أن نور النبي - ﷺ - عند ولادته سطع إليها فأشرقت قصورها منه، فكان ذلك أول مبدأ دخول نوره - ﷺ - الشام، ثم دخلها نور دينه وكتابه فأشرقت به وطهرت مما كان فيها من الشرك والمعاصي، وكمل بذلك قدسها وبركتها.
فخرج الإمام أحمد (١) والحاكم في صحيحه (٢) من حديث العرباض بن سارية قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، سَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ (النَّبِيِّينَ) (٣) يَرَيْنَ، وَإِنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا (أَضَاءَ) (٤) مِنْهُ قُصُور الشَّام".
وخرج أبو القاسم البغوي نحوه من حديث فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة عن النبي ﷺ.
وخرَّج الحاكم (٥) أيضًا من حديث خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله - ﷺ - أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك فذكره.
وفي حديثه: "قصور بُصْرى من أرض الشام".
وقال: صحيح الإسناد.
وخرّجه الامام أحمد (٦) من حديث خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن
_________________
(١) (٤/ ١٢٧).
(٢) المستدرك" (٢/ ٤١٨).
(٣) في الأصل "المؤمنين" والتصويب من مصدري التخريج.
(٤) في المصادر السابقة "أضاءت".
(٥) في "المستدرك" (٢/ ٦٠٠).
(٦) (٤/ ١٨٤) مطولا.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
عمرو السلمي عن عتبة (١) بن عبد عن النبي - ﷺ - أن أمهُ قالت: "إني رأيت خرج مني نور أضاءت به قصور الشام".
ورواه الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن غنم عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ والذي قبله أصح.
وروى الطبراني (٢) وأبو نعيم من حديث بقية بن الوليد، حدثني صفوان بن عمرو عن حجر (٣) بن مالك الكندي، عن أبي مريم الكندي قال: أقبل أعرابي من بهز، حتى جلس إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: أي شيء كان من أمر نبوتك أول؟ قال: أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم. وتلا: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧].
وبشر بي المسيح عيسى ابن مريم -﵉- ورأت أم رسول الله - ﷺ - في منامها أنَّه خرج من بين رجليها سراج أضاءت لها منه قصور الشام، فَقَالَ الأعرابي: هاه؟ وأدنى رأسه منه، وكان في سمعه شيء فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: "ووراء ذلك، ووراء ذلك" مرتين، أو ثلاثًا.
أبو مريم الكندي؛ قيل: إنه صحابي نزل حمص.
وروى محمد بن عائذ حدثنا الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي عاتكة وغيره "أن آمنة بنت وهب أنها حين وضعته كفأت عليه برمة حتى تتفرغ له، قالوا: فوجدت البرمة قد انشقت عن نور أضاء منه قصور كثيرة من قصور الشام".
فكان مولد رسول الله - ﷺ - بمكة، وابتداء النبوة له بها، وأنزل الكتاب عليه بمكة، ثم أسري به إِلَى الشام من المسجد الحرام إِلَى المسجد الأقصى، ثم رجع إِلَى مكة ثم هاجر إِلَى المدينة، ثم في آخر عمره كتب إِلَى الشام، وإلى هرقل، وإِلَى كثير من أتباعه، ثم غزا بنفسه غزوة تبوك، ثم رجع ثم بعث سرية
_________________
(١) في الأصل "عيينة" والتوصيب من الإكمال لابن ماكولا (٥/ ٨٣) وجاء في المسند عَلَى الصواب.
(٢) في الكبير (٢٢/ ٨٣٥)، ومسند الشاميين (٩٨٤).
(٣) في الأصل: "صخر" والتصويب من مسند الشاميين، وتاريخ دمشق (١/ ١٥٨)، وانظر الجرح والتعديل (٣/ ٢٦٧) برقم [١٩٢١].
[ ٣ / ٢٣٠ ]
إِلَى مؤتة، ثم بعث جيش أسامة فتوفي رسول الله - ﷺ - قبل خروجهم ثم ابتدأ أبو بكر الصديق بفتوح الشام، واستكمل في زمن عمر -﵁.
وذكر ابن عائذ (١) قال: قال الوليد بن مسلم: أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود القرشي عن عروة، أنَّه كان في كتاب أبي بكر إِلَى خالد بن الوليد أن أعجل إِلَى إخوانكم بالشام، فوالله لقرية من قرى الأرض المقدسة يفتحها الله علينا أَحَبّ إِلَيّ من رستاق من رساتيق العراق.
وأخبر النبي ﷺ أنَّه "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى".
ففي الصحيحين (٢) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى".
وهذه النار خرجت من وادي بقرب مدينة النبي - ﷺ - سنة أربع وخمسين وستمائة، واشتهر أمرها وشوهد من ضوئها بالليل عناق الإبل ببصرى، واستفاض وبعد ذلك بقليل ثم خراب العراق بواقعة بغداد المشهورة ودخول أكثر الكفار إليها، وقتل خليفة بني العباس وعامة أهلها، وبذلك ثم خراب بلاد المشرق عَلَى أيدي التتار، وانتقل من حينئذٍ إِلَى الشام عامة أهل العراق، وخيارهم كما أخبر بذلك أبو أمامة، وقد سبق كلامه، وعظم أمر الشام، وكثر أهلها، واتسعت عمارتها وكثر بها علم النبوة الموروث، عن خاتم النبيين - ﷺ - ثم في آخر الزمان تخرج نار تحشر الناس كلهم إِلَى الشام، وهي أول أشراط الساعة كما في "صحيح البخاري" (٣) عن أنس عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إِلَى المغرب، ويجتمع الناس كلهم حينئذ بعد ذلك".
وسنذكر هذه النار فيما بعد، إن شاء الله.
_________________
(١) في الأصل "عابد" والتصويب من تاريخ دمشق (١/ ١٣٨).
(٢) أخرجه البخاري (٧١١٨) و"مسلم" (٢٩٠٢).
(٣) برقم (٣٩٣٨).
[ ٣ / ٢٣١ ]