن الزهري
_________________
(١) في الأوسط برقم (٣٩٠٥). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن لهيعة إلا زيد بن أبي الزرقاء.
(٢) في الأصل "شبَّة" والتصويب من تاريخ دمشق (١/ ٣٢٤).
(٣) زيادة من تاريخ دمشق (١/ ٣٢٤). وأخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٠٥).
(٤) "كما في الجامع لمعمر بن راشد" برقم (٢٠٤٥٥).
[ ٣ / ٢١٥ ]
عن صفوان بن عبد الله بن صفوان عن علي فذكره.
وكذا رواه صالح بن كيسان عن الزهري عن صفوان بن عبد الله.
ورواه الأوزاعي عن الزهري فأرسله عن علي، ولم يذكر بينهما أحدًا.
وروى يعقوب بن سفيان (١)، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك عن عثمان بن أبي زرعة، عن أبي صادق، قال: "سمع [علي] (٢) رجلًا وهو يلعن أهل الشام فَقَالَ: علي: لا تعم؛ فإن فيهم الأبدال".
وروى يعقوب بن شيبة في مسنده، حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال: خطبنا علي فذكر الخوارج، فقام رجل فلعن أهل الشام، فَقَالَ له علي: ويحك؟ لا تعمم إن كنت لاعنًا فلانًا فلانًا، وأشياعه، فإن فيهم الأبدال، ومنك الغضب" (٣).
ويروى عن وكيع [عن] (٤) فطر عن أبي الطفيل عن علي قال: "الأبدال بالشام، والنجباء بالكوفة".
وروى إسحاق بن إبراهيم الأزدي عن فطر عن أبي الطفيل قال: قال علي: [إذا قام قائم آل محمد جمع له أهل المشرق وأهل المغرب، فيجتمعون كما يجتمع قرع الخريف، فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الأبدال فمن أهل الشام".
وروى ابن لهيعة عن خالد بن يزيد السكسكي عن سعيد بن أبي هلال عن علي قال: "النجباء بمصر، والأبدال بالشام وهم قليل".
وقال كعب: "الأبدال ثلاثون". وهذا منقطع.
ورواه عن الليث بن سعد، عن عياش بن عباس، عن علي، وهو أيضًا منقطع.
_________________
(١) في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٣٠٥).
(٢) في الأصل "عليًّا" والمثبت هو الصواب لغويًّا.
(٣) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١/ ٢٨٤).
(٤) في الأصل "بن" والتصويب من تاريخ دمشق.
[ ٣ / ٢١٦ ]
ورُوي عن علي من وجوه أخر، فهذا الأثر صحيح عن علي - ﵁- من قوله.
وقد رُوي [مرفوعًا] (١) من غير حديث علي أيضًا من رواية عمرو بن واقد حدثنا يزيد بن أبي مالك عن شهر بن حوشب قال: "لما فتح معاوية مصر، جنح أهل مصر يسبون أهل الشام، فَقَالَ عوف - وأخرج وجهه من برنسه-: يا أهل مصر، أنا عوف بن مالك: لا تسبوا أهل الشام؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: فيهم الأبدال، وبهم يرزقون، وبهم ينصرون" عمرو بن واقد فيه ضعف.
ورُوي من حديث أنس من طريق العلاء بن زيدل (٢) عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: "البدلاء أربعون: اثنان وعشرون بالشام، وثمانية عشر بالعراق، كما مات منهم واحد أبدل الله مكانه آخر، فَإِذَا جاء الأمر قبضوا كلهم فعند ذلك تقوم الساعة".
العلاء بن زيد متروك.
ورُوي من وجه آخر من طريق يزيد الرقاشي، وهو ضعيف جدًّا من قبل حفظه، عن أنس عن النبي ﷺ: "دعائم أمتي عصائب اليمن [و] (٣) أربعون رجلًا من الأبدال بالشام، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا، أما إنهم لم [يبلغوا] (٤) ذلك بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصيحة للمسلمين".
وقد رُوي في ذلك آثار موقوفة كثيرة.
_________________
(١) في الأصل: "موقوفًا" والسياق يدل عَلَى المثبت.
(٢) هكذا بالأصل وهو صواب، قال الحافظ في التقريب: العلاء بن زيد، ويقال: زيدل بزيادة "لام" الثقفي، أبو محمد البصري، متروك، ورماه أبو الوليد بالكذب.
(٣) زيادة من تاريخ دمشق (١/ ٢٧٩).
(٤) في الأصل "يبلغون" والمثبت هو الصواب نحويًّا -مجزوم بلم.
[ ٣ / ٢١٧ ]
فروى سيف بن عمر -وفيه ضعف- عن ابن عمر، وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان الشام قد أقبل فإذا أقبل جند من اليمن، وممن بين المدينة واليمن، فاجتاز أحدهم بالشام. قال عمر: يا ليت شعري عن الأبدال هل مرت بها الركبان (١).
ورواه سيف من طريق آخر منقطع عن عمر.
وروى عيسى بن يونس عن هشام عن من سمع الحسن يقول: لن تخلو الأرض من سبعين صِدِّيقًا، وهم الأبدال، لا يهلك منهم رجل إلا أخلف مكانه مثله، أربعون بالشام، وثلاثون في سائر الأرضين.
وروى إسماعيل بن عياش حدثتني أم عبد الله بن خالد بن معدان عن أبيها، قال: قالت الأرض للرب -﷿-: كيف تدعني وليس عَلَى نبي؟! قال: سوف أدع عليك أربعين صِدّيقًا بالشام.
وروى زيد بن الحباب، حدثنا معاوية - أُراه عن [أبي] (٢) الزاهرية قال: قال الأبدال ثلاثون رجلًا بالشام بهم يجأرون، وبهم يرزقون، فإذا مات رجل أبدل الله -﷿- مكانه.
وروى بقية [عن الوليد بن كامل البجلي] (٣) قال: سمعت الفضيل بن فضالة يقول: إن الأبدال بالشام من حمص خمسة وعشرون رجلًا، ومن دمشق ثلاثة عشر رجلًا، ونبيان اثنان.
ورُوي عن رجاء بن [حيوة] (٤) أنَّه بلغه أن ببيسان [رجلين] (٥) من الأبدال.
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١/ ٢٨٤).
(٢) في الأصل "ابن" والتصويب من تاريخ دمشق (١/ ٢٨٦).
(٣) في الأصل: "أن الوليد أن كامل البجلي" والتصويب من تاريخ دمشق (١/ ٢٨٦).
(٤) في الأصل: "حياة" والتصويب من تاريخ دمشق (١/ ٣٢٣).
(٥) في الأصل (رجالي) وما أثبته من تاريخ دمشق (١/ ٣٢٣).
[ ٣ / ٢١٨ ]
وعن الحسن بن يحيى الخشني قال: بدمشق من الأبدال سبعة عشر نفسًا، وببيسان أربعة.
وعنه قال: بدمشق من الأبدال خمسة، وأربعة ببيسان.
وروى ابن أبي خيثمة في "تاريخه" حدثنا هارون بن معروف، نا ضمرة، عن ابن شوذب قال: الأبدال سبعون، فستون بالشام، وعشرة بسائر الأرضين (١).
وقال ضمرة عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه: الأبدال أربعون إنسانًا.
قلت: أربعون رجلًا، قال: لا تقل: أربعون رجلًا، قل: أربعون إنسانًا، لعل فيهم نساء.
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: الأبدال بالشام، والنجباء بمصر، والعُصَب باليمن، والأخيار بالعراق.
وروى ابن أبي الدُّنْيَا (٢) عن هارون بن عبد الله عن سيار عن جعفر بن سليمان، حدثنا شيخ من أهل صنعاء من جلساء وهب بن منبه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام، فقلت: يا رسول الله: أين بدلاء أمتك؟ فأومأ بيده نحو الشام، فقلت: يا رسول الله، أما بالعراق منهم أحد؟ قال: بلى، محمد بن واسع، وحسان بن أبي سنان، ومالك بن دينار، الَّذِي يمشي في الناس بمثل زهد أبي ذر في زمانه.
وقد رويت أحاديث كثيرة في الأبدال لا تخلو من ضعف في أسانيدها، وبعضها موضوع، ولكن ليس فيها ذكر الشام، فلم نذكرها لذلك، وفي بعضها أن أعمالهم أنهم يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إِلَى من أساء إليهم، ويواسون فيما أتاهم الله ﷿.
وقد رُوي ذكر الأبدال عن الحسن وقتادة وغيرهم من السَّلف.
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١/ ٢٨٦).
(٢) في "المنامات" (١٣٤).
[ ٣ / ٢١٩ ]
وفي مراسيل ابن أبي رباح عن النبي ﷺ قال: "الأبدال من الموالي".
خرجه الترمذي (١).
ومن أحسن ما ورد في وصفهم:
ما رواه ابن أبي الدُّنْيَا (٢) حدثنا أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس حدثنا عثمان (٣) بن مطيع، حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال أبو الزناد: لما ذهبت النبوة وكانوا أوتاد الأرض، أخلف الله مكانهم أربعين رجلًا من أمة محمد - ﷺ - يقال لهم: الأبدال، لا يموت الرجل منهم حتى ينشئ الله مكانه آخر يخلفه، وهم أوتاد الأرض، قلوب ثلاثين منهم عَلَى مثل يقين إبراهيم -﵇- لم يفضلوا الناس بكثرة الصلاة ولا بكثرة الصيام، ولا بحسن التخشع، ولا بحسن الحلية، ولكن بصدق الورع، وحسن النية، وسلامة القلوب، والنصيحة لجميع المسلمين ابتغاء مرضاة الله، بصبر وخير، ولب حليم، وبتواضع في غير مذلة، واعلم أنهم لا يلعنون شيئًا، ولا [يزدرون] (٤) أحدًا فوقهم، ولا يتطاولون عَلَى أحد تحتهم، ولا يحقرون، ولا يحسدون، ليسوا بمتخشعين ولا متماوتين ولا معجبين ولا يحبون الدُّنْيَا، ليسوا اليوم في خشية وغدًا في غفلة.
وروى إبراهيم بن هانئ عن الإمام أحمد قال: إن لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال، فلا أدري من هم.
ومراده بأصحاب الحديث من حفظ الحديث وعلمه وعمل به، فإنَّه نص أيضًا عَلَى أن أهل الحديث من عمل بالحديث لا من اقتصر على طلبه.
ولا ريب أن من علم سنن النبي ﷺ وعمل بها وعلمها الناس فهو من خلفاء الرسل، وورثة الأنبياء، ولا أحدًا أحق بأن يكون من الأبدال منه، والله أعلم.
_________________
(١) لم أقف عليه عند "الترمذي" وهو عند الآجري في "سؤالات أبي داود" (١٧٨).
(٢) في "الأولياء " برقم (٥٧).
(٣) في "الأصل": "أكثم" وما أثبته من "الأولياء" وانظر ترجمته في الجرح والتعديل (٦/ ١٧٠) برقم [٩٢٩].
(٤) في الأصل: "يزدون"، والمثبت هو الموافق للسياق.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
ومما يشهد لذلك -الأبدال- كونهم في الشام- حديث خرجه الإمام أحمد (١)، وأبو داود (٢) من حديث قتادة عن أبي الخليل عن صاحب له عن أم سلمة عن النبي ﷺ قال: "يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إِلَى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرج وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إِلَيْهِ بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال [الشام وعصابة أهل العراق] (٣) فيبايعونه " وذكر بقية الحديث.
وقد اختلف في تسمية هذا الرجل [المبهم] (٤) في إسناده، فقيل: هو مجاهد، وقيل: هو عبد الله بن الحارث ورجحه محمد بن حاتم الرازي (٥)، والله أعلم.
_________________
(١) (٦/ ٣١٦).
(٢) برقم (٤٢٨٥).
(٣) بالأصل "أهل اليمن وعصابة أهل الشام" والتصويب من المسند والسنن.
(٤) في الأصل: "المتهم" والصواب ما أثبته.
(٥) في "العلل" (٢/ ٤١٠ - ٤١١) برقم [٢٧٤٠].
[ ٣ / ٢٢١ ]