ذكر [٢] خالد القرشي عن أبيه قال: قام عمرو بن العاص في موسم من المواسم فأطرى معاوية وتنقّص بني هاشم وذكر مشاهده بصفّين، فاجتمعت إليه قريش، وأقبل عبد الله بن العباس على عمرو فقال: يا عمرو، إنك بعت دينك ونفسك من معاوية بدنيا غيرك، فأعطيته ما في يديك ومنّاك ما في يد
_________________
(١) في الأصل: «دفعتمونا» .
(٢) انظر رواية المدائني لهذا الخبر في العقد الفريد ج ٤ ص ١١- ١٢.
[ ٨٨ ]
عدوّه [١]، وكان الّذي أخذ منك فوق ما أعطاك [٢]، وكلّ راض بما أخذ وأعطى، حتى إذا كانت مصر في يدك عيّشك فيها بالعزل [٣] والتنغيص، حتى لو أن نفسك في يدك ألقيتها، وذكرت مشاهدك بصفين فو الله ما ثقلت علينا وطأتك، ولا نكتنا حزّتك [٤]، وإن كنت [٥] لطويل اللسان قصير اليدين [٦]، آخر الخيل إذا أقبلت وأوائلها [٧] إذا أدبرت، جبان الجنان قصير العنان [٨]، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير وأخرى لا تكفّها [٩] عن شرّ، ولسانان: لسان شرّ ولسان غرور [١٠]، ووجهان: وجه موحش ووجه مؤنس، ولعمري أنّ من باع دينه بدنيا غيره لحقيق أن يطول حزنه وندمه على ما باع واشترى [١١] .
أبو مخنف وعوانه، قالا [١٢]: حجّ عمرو [٣٩ أ] بن العاص ذات مرّة، فمرّ بعبد الله بن عبّاس، فحسده مكانه، وما رأى من إجلال [١٣] الناس
_________________
(١) في العقد الفريد: «ومناك ما بيدك» .
(٢) في ن. م.: «وكان الّذي أخذ منك أكثر من الّذي أعطاك، والّذي أخذت منه دون الّذي أعطيته» وترد هذه العبارة فيه بعد التي تليها هنا.
(٣) آثر محققو العقد الفريد إثبات كلمة «العذل» في النص على «العزل» .
(٤) في العقد الفريد لم ترد هذه العبارة بل عبارة «ولقد كشفت فيها عورتك» .
(٥) في ن. م. «وإن كنت فيها» .
(٦) في العقد الفريد: «السنان» .
(٧) في ن. م.: «أولها» .
(٨) لا ترد عبارة «جبان العنان» في العقد الفريد.
(٩) في ن. م.: «لا تقبضها» .
(١٠) في ن. م.: «ولسان غادر ذو وجهين» .
(١١) في ن. م.: «لحري أن يطول عليها ندمه»، ثم يضيف «لك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر وفيك حسد، وأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك»، وهنا ينتهي قول ابن عباس برد عمرو عليه.
(١٢) في الأصل: «قال»، انظر رواية أبي مخلف لهذا الخبر في العقد الفريد ج ٤ ص ١١.
(١٣) في العقد الفريد: «من هيبة الناس له» .
[ ٨٩ ]
إياه وموقعه من قلوبهم، فقال له: يا ابن عباس! ما لك إذا رأيتني ولّيتني القصرة، وكأنّ بين عينيك دبرة، وإذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة الهمزة. فقال ابن عبّاس: لأنك من اللئام الفجرة، وقريش هم الكرام البررة، لا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقّا علموه، وهم أعظم الناس أحلاما، وأظهرهم [١] أعلاما. دخلت في قريش ولست منها، فأنت كالساقط من الفراشين [٢]، لا في بني هاشم رحلك، ولا في [٣] عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، الضالّ المضلّ، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحلمه [٤] وتسمو بكرمه. فقال عمرو: أما والله يا ابن عبّاس، إني بك لمسرور فهل ينفعني ذلك عندك [٥]؟ فقال ابن عباس: لا، حيث مال الحق ملنا وحيثما [٦] سلك قصدنا.