ابن دأب ومعمر عن إدريس ومحمد بن إسحاق قال: قدم ابن عباس على معاوية ابن أبي سفيان، وكان يلبس أدنى ثيابه ويخفض شأنه، لما كان يعرف من كراهية معاوية لإظهار أمره، وكان معاوية يجفوه، فمكث عنده مقيما ما شاء الله. ثمّ إنّ مروان بن الحكم كتب إلى معاوية، يخبره بمرض الحسن ابن علي، وأنّه رأى أنّ به السلّ [١]، فكتب إليه معاوية: لا تغبني خبره يوما.
فكان يأتي خبره معاوية كلّ يوم. فقال رجل من قريش: إني لبالباب في اليوم الّذي جاء فيه نعي الحسن بن علي ﵇، إذ مرّ يزيد بن معاوية داخلا على أبيه، فأدخلني، فما مرّ بباب إلّا قالوا: مرحبا بابن أمير المؤمنين، حتى انتهى إلى البيت الّذي فيه معاوية، وإذا امرأته بنت قرظة [٢] تعطره وتسرّح لحيته، فلما رأتنا امرأته [١٢ ب]، قالت: وا سوأتاه، أتدخل علينا الرجال؟
فقال لها: اسكتي، وإلّا عزمت على أمير المؤمنين أن يتزوّج أربع قرشيات كلّهن يأتين بغلام يبايع له بالخلافة. فقال لها معاوية: اسكتي، فلو عزم عليّ يزيد لم أجد بدّا من إنفاذ عزيمته، فقامت فلم تقدر على النهوض، حتى وضعت يدها على الأرض، ثم ارتفعت، فلما ولّت، قال معاوية:
ما كنا لنغيرها. قال يزيد: وما كنت لأعزم عليك، إنما قلت ما قلت لأذعرها.
فإنّا كذلك إذ دخل شيخ طوال، كان على الصائفة، فسأله معاوية عن أمر الناس والجند، فبينا نحن كذلك إذ دخل غلام معاوية، فقال: يا أمير
_________________
(١) انظر مروج الذهب للمسعوديّ ج ٥ ص ٢- ٣، وشرح نهج البلاغة ج ١٦ ص ١٠.
(٢) هي فاطمة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. جمهرة النسب لابن الكلبي ق ١ ص ٢٩. وانظر مروج الذهب ج ٥ ص ٨.
[ ٤٢ ]
المؤمنين بشراي، قال: وما ذلك، قال: في هذه الصحيفة ما تحبّ. قال:
لك بشراك، فدفعها إليه، ولما قرأها خرّ ساجدا، ثم رفع رأسه، فعرفنا السرور في وجهه، فنعى الحسن بن علي، فبكى الشيخ وانتحب، ووضع يده على [١] ينتحب، فقال له الغلام: اسكت أيها الشيخ، فقد شققت على أمير المؤمنين، هل الحسن إلّا أحد رجلين: إمّا منافق أراح الله منه، وإمّا برّ فما عند الله خير للأبرار.
ثم إن معاوية قال لحاجبه: ائذن للناس وأخّر اذن ابن عباس. فلما أصبح ودخل عليه الناس أذنوا لابن عباس، فسلّم فقال معاوية: يا أبا العبّاس أما ترى ما [١٣ أ] حدث بأهلك؟ قال: لا. قال: فإنّ أبا محمد قد توفي، فأعظم الله أجرك. قال: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون، عند الله نحتسب مصيبتنا بالحسن ﵇ [٢] فقد بلغتني سجدتك، وما أظنّ ذاك إلّا لوفاته، أما والله لا يسدّ جسده حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك، ولطالما رزئنا بمن هو أعظم رزءا من الحسن ﵇، ثم جبر الله. قال معاوية: كم أتى له؟ قال: شأنه أعظم من أن يجهل مولده. قال: إني أحسبه قد ترك صبيانا صغارا [٣] . قال: كلّنا كان صغيرا فكبر. قال معاوية: أصبحت سيد أهل بيتك يا أبا العباس. قال: أمّا ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن علي ﵇ فلا [٤] . قال: ثم نهض وعيناه تدمع، فلما ولّى قال معاوية: للَّه
_________________
(١) الكلمة في الأصل مطموسة، ولعلها «جبهته» .
(٢) انظر رواية المدائني عن هذه المقابلة في شرح نهج البلاغة ج ١٦ ص ١١.
(٣) في الأصل: «صغيرا» . انظر العقد الفريد ج ٤ ص ٣٦١- ٣٦٢.
(٤) في أنساب الأشراف ق ١ ص ٤٥٢ (إسطنبول)، ص ١٨٠ (الرباط) «قدم معاوية مكة فلقيه ابن عباس فقال له معاوية: عجبا للحسن شرب عسلة طائفية بماء رومة فمات منها. فقال ابن عباس: لئن هلك الحسن فلن ينسأ في أجلك. قال: وأنت اليوم سيد قومك. قال: أما ما بقي أبو عبد الله فلا» . وانظر رواية أخرى في شرح نهج البلاغة ج ١٦ ص ١١.
[ ٤٣ ]
درّه، والله ما هيّجناه قطّ إلّا وجدناه معدا [١] . فلما رجع ابن عباس إلى رحله، جلس بفنائه، وجاءه الناس يعزّونه، وجاءته خيل، كلّما جاءه إنسان نزل ووقف حتى جاءه يزيد بن معاوية، فأوسع له ابن عباس، فأبى أن يجلس إلّا بين يديه مجلس المعزّي، فذكر الحسن ﵇ في فضله وسابقته وقرابته، فأحسن ذكره، وترحّم عليه، ثمّ قام فركب، فأتبعه ابن عباس بصره فلمّا ولّى قال: إذا ذهب بنو حرب ذهب حلماء قريش [٢] .
ثمّ إنّ ابن عبّاس دخل بعد ذلك بأيّام على معاوية [١٣ ب]، فقال له معاوية: يا أبا العباس! هل ترى ما حدث في أهلك؟ قال: لا، قال: فإنّ أسامة بن زيد هلك، ثمّ خرج. فلما كانت الجمعة، قال ابن عباس: يا غلام أعطني ثيابي، حتى متى أصبر لهذا المنافق ينعى إليّ أهل بيتي رجلا رجلا، فلبس ثيابه ثمّ اعتمّ وتطيّب بطيب كان يعرف به إذا ما وجد ريحه، فلما دخل المسجد قال أهل الشام: ما يشبه هذا إلّا الملائكة، من هذا؟ فلما صلّى أسند إلى أسطوانة، فلم تبق في المسجد حلقة إلّا تقوّضت إليه، فلم يسأل عن حلال ولا حرام ولا فقه ولا تفسير قرآن ولا حديث جاهلية ولا إسلام إلّا أنبأهم به. فافتقد معاوية يومئذ من كان يدخل عليه، وقال لحاجبه:
أين الناس؟ قال: عند ابن عباس، فأخبره بخبره واجتماع الناس إليه، وانه لو شاء أن يضربه بمائة ألف سيف فعل قبل الليل. فقال: نحن أظلم منه، حبسناه عن أهله، ومنعناه حاجته، ونعينا إليه أحبّته، انطلق يا غلام فادعه. فلمّا
_________________
(١) انظر مروج الذهب ج ٥ ص ٨- ٩.
(٢) انظر العقد الفريد ج ٤ ص ٣٦١- ٣٦٢. وفي مخطوط أنساب الأشراف ق ١ ص ٧١٠ (إسطنبول) ص ٢٨٤ (الرباط)، رواية المدائني ونصها «قدم عبد الله بن عباس على معاوية وافدا فأمر ابنه يزيد أن يأتيه مسلما، فأتى يزيد ابن عباس فرحب به ابن عباس وحدثه، فلما خرج قال ابن عباس: إذا ذهب بنو حرب ذهب حلماء الناس» .
[ ٤٤ ]
أتاه الحاجب قال: إنّا معشر بني عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتى تقضى الصلاة، أصلّي وآتيه إن شاء الله. فرجع فأخبره، فقال: صدق.
فلمّا صلّى العصر دخل فقال: يا أبا العبّاس ادخل بيت المال فخذ حاجتك- وإنّما أراد أن يعلم الناس من أهل الشام أنه صاحب دنيا- فعرف ابن عباس [١٤ أ] ما يريد، فقال: ليس ذاك لي ولا لك، فإن أذنت لي أن أعطي كل ذي حقّ حقّه فعلت. فقال: أقسمت عليك لما دخلت بيت المال وأخذت، فدخل فأخذ منه برنس خزّ، ثمّ خرج فقال: يا أمير المؤمنين بقيت لي حاجة قال: وما هي؟ قال: علي ﵇، قد عرفت فضله وسابقته وقرابته [١]، قد كفاكه الموت، أحبّ ألّا يشتم على منابركم، قال: هيهات يا ابن عباس، هذا امر دين، أليس وأ ليس [٢] فعل وفعل؟ قال: أنت أعلم.
ثمّ خرج متوجها إلى المدينة منصرفا.
عبد الله بن زاهر [٣] الكوفي عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن أبان بن أبي عيّاش عن سليم بن قيس الهلالي: أنّ معاوية لما ورد المدينة حاجّا، في خلافته استقبله أهل المدينة وهم قريش، فقال: ما فعلت الأنصار؟ فقيل:
إنّهم محتاجون، لا دوابّ لهم. فقال معاوية: فأين نواضحهم؟ فقال قيس ابن سعد بن عبادة: أحربناها [٤] يوم بدر وأحد، وما بعدهما من مشاهد رسول الله ﷺ حين ضربوا أباك على الإسلام حتى ظهر أمر الله وهم كارهون، فسكت معاوية، فقال قيس: أما إنّ رسول الله صلّى
_________________
(١) في الأصل: كرر الناسخ كلمة «قرابته» مرتين.
(٢) هكذا. والصحيح أن تتقدم همزة الاستفهام على واو العطف: أليس أو ليس.
(٣) في الأصل: ذاهر.
(٤) في الأصل: «جربناها»، والتصحيح من أنساب الأشراف ص ٢٩٣ (الرباط)، وفي هامشه «أي أهزلناها» .
[ ٤٥ ]
الله عليه وسلّم قد عهد إلينا أنّا سنلقى بعده أثرة. فقال معاوية: فما أمركم به؟ قال: أمرنا إن نصبر حتى نلقاه [١٤ ب]، قال: فاصبروا حتى تلقوه.
ثمّ إنّ معاوية مرّ بحلق من قريش، فلمّا رأوه قاموا غير عبد الله بن عبّاس، فقال: يا ابن عبّاس ما منعك من القيام كما قام أصحابك، ما ذاك إلّا لموجدة، إني قاتلتكم بصفين، فلا تجد من ذلك يا ابن عبّاس فإنّ ابن عمّي عثمان قتل مظلوما. قال ابن عبّاس: فعمر بن الخطاب قتل مظلوما، قال: إنّ عمر قتله كافر. قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟ قال: المسلمون. قال:
فذاك أدحض لحجّتك. قال: فإنّا كتبنا إلى الأنصار ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فكفّ لسانك. قال: أفتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا.
قال: أفتنهانا عن تأويله؟ قال: نعم. قال: أفنقرؤه ولا نسأل عما عنى؟
قال: يسأل عن ذلك من يتأوّله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك. قال: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فكيف أسأل عنه آل أبي سفيان؟ يا معاوية! أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال أو حرام، فإن لم تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف. قال: اقرأوا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئا ممّا أنزل الله فيكم وارووا ما سوى ذلك. قال: فإنّ في القرآن: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ الله بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ٩: ٣٢ [١] .
قال: يا ابن عباس! [١٥ أ] فاربع على نفسك، وكفّ عني لسانك، وإن كنت [٢] لا بد فاعلا فليكن ذلك سرّا لا يسمعه أحد علانية، ثمّ
_________________
(١) في الأصل: «المشركون» والصواب ما أثبتناه، سورة التوبة، آية ٣٢، ولا ترد لفظة «المشركون» في ابن خالويه: مختصر شواذ القرآن (باعتناء ر. برجشتر اسر ١٩٣٤)، ص ٥٢ كما لا ترد في ابن جني- المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات (القاهرة ١٩٦٩) ج ١ ص ٢٨٣- ٣٠٦.
(٢) زيادة.
[ ٤٦ ]
رجع إلى منزله، وبعث إليه بمائة ألف درهم، ونادى منادي معاوية: أن برئت الذمة ممن روى حديثا من مناقب علي وفضل أهل بيته.
دخل ابن عباس على معاوية وعنده جماعة من قريش فيهم عبد الله بن عمر، فلما جلس، قال له معاوية: إنّك يا ابن عبّاس لترمقني شزرا، كأني خالفت الحقّ أو أتيت منكرا. قال ابن عبّاس: لا منكر أعظم من ذبحك الإسلام بشفرة الشرك، واغتصابك ما ليس لك بحقّ اعتداء وظلما.
فقال معاوية: إنما ذبح الإسلام من قتل إمام الأمّة، ونقض العهد، وخفر الذمّة، وقطع الرحم، ولم يرع الحرمة، وترك الناس حيارى في الظلمة.
قال ابن عباس: كان الإمام من سبق الناس إلى الإسلام طرّا، وضرب خيشوم الشرك بسيف الله جهرا، حتى انقاد له جماهير الشرك قهرا، وأدخلك وأباك فيه قسرا، فكان ذلك الإمام حقا، لا من خالف الحقّ حمقا، ومزّق الدين فصار محقا. فقال معاوية: رفقا يا ابن عبّاس رفقا، فقد أتيت جهلا وخرقا، فو الله ما قلت حقّا، ولا تحرّيت في مقالك صدقا، فمهلا مهلا، لقد كان من [١٥ ب] ذكرته إماما عادلا، وراعيا فاضلا، يسلك سبيلا مليء حلما وفهما، فوثبتم عليه حسدا، وقتلتموه عدوانا وظلما. قال ابن عباس:
إنه اكتسب بجهده الآثام، وكايد بشكّه الإسلام، وخالف السنّة والأحكام، وجار على الأنام، وسلّط عليهم أولاد الطغام، فأخذه الله أخذ عزيز ذي انتقام. قال معاوية: يا ابن عبّاس يحملك شدة الغضب على سوء الأدب حتى لتخلّ في الجواب، وتحيد عن الصواب، تقعد في مجلسنا، تشتم فيه أسلافنا، وتعيب فيه كبراءنا، وخيار أهلنا، ما ذنب معاوية إن كان عليّ خانه زمانه، وخذله أعوانه، وأخذوا سلطانه، وقعدوا مكانه، أمّا معاوية فأعطي الدنيا فأمكنكم من خيرها، وباعدكم من شرها، وكان لكم صفوها وحلوها، ولي كدرها ومرّها. قال ابن عباس: ذنب معاوية ركوبه الآثام، واستحلاله
[ ٤٧ ]
الحرام، وقصده لظلم آل خير الأنام، ما رعى معاوية للنبوة حقّها، ولا عرف لهاشم فضلها وقوّتها، وبنا أكرم الله معاوية فأهاننا، وبنا أعزّه الله فأهاننا، ثمّ ها هو ذا يصول بعزّنا، ويسطو بسلطاننا ويأكل فيئنا، ويرتع في ثروتنا [١]، ثم يمتنّ علينا في إعلامنا إيّانا بأنه لا يعتذر إلى الله [١٦ أ] من ظلمنا. قال معاوية: يا ابن عبّاس إن افتخارك علينا بما لا [٢] نقرّ لك به إفك وزور، وتبجّحك بما لا نشهد لك به هباء منثور، واتكال أبناء السوء على سيادة الآباء ضعف وغرور، ونحن للورى أنجم وبحور، نفي بالنذور ونصل بالبدور، وبساحتنا رحى السماحة تدور. قال ابن عبّاس: لئن قلت ذلك يا معاوية لطالما أنكرتم ضوء البدور، وشعاع النور، وسمّيتم كتاب الله بيننا اسطورا، ومحمدا ﷺ ساحرا وصنبورا [٣]، ولقول القائل تلقّفوها يا بني أمية تلقّف الكرة، لا بعث ولا نشور، وتغنموا نسيم هذا الروح فما بعده أوبة ولا كرور [٤]، وكان لعمر الله القطب الّذي عليه رحى الضلالة تدور. فغضب معاوية وقال: يا ابن عبّاس اربع على نفسك ولا تقس يومك بأمسك، هيهات! صرّح الحقّ عن محضه [٥]، وزلق الباطل عن دحضه، أمّا إذا أبيت فأنا كنت أحقّ بالأمر من ابن عمك. قال ابن عبّاس: ولم ذاك، وعليّ كان مؤمنا وكنت كافرا، وكان مهاجرا وكنت طليقا. قال:
_________________
(١) في الأصل: «شدوتنا» .
(٢) في الأصل: «بنا» .
(٣) صنبور: الرجل الضعيف الذليل بلا أهل ولا عقب ولا ناصر. وكان كفار قريش يقولون: محمد صنبور، انظر اللسان وتاج العروس مادة (صنبر) .
(٤) الأصل: «كدور» .
(٥) انظر: أبو عبيد البكري- فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، تحقيق عبد المجيد عابدين وإحسان عباس (الخرطوم ١٩٥٨) ص ٥٦.
[ ٤٨ ]
لا، ولكني ابن عمّ عثمان، قال: فإن ابن عمّ رسول الله ﷺ خير من ابن عم [١] عثمان. قال معاوية: إنّ عثمان كان خيرا من عليّ وأطيب. قال ابن عبّاس [١٦ ب]: كلّا، عليّ أزكى منه وأطهر، وأعرف في ملكوت السموات وأشهر، أتقرن يا معاوية رجلا غاب عن بدر، ولم يشهد بيعة الرضوان، وفرّ يوم التقى الجمعان، ابن مخنّث قريش، الّذي لم يسلّ سيفا، ولم يدفع عن نفسه ضيما، إلى قريع العرب وفارسها، وسيف النبوة وحارسها، أكثرها علما، وأقدمها سلما، إذن قسمة ضيزى أبا عبد الرحمن. قال معاوية: إنّ عثمان قتل مظلوما. قال ابن عبّاس:
فكان ماذا؟ فهذا إذن أحقّ بها منك، قتل أبوه قبل عثمان- يعني ابن عمر.
قال معاوية: إن هذا قتله مشرك، وعثمان قتله المؤمنون. قال ابن عبّاس:
فذاك أضعف لقولك وأدحض لحجتك، ليس من قتله المشركون كمن نحره المؤمنون. فقال معاوية: ترى يا ابن عباس أن تصرف غرب لسانك وحدّة نبالك إلى من دفعكم عن سلطان النبوّة وألبسكم ثوب المذلّة وابتزكم سربال الكرامة، وصيّركم تبعا للأذناب بعد ما كنتم عزّ هامات لسادات، وتدع أمية، فإنّ خيرها لك حاضر، وشرّها عنك غائب. قال ابن عباس:
أمّا تيم وعدي فقد سلبونا سلطان نبيّنا ﷺ، عدوا علينا فظلمونا، وشفوا صدور أعداء النبوّة منّا، وأما بنو أمية فإنّهم شتموا أحياءنا ولعنوا موتانا، وجازوا حقوقنا، واجتمعوا على إخماد [١٧ أ] ذكرنا، وإطفاء نورنا، فيأبى الله لذكرنا إلّا علوّا، ولنورنا إلّا ضياء، والله للفريقين بالمرصاد.
قال معاوية: ما نرى لكم علينا من فضل، ألسنا فروع دوحة [٢] يجمعنا
_________________
(١) في الأصل: «ابن عثمان» .
(٢) في الأصل: «درجة» .
(٣) في الأصل: «تجمعنا» .
[ ٤٩ ]
عبد مناف. قال ابن عباس: هيهات يا معاوية! حدت عن الصواب، وتركت الجواب، بيننا وبينكم برزخ وحجاب، أنتم الحثالة، ونحن اللباب، ولشتّان ما بين العبيد والأرباب! أتجعل أميّة كهاشم؟ إنّ هاشما كان صميما كريما، ولم يكن لئيما ولا زنيما، أول من هشم الثريد وسن الرحلتين، وله يقول القائل [١]:
عمرو الّذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون [٢] عجاف
سفرين سنّهما له ولقومه سفر الشتاء ورحلة الأصياف
قال معاوية لابن عبّاس: كيف رأيت صنع الله [٣] بي وبأبي الحسن؟
فقال ابن عباس: صنعا والله غير مختل [٤]، عجّله إلى جنة لن تنالها، وأخّرك إلى دنيا كان أزالها [٥] . فقال: وإنّك لتحكم على الله؟ فقال: الله حكم بذلك على نفسه: وَمن لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٥: ٤٥ [٦] . قال: أما والله لو عاش أبو عمرو عثمان حتى يراني لرأى نعم ابن العم، فقال: والله لو عاش لعلم أنك خذلته حين كانت النصرة له، ونصرته حين [١٧ ب] كانت النصرة لك. قال: وما دخولك بين العصا ولحائها؟ قال: والله ما دخولي بينهما إلّا عليهما لا لهما، فدعني ممّا أكره أدعك من مثله، لأن تحسن فأجازي أحبّ إليّ من أن تسيء فأكافئ، ثمّ نهض [٧]، فأتبعه بصره وهو يقول:
_________________
(١) هو ابن الزبعري. انظر اللسان مادة (سنت) .
(٢) ابن الكلبي: جمهرة النسب ق ١ ص ٩.
(٣) الأصل: «كيف رأيت الله صنع بي» . انظر اليعقوبي ج ٢ ص ١٩٩- ٢٠٠.
(٤) في الأصل: «محيل» وما أثبتنا من تاريخ اليعقوبي.
(٥) في تاريخ اليعقوبي «نالها» .
(٦) سورة المائدة، الآية ٤٨.
(٧) انظر اليعقوبي ج ٢ ص ١٩٩- ٢٠٠.
[ ٥٠ ]
حصيد اللسان ذليق الكلام غير عييّ ولا مسهب
يبذّ الجياد بتقريبه ويأوي إلى حضر ملهب
أقبل معاوية يوما على بني هاشم فقال: إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة بما استحققتم به النبوة، ولن يجتمعا لأحد، ولعمري إنّ حجتكم في الخلافة لمشبّهة على الناس، إنكم تقولون: نحن أهل نبيّ الله ﵇، فما بال خلافة نبوّته في غيرنا، فهذه شبهة لها تمويه، وإنّما سميت الشبهة لأنها تشبه مسحة من العدل. وأمّا الخلافة فقد تنقلت في أحياء قريش برضى العامّة وبشورى الخاصّة، فلم تقل الناس: ليت بني هاشم، ولو أن بني هاشم ولوا كان خيرا لنا في ديننا ودنيانا، فلا هم اجتمعوا عليكم، ولا هم إذا اجتمعوا على غيركم تمنّوكم، ولو زهدتم فيها أمس لم تقاتلوا عليها اليوم. وقد زعمتم أن لكم ملكا هاشميا مهديا قائما، والمهدي [١٨ أ] عيسى بن مريم صلوات الله عليه، وهذا الأمر في أيدينا حتى نسلّمه إليه، ولعمري لئن ملكتموها ما ريح عاد وصاعقة ثمود بأهلك للقوم منكم لهم، ثم سكت. فتكلّم ابن عبّاس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا قولك:
نستحقّ الخلافة بالنّبوّة، فإذا لم نستحقّها بالنّبوة فبم إذن نستحقّها؟
وأما قولك: إنّ الخلافة والنبوّة لا تجتمعان [١] لأحد فأين قول الله، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ٤: ٥٤ [٢] . ونحن آل إبراهيم ﷺ، أمر الله فينا وفيهم واحد، والسنة لنا ولهم جارية. وأما قولك: إنّ قولنا في الخلافة مشبه، فو الله لهو أضوأ من ضوء القمر، وأنور من نور الشمس، وإنّك لتعلم ذلك، ولكن تثني عطفيك
_________________
(١) في الأصل: «يجتمعان» .
(٢) سورة النساء، الآية ٥٢.
[ ٥١ ]
وتصعّر خدّيك، قتلنا [١] جدّك وأخاك وخالك، وأسرنا قومك يوم بدر، فلا تبك على أعظم بالية، وأرواح في النار، ولا تغضبنّ لدماء أحلّها الشرك. وأمّا قولك: الناس إن يجتمعوا علينا، فما حرموا منّا أعظم ممّا حرمنا منهم، وكلّ امرئ إذا حصل حاصله ثبت حقّه وزال باطله.
وأمّا قولك: إنّا زعمنا أنّ لنا [٢] ملكا هاشميا ومهديّا قائما، فالزعم في كتاب الله شكّ، زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا ٦٤: ٧ [٣]، ولكنا نشهد أنّ لنا ملكا وأنّ لنا مهديّا قائما يملأ الأرض عدلا، لا يملكون يوما [١٨ ب] إلّا ملكنا يومين، ولا شهرا إلّا ملكنا شهرين، ولا حولا إلّا ملكنا حولين.
وأمّا عيسى بن مريم صلوات الله عليه فإنّه ينزل على الدّجّال، وأمّا ريح عاد وصاعقة ثمود فكان ذلك عذابا، ملكنا رحمة، أزيدك أم قد كفاك، ثم أمسك. فقال عبد الرحمن [٤] بن خالد بن الوليد:
كنا نقول: ابن حرب أحلم الناس حتى تصلّى ضحى نار ابن عبّاس
ماذا أراد إليه بعد تجربة منه وبعد جراح ما لها آس
يرجو سقاط امرئ لم يرج سقطته عند الخطاب له راج من الناس
أنحى الشّفار التي ما إن يقوم [٥] لها لحم وفي العظم منه ضربة الفاس
قد قرّت العين والأقدار غالبة لمّا رأيت ابن هند ناكس الرأس
لا يرفع الطرف ذلّا حين قرّره بالحقّ هذا وما بالحقّ من باس
_________________
(١) انظر عن قتلى بني عبد شمس في بدر، كتاب أنساب الأشراف ج ١ ص ٢٩٦- ٢٩٧.
(٢) في الأصل: «لك» .
(٣) سورة التغابن، آية ٧.
(٤) انظر جمهرة أنساب العرب ص ١٤٧.
(٥) الأصل: «تقوم» .
[ ٥٢ ]
الحسن بن عبد الله الورّاق عن الهيثم عن ابن عبّاس، قال: حدثني الفضل ابن الفضل قال: قال ابن عبّاس [١]: بينا أنا في المسجد أريد الدخول على معاوية إذ جاء نعي الحسن بن عليّ، فكبّر في البيت فكبّر أهل الخضراء [٢]، وكبّر أهل المسجد، فسمعت تكبيره [فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل] [٣] بن عبد مناف، امرأة معاوية، فقالت: سرّك الله يا أمير المؤمنين! ما هذا الأمر الّذي كبّرت له؟ قال: مات [١٩ أ] الحسن بن عليّ، قالت: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون، ثم بكت وقالت: مات سيّد المسلمين، وابن بنت رسول الله ﷺ. قال: والله إن قلت ذاك إنّه لكذلك، ولئن بكيت عليه إنّه لذلك لأهل.
قال ابن عبّاس: فدخلت وقد بلغني الخبر فقال: هاهنا يا ابن عبّاس، هل علمت أنّ الحسن بن عليّ صلوات الله عليه [توفي] [٤]، قلت: فلذلك كبّرت؟ قال: نعم. قلت: أما والله لئن مات قبلك ما ذاك بالذي ينفعك بعده، وما جثّته بسادة حفرتك، ولقد أصبنا بمن كان أفضل من الحسن ابن علي، بسيّد المسلمين وإمام المتّقين ورسول ربّ العالمين، ثم جبر الله تلك العترة [٥] ورفع تلك العثرة. فقال يا ابن عباس: ما كلّمتك قطّ إلا وجدتك معدّا.
قال عبد الله بن صالح ورفع الحديث إلى عبد الله بن عبّاس قال:
_________________
(١) انظر الخبر كما روي في مروج الذهب ج ٥ ص ٨- ٩.
(٢) في الأصل: «الحضراء» . وفي مروج الذهب: «فكبر معاوية في الخضراء فكبر أهل الخضراء» .
(٣) في الأصل: «بنت قرظة بنت عبد عمرو بن عامر بن نوفل بن عبد مناف» . وما أثبتناه من جمهرة النسب لابن الكلبي ق ١ ص ٢٩، وجمهرة أنساب العرب ص ١١٦.
(٤) زيادة من مروج الذهب ج ٥ ص ٩.
(٥) هكذا وفي مروج الذهب: «المصيبة» .
[ ٥٣ ]
قدمت على معاوية وافدا وعنده وفود العرب، فأمر بسريره فوضع على قاعة الدار، وأمر صاحب حرسه فقام على رأسه، وصفّ جند أهل الشام سماطين، ثم أذن للوفود فدخلوا فدخلت، فأقبل عليّ فقال: يا ابن عبّاس إنّ بابي لكم لمفتوح، وإنّ خيري لكم لممنوح [١]، فلا يغلق بابي عنكم علّة، ولا يقطع خيري عنكم كلالة [٢] . ترون أنّكم أحقّ بما في يدي منّي، وأنا أحقّ به منكم [٣]، وأعطيكم العطيّة فتأخذونها [١٩ ب] متكارهين عليها، وتقولون أخذنا دون حقّنا وقصر بنا دون قدرنا [٤]، فصرت كالمسلوب والمسلوب لا حمد له [٥]، فبئست المنزلة التي نزلت [٦] منكم: أعطي فلا أشكر، وأمنع فلا أعذر، ونعم [٧] المنزلة نزلتم مني: إعطاء سائلكم وانصاف قائلكم [٨]، قل يا ابن عبّاس [٩] . فحسر ابن عباس عن ساعديه مغضبا، ثم
_________________
(١) في أنساب الأشراف ص ٢٩٦ (الرباط) ق ١ ص ٧٤٠ (إسطنبول): «وذكروا أن معاوية أقبل على بني هاشم فقال: يا بني هاشم إن خيري لكم ممنوح وبابي لكم مفتوح»، وانظر العقد الفريد ج ٤ ص ٩ عن أبي عثمان الخزامي.
(٢) في أنساب الأشراف: «فلا تقطعوا خيري عنكم ولا تغلقوا بابي دونكم وقد رأيت أمري وأمركم متفاوتا»، وانظر العقد الفريد.
(٣) في أنساب الأشراف: «وأنا أرى أني أحق به منكم»، وانظر العقد الفريد.
(٤) في أنساب الأشراف «فإذا أعطيتكم العطية فيها قضاء حقوقكم، قلتم: أخذنا دون حقنا وقصر بنا عن قدرنا» . ونفس النص في العقد الفريد سوى كلمة «عطية» بدل «العطية» و«حقكم» بدل «حقوقكم» و«أعطانا» بدل «أخذنا» .
(٥) في ن. م.: «لا يحمد على ما أخذ منه» .
(٦) في ن. م.: «فبئست المنزلة نزلت بها منكم»، والعبارة «بئست المنزلة نزلتم مني» ليست في العقد الفريد.
(٧) في أنساب الأشراف: «ونعمت المنزلة نزلتم بها مني» .
(٨) في العقد الفريد: «هذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم» .
(٩) في أنساب الأشراف: «فقال عبد الله بن عباس»، وفي العقد الفريد «قال: فأقبل عليه ابن عباس فقال» .
[ ٥٤ ]
قال: ما فتحت لنا بابك حتى قرعناه، ولا منحتنا خيرك حتى سألناه [١]، ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفّنّ أنفسنا عنك، ولئن منعتنا خيرك للَّه [٢] أوسع لنا منك [٣]، وأما هذا المال [٤] فليس لك منه إلّا ما لرجل من المسلمين ولنا في كتاب الله حقّان: حقّ في الغنيمة، وحقّ في الفيء [٥]، والغنيمة [٦] ما غلبنا عليها [٧]، والفيء ما جبيناه [٨]، فعلى أيّ وجه خرج إلينا [٩] أخذناه وحمدنا الله [١٠]، ولعمري لولا ما لنا في هذا المال من حقّ، ما أتاك منا آت [١١] يحمله إليك خفّ أو حافر [١٢]، أكفاك أم أزيدك؟ فقال معاوية: كفاني، فخرج ابن عباس.
وأنشأ ابن أبي لهب يقول [١٣]:
_________________
(١) في ن. م.: «والله ما منحتنا خيرك حتى طلبناه، ولا فتحت لنا بابك حتى قرعناه» وفي العقد الفريد ج ٤ ص ٩- ١٠ «والله ما منحتنا شيئا حتى سألناه ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه» .
(٢) في الأصل: «لا الله» .
(٣) في أنساب الأشراف- العبارة الثانية قبل الأولى، و«قطعت عنا» محل «منعتنا» . ونص العقد كالبلاذري إلا أنه حذف «لنا» من «أوسع لنا منك» .
(٤) يورد البلاذري العبارة «فو الله ما أحفيناك في مسألة ولا سألناك باهضة، فاما هذا المال »
(٥) في ن. م. «حق الغنيمة وحق الفيء» .
(٦) في ن. م. وفي العقد الفريد «فالغنيمة» .
(٧) في أنساب الأشراف: «عليه» .
(٨) في ن. م. «اجتبيناه»، وفي العقد الفريد «اجتنيناه» والأول أدق.
(٩) في أنساب الأشراف: «خرج ذلك منك» . والعبارة «فعلى أي حمدنا الله» ليست في رواية العقد الفريد.
(١٠) في أنساب الأشراف: «حمدنا الله عليه» .
(١١) في ن. م. والعقد الفريد: «زائر» .
(١٢) في أنساب الأشراف والعقد الفريد: «يحمله خف ولا حافر» .
(١٣) في أنساب الأشراف: «حسبك يا ابن عباس فإنك تكوي ولا تعوي، فقال الفضل بن العباس ابن عتبة بن أبي لهب» وفي العقد الفريد «قال: كفاني فإنك لا تهر ولا تنبح»، والأبيات غير مثبتة فيه.
[ ٥٥ ]
ألا أبلغ معاوية ابن حرب وكلّ الناس يعلم ما أقول [١]
لنا حقّان: حقّ الخمس جار وحقّ قد أنار به الرسول [٢]
فكلّ عطيّة وصلت إلينا وإن سحبت بخدعتها [٣] الذيول
ففي حكم القران لنا مزيد على ما كان لا قال وقيل
[٢٠ أ] أتأخذ حقّنا وتحوز حمدا [٤] وهذا ليس تقبله العقول
أتيح لك ابن عباس مجيبا كأنّ لسانه سيف صقيل [٥]
سوى أن قال [٦] قولا مستكينا: كفاك. كذلك [٧] المرء الذليل
فأدركه الحياء وكفّ عنه وخطبهما إذا ذكرا جليل [٨]
فلا تهج [٩] ابن عبّاس مجيبا فإنّ لسانه سلس قئول
قال ابن عبّاس: وفدت على معاوية وقد قعد على سريره، وجمع بني أبيه ووفود العرب عنده، فدخلت، فسلّمت، فقعدت، فقال: يا ابن عبّاس، من الناس؟ فقلت: نحن. فقال: فإذا غبتم؟ فقلت: فلا
_________________
(١) في أنساب الأشراف ص ٢٩٦ (الرباط) وق ١ ص ٤٧٠ (إسطنبول): ألا أبلغ معاوية ابن حرب فإن المرء يعلم ما يقول
(٢) في ن. م.: لنا حقان حق الخمس واف وحق الفيء جاء به الرسول
(٣) في ن. م.: «لخدعتها» .
(٤) في الأصل: «تخور حمقا»: وفي أنساب الأشراف: أتأخذ حقنا وتريد حمدا له، ها ذاك تأباه العقول
(٥) في الأصل: «صقول» . والبيت في رواية أنساب الأشراف ص ٢٩٧ (الرباط): فقال له ابن عباس مجيبا فلم يدر ابن هنا ما يقول
(٦) كذا، ولعلها «قلت» .
(٧) في الأصل كذاك، والبيت لا يستقيم معه.
(٨) هذا البيت غير مثبت وفي رواية أنساب الأشراف.
(٩) في الأصل: «تعج»، وترد كذلك في أنساب الأشراف، مخطوطة إسطنبول. وترد «تهج» في نسخة الرباط وفي ص ٧٧ من هذا الكتاب.
[ ٥٦ ]
أحد. قال: ترى أني قعدت هذا المقعد بكم؟ قلت: فبمن قعدت؟ قال:
بمن كان مثل حرب بن أميّة. قلت: من كفأ عليه إناءه وأجاره برداءيه؟
قال: فغضب معاوية، فقال: وار شخصك عني شهرا فقد أمرنا لك [١] بصلتك، وأضعفنا لك. قال: فاتكأ ابن عبّاس على يديه ليقوم فقال: ألا يسألني أحد ما الّذي أغضب معاوية؟ إنّه لم يلتق أحد من رؤساء قريش في عقبة ولا مضيق إلّا لم يتقدمه حتى يجوزه، فالتقى حرب بن أمية مع رجل من بني تميم في عقبة، فتقدّمه التميمي فقال له حرب: أنا حرب بن أميّة، فلم يلتفت إليه وجازه، فقال: موعدك مكة. فبقي التميميّ دهرا ثم أراد دخول [٢٠ ب] مكّة، فقال: من يجيرني من حرب؟ فقالوا: عبد المطّلب.
فقال: عبد المطلب أعظم قدرا من أن يجير على حرب، فأتى ليلا دار الزبير [٢] فدقّ عليه الباب، فقال الزبير للغيداق [٣] أخيه: قد جاءنا رجل إمّا طالب حاجة وإمّا طالب قرى وإمّا مستجير وقد أعطيناه ما أراد، قال:
فخرج عليه الزبير والغيداق، قال: فقال التميمي:
لاقيت حربا في الثنيّة مقبلا والصبح أبلج ضوءه للساري
فدعا بصوت واكتنى ليروعني ودعا بدعوة معلن وفخار
فتركته كالكلب ينبح وحده وأتيت قوم معالم ونجار
ليثا هزبرا يستجار بقربة رحب المباءة [٤] مكرما للجار
ولقد حلفت بمكة وبزمزم والبيت ذي الأحجار والأستار:
_________________
(١) في الأصل: «لك» مكررة.
(٢) المقصود هو الزبير بن عبد المطلب. انظر جمهرة أنساب العرب ص ١٢.
(٣) «الغيداق» هو لقب نوفل بن عبد المطلب. ابن الكلبي- جمهرة النسب ق ١ ص ٩.
(٤) في الأصل «المياه» .
[ ٥٧ ]
أن الزبير لما بغى من خوفه ما كبّر الحجاج في الأمصار
فقال: تقدّم فإنّا لا نتقدم من نجيره، فتقدّم التميميّ فدخل المسجد [١]، فرآه حرب فقام إليه فلطمه، فحمل عليه الزبير بالسيف، فعدا حتى دخل دار عبد المطلب، فقال: أجرني من الزبير، وكفأ عليه جفنة كان هاشم يطعم الناس فيها، فقال: اخرج، فقال: كيف أخرج وتسعة من ولدك قد احتبوا بسيوفهم على الباب، فألقى عليه رداء كان كساه سيف بن ذي [٢١ أ] يزن له طرّتان خضراوان، فخرج عليهم، فعلموا أنّه قد أجاره فتفرقوا عنه.
أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب قال: أخبرني أبي وعوانة بن الحكم والشرقيّ بن [٢] القطامي قالوا: لما قدم معاوية المدينة أتاه وجوه الناس، ودخل عليه عبد الله بن الزبير، فقال له معاوية: ألا تعجب للحسن بن علي، أنّه لم يدخل [٣] عليّ منذ قدمت المدينة، وأنا بها منذ ثلاث، قال: يا أمير المؤمنين! دع عنك حسنا فإنّ مثلك ومثله كما قال الشمّاخ [٤]:
أجامل أقواما حياء وقد أرى صدورهم تغلي عليّ مراضها [٥]
والله لو شاء الحسن أن يضربك بمائة ألف سيف لفعل، ولأهل العراق أبرّ به من أمّ الحوار بحوارها [٦] . فقال معاوية: أتغريني به يا ابن الزبير!
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعله يريد البيت (الكعبة) .
(٢) الأصل: «الشرقي القطامي» . انظر الفهرست لابن النديم (تحقيق فلوجل) ص ٩٠.
(٣) عبارة: «انه لم يدخل علي»، مثبتة في هامش الأصل.
(٤) زيادة من الأغاني ج ٩ ص ١٥٨، والشماخ شاعر مخضرم. انظر ترجمته في الأغاني ج ٩ ص ١٥٨- ١٧٤.
(٥) في الأصل: «مراصها» والتصويب من الأغاني.
(٦) في الأصل: «الجوار بجوارها»، انظر الأغاني ج ٩ ص ١٧٣.
[ ٥٨ ]
والله لأقبلن عليه ولأصلنّ قرابته [١]، فقال ابن الزبير: والله إنّي لمعه في حلف الفضول، ولئن دعاني إلى نصرته لأجيبنّه. فقال معاوية:
والله ما أنت وحلف الفضول، تنحر نفيا وترذل هزلا، كما قال أخو همدان:
إذا ما بعير قام حوّل رحله وإن هو أبقى ألحفوه مقطّعا [٢]
ثمّ إنّ الحسن دخل على معاوية في اليوم الرابع فقال: أما والله إنّي لأعلم ما خلّفك علي، أردت أن تقيم حتى أجيز الناس وأنفض ما في يدي ثم تأتيني فإن أعطيتك [٢١ ب] أجحفت بي، وإن لم أعطك بخّلتني قريش.
يا غلام! أحسب كلّ ما أعطينا أهل المدينة فمر للحسن بمثل جميعه وأنا ابن هند. فقال الحسن: اشهدوا أني قد قبلته ووهبته الحاضرين وأنا ابن فاطمة، ثم خرج الحسن. فارتحل معاوية، وأمر بالوفادة فوفد إليه عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير، فاستأذنوا عليه والناس على الكراسي وهو على سريره، فرحّب وأدنى، فأجلس ابن عبّاس عن يمينه على سريره بينه وبين يزيد، وأجلس عبد الله بن جعفر عن يساره، وأجلس ابن الزبير على كرسي مع الناس. ثم إنّ معاوية أقبل على ابن الزبير فقال:
يا ابن الزبير! أتراني أنسيت إغراءك إياي ببني عمّي بالمدينة، أما والله ما نسيت، وإني لعارف بما أردت، فنكس ابن الزبير مليّا ثم رفع رأسه وهو يقول:
نصحتك يا معاوية بن حرب وكان جزاء نصحي أن أذمّا
_________________
(١) في الأصل: «لأقتلن ولأصلبن قرابته»، وهو تحريف. وانظر الأغاني ج ٩ ص ١٧٣ وفيه «والله لأصلن رحمه ولأقبلن عليه» .
(٢) انظر الأغاني ج ٩ ص ١٧٤.
[ ٥٩ ]
وليس جزاء ذي نصح كريم لدى [١] أهل المكارم أن يغمّا
فقال معاوية: يا يزيد! أجبه، فقال يزيد:
غششت فأبعدنّ لغشّ صدر وأهل ذو النميمة أن يذمّا
ولو يا ابن الزبير ظللت يوما علينا قادرا لم تبق عظما
[٢٢ أ] والله يا ابن الزبير! إنّك لتنظر إلينا الشزر وتتنفّس الصعداء، كأنّ هذا الأمر كان دوننا فغصبناكه وغلبناك عليه، إنّما كان هذا الأمر لنا أولا ثم ثاب [٢] إلينا آخرا، وأنت وأهل بيتك من ذلك في عزلة لا ترتفع [٣] إليكم المطامع، ولا تشير إليكم الأصابع، وأيم الله ما أراك يدعك غيّك وبغيك حتى تجشّم رهقا وتصعّد زلقا، ثم تهوي بك عشواء مطلخمّة، عمياء مدلهمة، فهنالك تقع الندامة، حيث لا تغني فتيلا. فقام ابن الزبير ماثلا فقال: يا معاوية! أجعلت جوابي إلى ابنك، لو كان ابني حاضرا أجابه، فاسمعا معا: أمّا بعد، فإنّي أحمد الله إليكما، وأسأله العون عليكما، ثم إنّي والله لأرجو ربّي لطول عادته عندي، وأياديه لديّ، ألّا أتجشّم رهقا ولا أتصعّد زلقا، وكيف يخاف ذلك من يصدع بالحقّ ويقوم به، مع أنّي لست بالغرّ [٤] الغمر وإني لكما قال الأول:
أناة وحلما وانتظارا بهم غدا وما أنا بالواني ولا الضرع الغمر
أظنّ صروف الدهر بيني وبينهم ستحملهم منّي على مركب وعر
_________________
(١) في الأصل: «لذا» .
(٢) في الأصل: «تاب» .
(٣) في الأصل: «ولا يرتفع» .
(٤) في الأصل: «بالغرق والغمر» .
[ ٦٠ ]
أمّا ما ذكرت من هذا الشأن أنّه لكم أولا، فإنّما كان لرسول الله [٢٢ ب] ﷺ لما اختصّه الله برسالته واصطفاه على خلقه، دعا الناس إلى طاعته، وكان أحبّ الناس إليه من أجاب وأناب، فدعانا ودعاكم، فأجبنا وأبيتم، وأتينا وكرهتم، وسمعنا وصممتم، وأطعنا وعصيتم، وأسلمنا وكفرتم، كلّ ذلك نحن في حزبه وأنتم في حربه، فأنا أولى به منك، لأنّ الله تعالى يقول: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ٣: ٦٨ [١] . ولي بعد هذا ما ليس لك، إن عمّتي خديجة زوجته وأمّ ولده، وإنّ عائشة أمّ المؤمنين خالتي، وإن جدّتي صفية عمّة رسول الله ﷺ، فهذا لي دونك. وأمّا قولك- إنّه ثاب [٢] إليكم آخرا، فقد لعمري كان ذلك كذلك بطغامك، وإقدامك على غير مشورة من المسلمين، ولا اجتماع من المهاجرين، فبهم غلبتم وتأمّرتم واستكبرتم واستأثرتم، فلا أنتم انصفتمونا، ولا هم نصرونا، فهنالك يا يزيد رأيت النظر الشزر، وسمعت تنفّس الصّعداء، فلا تعجب يا بنيّ فإنّك لم تر عجبا، وستراه إن بقيت إن شاء الله. فقال يزيد: ألا تراه يا أمير المؤمنين يوعدنا في وجوهنا! فقال معاوية:
عزمة منّي عليك لما صمتّ، إن الحلم عزّ، والجهل ذلّ، فمن حلم ظفر، ومن جهل خسر، فالزم الطريق، ودع [٢٣ أ] المضيق، يك ذلك خيرا لك في دنياك وآخرتك إن شاء الله. ثم أقبل على ابن عباس فقال:
ألا ترى ما يجيء به هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ابن عمك، إن أحسن فاقبل، وإن أساء فأجمل، وكن في ذلك كما قال الأول:
عوّدت كندة عادة فاصبر لها أحلم لجاهلها وردّ سجالها
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية ٦٨.
(٢) في الأصل: «تاب» .
[ ٦١ ]
فقال معاوية: يا ابن عبّاس! طول حلمي جرّأه عليّ، فأنت الحاكم بيني وبينه. فقال ابن عباس: إني لأحبّ أن تعفيني من هذه الحكومة، فقال: والله لتفعلنّ. فقال ابن عبّاس: أمّا إذا أبيت إلا أن أفعل فسأفعل، وما توفيقي إلّا باللَّه، أراكما جميعا إنما احتججتما برسول الله ﷺ، وأنا أحقّ بحقّ رسول الله ﷺ منكما، لأني ابن عمّه دونكما، وأنا المظلوم فيما بينكما. فالتفت معاوية الى ابن جعفر فقال: أما تسمع لما يجيء به هؤلاء منذ اليوم؟ فقال ابن جعفر: إنّ حلمك يأتي من وراء ذلك. فقال معاوية: صدق فوك. وقطعوا الحديث وأخذوا في غيره.
أبو المنذر عن عوانة عن موسى بن عبد الملك أن معاوية بينا هو في مجلسه، وقد حضره رجال من قريش منهم عبد الله بن عباس وغيره من بني هاشم، فأقبل معاوية على القوم فقال: يا بني هاشم! لم تفخرون علينا؟ أليس الأب [٢٣ ب] واحدا والأم واحدة والدار واحدة؟ فقال ابن عباس: نفخر عليك بما أصبحت تفخر به على سائر قريش، وتفخر به قريش على الأنصار، وتفخر به الأنصار على العرب، وتفخر به العرب على العجم، برسول الله ﷺ، بما لا تستطيع له إنكارا ولا منه فرارا. فقال: يا ابن عباس! لقد أعطيت لسانا ذربا [١]، تكاد تغلب بباطلك حقّ سواك. فقال ابن عباس: إن الباطل لا يغلب الحقّ، فدع عنك الحسد فبئس شعار الحسد.
فقال معاوية: صدقت، أما والله إني لأحبّك لأربع مع مغفرتي لك أربعا، فأمّا التي أحبّك لهنّ: فقرابتك من رسول الله ﷺ، و[الثانية] [٢] أنك من أسرتي وأهل بيتي من بني عبد مناف، والثالثة أنك
_________________
(١) في الأصل «درب»، والذرب: السليط.
(٢) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٤٠ ب.
[ ٦٢ ]
لسان قريش وزعيمها، والرابعة أنّ أباك كان خلّا لأبي، والتي غفرتها لك:
عدوك عليّ بصفين فيمن عدا، وخذلان [١] عثمان، وسعيك على عائشة فيمن سعى، ونفيك أخي زيادا عني فيمن نفي [٢]، فضربت أنف هذا الأمر وعينه حتى استخرجت مقتك [٣] من كتاب الله ﷿ ومن قول الشاعر، فأما [٤] ما وافق قول الشعر فقول أخي ذبيان:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه على شعث أيّ الرجال المهذب
[٢٤ أ] وقد قبلنا منك الأول وغفرنا لك الآخر، وكنا في ذلك كما قال الأول:
سأقبل ممّن [قد] [٥] أحبّ جميلة وأعفو له ما كان من غير ذلك
فقال ابن عبّاس: الحمد للَّه الّذي أمر بحمده، ووعد عليه ثوابه، أحمده كثيرا كما أنعم علينا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ. أما بعد، فإنّك ذكرت أنّك تحبّني لقرابتي من رسول الله ﷺ، وذلك الواجب عليك وعلى كلّ من آمن برسول [٦] الله ﷺ، لأنّه الأجر الّذي سألكم رسول الله ﷺ، على ما أتاكم من الضياء [٧] والبرهان المنير،
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٤٠ ب: «وخذلانك» .
(٢) في الأصل: «بقي»، والتصويب من كتاب التاريخ.
(٣) ضبطت هذه الكلمة كما جاءت في كتاب التاريخ، والمقة: الود.
(٤) في كتاب التاريخ ص ٢٤٠ ب «أما القرآن فقوله تعالى»، وبعد تعالى، بياض.
(٥) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٤٠ ب.
(٦) في كتاب التاريخ «وعلى كل من آمن باللَّه وبه » .
(٧) في كتاب التاريخ: «النور والبرهان» .
[ ٦٣ ]
فقال: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبى ٤٢: ٢٣ [١] فمن لم يحب [٢] رسول الله ﷺ فقد خاب وخزي وكبا وهو وحلّ محلّ الأشقياء.
وأما قولك: إنّي من أسرتك وأهل بيتك فهو كذلك وإنّما أردت صلة الرّحم وهو من فعل الأبرار المصطفين الأخيار، ولعمري إنك لوصول لرحمك مع ما كان منك فيما لا تثريب عليك فيه اليوم. وأما قولك: إنّي لسان قريش، فإنّي لم أعط من ذلك أمرا لم تعطه ولكنك قلت فيه لشرفك وفضلك، وقد قال الأول:
[٢٤ ب] وكلّ كريم للكريم مفضّل يراه له أهلا وإن كان أفضلا
وأمّا قولك: إنّ أبي كان خلّا لأبيك فقد كان كذلك، وقد علمت ما كان من أبي إليه يوم الفتح، وكان شاكرا كريما. وقد قال في ذلك الأول:
سأحفظ من آخى أبي في حياته وأحفظه من بعده في الأقارب [٣]
ولست بمن لا يحفظ العهد واثقا ولا لي [٤] عند النائبات بصاحب
وأما قولك في عدوي عليك بصفين، فو الله إن لو لم أفعل ذلك لكنت من شر العالمين، أكانت نفسك تحدّثك أنّي كنت أخذل ابن عمّي أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وقد حشد له المهاجرون والأنصار؟ لم يا معاوية، أضنا بنفسي أم شكا في ديني أم جبنا عن سجيتي؟ والله لو فعلت ذلك لاختبأته
_________________
(١) سورة الشورى، الآية ٢٣.
(٢) في كتاب التاريخ ص ٢٤١: «فمن لم يحبنا فقد خاب وحل محل الأشقياء» .
(٣) في كتاب التاريخ ص ٢٤١ أ: «للأقارب» .
(٤) في الأصل: «له»، والتصويب من كتاب التاريخ.
[ ٦٤ ]
في [١] وإن كنت قد عاتبتني عليه. وأما قولك في خذلان عثمان، فقد خذله من هو أمسّ به رحما، وأبعد رحما مني، فلي في الأقربين والأبعدين أسوة، ولم أعد عليه مع من عدا، بل كففت عنه كما كفّ أهل الحجاز. وأمّا قولك في عائشة فإنّ الله أمرها أن تحتجب بسترها وتقرّ في بيتها، فلمّا عصت ربّها، وخالفت نبيّها، صنعنا ما كان منّا إليها. وأما قولك في نفيي أخاك [زيادا] [٢] [٢٥ أ] فإنّي لم أنفه بل نفاه رسول الله ﷺ بقوله: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وإني من بعد هذا [٣] لأحبّ ما يسرّك في جميع أمرك. فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين! لا يخدعنّك بلسانه فو الله ما أحبّك طرفة عين قط، وإنّه لكما قال الأول:
قد كنت حلما في الحياة مرزّءا وقد كنت لبّاس الرجال على غمر
فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إنّ عمرا قد دخل بين العظم واللحم، وبين العصا واللحاء، وقد قال فليسمع، وقد وافق قرنا. يا عمرو! إني والله ما أصبحت معتذرا إلى أحد من أن أكون شانيا لك قاليا، لأن الله قال لنبيّه ﷺ: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ١٠٨: ٣ [٤]، فأنت الأبتر من الدين والدنيا، وأنت شانئ محمد وآل محمد في الجاهلية والإسلام، ووجدت الله يقول:
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ من حَادَّ الله وَرَسُولَهُ ٥٨: ٢٢ [٥]،
_________________
(١) في الأصل: «لاحتبأته في»، وفي كتاب التاريخ ص ٢٤١ أ- ب: «والله إن لو فعلت ذلك لاختبأته في، وعاتبتني عليه» . واختتأ: خاف أن يعاب أو يسب.
(٢) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٤١ ب.
(٣) في كتاب التاريخ ص ٢٤١ ب: «هذه» .
(٤) سورة الكوثر، الآية ٣.
(٥) سورة المجادلة، الآية ٢٢.
[ ٦٥ ]
فإنك والله لقد حاددت الله ورسوله، ولقد جهدت على رسول الله ﷺ بجهدك، وأجلبت عليه بخيلك ورجلك، حتى غلبك الله على أمرك، وأوهن قوتك وردّ كيدك في نحرك، ثمّ عدت لعداوة أهل بيته من بعده، ليس بك في ذلك حبّ معاوية ولا آل معاوية إلّا العداوة للَّه ولرسوله ﷺ، بالحسد القديم [٢٥ ب] لأبناء عبد مناف، والبغض لهم، وإنك وإياهم لكما قال الأول:
تعرّض لي عمرو وعمرو خزاية تعرّض ضبع القفر للأسد الورد
فما هو لي ندا فأشتم عرضه ولا هو لي عبد فأبطش بالعبد
فقال عمرو: اي والله. فقال معاوية: إنّك لست من رجاله، فإن شئت فقل، وإن كرهت فدع.
قال: كتب هرقل [١] إلى معاوية بن أبي سفيان يسأله عن الشيء، وعن لا شيء، وعن دين لا يقبل الله غيره، وعن مفتاح الصلاة، وعن غرس الجنّة، وعن صلاة كل شيء، وعن أربعة فيهم الروح لم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وعن رجل لا أب له، وعن رجل لا قوم له، وعن قبر جرى بصاحبه، وعن قوس قزح، وعن بقعة طلعت عليها الشمس مرة لم تطلع عليها قبلها ولا بعدها، وعن ظاعن [٢] لم يظعن [٢] قبلها ولا بعدها، وعن شجرة نبتت من غير ماء، وعن شيء يتنفس لا روح فيه، وعن اليوم وأمس وغد وبعد غد ما أجزاؤها في الكلام، وعن البرق والرعد وصوته، وعن المجرّة، وعن محو القمر. فقيل لمعاوية: لست هناك، وإنك متى تخطىء شيئا في كتابه يغتمز [٣] فيك، فاكتب إلى ابن عبّاس، فكتب إليه
_________________
(١) انظر رواية أخرى لهذا الخبر في العقد الفريد ج ٢ ص ٢٠١- ٢٠٢.
(٢) في الأصل: بالطاء المهملة.
(٣) في الأصل: «يغتمر» .
[ ٦٦ ]
بهن. فأجابه ابن عباس: أمّا الشيء فالماء، قال الله ﷿: وَجَعَلْنا من الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ ٢١: ٣٠ [١]، وأما لا شيء فالدنيا تبيد وتفنى، وأما [٢٦ أ] الدين الّذي لا يقبل الله غيره من أحد فهو: «لا إله إلّا الله»، وأما مفتاح الصلاة: «فاللَّه أكبر»، وأما غرس الجنّة: «فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه»، وأما صلاة كلّ شيء: «فسبحان الله وبحمده»، وأما الأربعة الذين فيهم الروح لم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء: فآدم وحواء وعصا موسى والكبش الّذي فدى الله به إسماعيل، وأمّا الرجل الّذي لا أب له: فعيسى بن مريم، وأمّا الرجل الّذي لا قوم له: فآدم، وأمّا القبر الّذي جرى بصاحبه: فالحوت حيث سار بيونس في البحر، وأمّا قوس قزح:
فأمان الله لعباده من الغرق، وأما البقعة التي طلعت عليها الشمس مرة لم تطلع عليها قبلها ولا بعدها: فالبحر حيث انفلق لبني إسرائيل، وأما الظاعن [٢] الّذي ظعن مرة لم يظعن قبلها ولا بعدها: فجبل طور سيناء، كان بينه وبين الأرض المقدّسة أربع ليال، فلما عصت بنو إسرائيل أطاره الله بجناحين من نور فيه ألوان العذاب فأظلّه عليهم وناداهم مناد: إن قبلتم التوراة كشفته عنكم وإلّا ألقيته عليكم، فأخذوا التوراة معتذرين، فردّه الله إلى موضعه، فذلك قوله ﷿: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ ٧: ١٧١ [٣] إلى آخر الآية، وأمّا الشجرة التي نبتت من غير [٢٦ ب] ماء: فاليقطينة التي نبتت على يونس، وأمّا الشيء الّذي يتنفّس ليس فيه روح «فالصبح إذا تنفس»، وأمّا اليوم فعمل وغدا أجل وبعد غد أمل، وأمّا البرق: فمخاريق بأيدي الملائكة تضرب بها السحاب، وأما الرعد:
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية ٣٠.
(٢) في الأصل: بالطاء.
(٣) سورة الأعراف، الآية ١٧١.
[ ٦٧ ]
فاسم الملك الّذي يسوق السحاب وصوته زجره، وأمّا المجرّة: فأبواب السّماء، ومنها يفتح الله الأبواب، وأمّا المحو الّذي في القمر، فقول الله جلّ وعزّ: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ١٧: ١٢ [١]، ولولا ذلك المحو لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل.
قال: فبعث بها معاوية إلى قيصر، وكتب إليه بجواب كتابه، فقال قيصر: ما يعلم هذا إلّا نبيّ أو رجل من أهل بيت نبيّ. قال: قال معاوية ذات يوم وعنده ابن عبّاس: يا أبا العبّاس إنه قد ضربتني أمواج القرآن البارحة في آيتين لم أعرف تأويلهما ففزعت إليك، قال: وما هما؟ قال: قوله وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ٢١: ٨٧ [٢]، فقلت: سبحان الله أيظنّ نبيّ الله ألّا يقدر عليه وأنّه يفوته إذا أراده، ما يظنّ هذا مؤمن، وقوله: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا ١٢: ١١٠ [٣]، فقلت: سبحان الله كيف هذا؟ أن ييأس الرسل من نصر الله [٢٧ أ] ويظنّون أنّهم قد كذبهم ما وعدهم، إنّ هاتين الآيتين لهما خبر من التأويل لا يعلمه أحد.
فقال ابن عبّاس: أمّا يونس فظنّ أن تبلغ خطيئته أن يقدر الله بها العذاب عليه فلم يشك أنّ الله إذا أراده قدر عليه، فهو قول الله جلّ وعزّ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ٢١: ٨٧. وأما قوله حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنوا أنّ من أعطاهم الرضا في العلانية قد كذبهم في السرّ وذلك لطول البلاء عليهم، ولم يستيئس الرسل من نصر، ولم يظنوا أنّه قد كذبهم ما وعدهم. فقال معاوية:
فرّجت الكرب عني فرّج الله عنك. فقال ابن عباس: فإن رجلا قام من عندي قرأ عليّ قول الله ﷿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً ٢: ٢٢٢
_________________
(١) سورة الاسراء، الآية ١٢.
(٢) سورة الأنبياء، الآية ٨٧.
(٣) سورة يوسف، الآية ١١٠.
[ ٦٨ ]
فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ في الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ٢: ٢٢٢ (يعني يتوضأن) [١] فَإِذا تَطَهَّرْنَ [٢] فَأْتُوهُنَّ من حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ٢: ٢٢٢ [٣]، فقلت له: إن دنت بهذا التأويل كفرت إنما عنى الله حتى يطهرن من الدم فإذا تطهرن، يعني بالماء، فأتوهن من حيث أمركم الله طاهرات غير حيّض. فقال معاوية: إن قريشا تغتبط بك، لا بل جميع العرب، لا بل أمة محمد ﷺ، ولولا خفّتك مع عليّ لعطفتني عليك العواطف. فقال في ذلك أيمن بن خريم الأسدي [٤] وكان شاعر بني أسد:
[٢٧ ب] ما كان يعلم هذا العلم من أحد بعد النبيّ سوى الحبر ابن عباس
يستنبط العلم غضّا من معادنه هذا اليقين وما بالحقّ من باس
دينوا بقول ابن عبّاس وحكمته إنّ المنافيّ منكم عالم النّاس
كالقطب قطب الرحا في كلّ حادثة امّ اللّحام فمنه موضع الفاس
منذا يفرّج عنكم كلّ معضلة إن صار رمسا مقيما بين أرماس
قال [٥]: استأذن ابن عباس على معاوية فأذن له، فلمّا بصر به قال لسعيد ابن العاص: لاسألنّ ابن عبّاس عن مسائل يعيا بها، وقد اختلفت فيها [٦] بطون
_________________
(١) في الأصل: «توضأن» .
(٢) لم ترد في النص.
(٣) سورة البقرة، الآية ٢٢٢.
(٤) أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي. انظر ترجمته في الشعر والشعراء (دار الثقافة- بيروت ١٩٦٤) ج ٢ ص ٤٥٣، والأغاني (دار الثقافة) ج ٢٠ ص ٢٦٩.
(٥) روى المسعودي هذا الخبر في مروج الذهب ج ٣ ص ١٢١- ١٢٥ وبين الروايتين اختلاف في كثير من الألفاظ والتعابير.
(٦) في الأصل: «فيه» .
[ ٦٩ ]
قريش وأشراف العرب. فقال سعيد: مهلا يا أمير المؤمنين! فليس ابن عبّاس يعيا بمسائلك. فلمّا جلس قال له معاوية: يا ابن عبّاس! ما تقول في أبي بكر؟ [قال] [١]: كان والله للقرآن تاليا، وللشرّ قاليا، وعن المين نابيا، وعن المنكر ناهيا، وعن الفحشاء ساهيا، وبدين [٢] الله عارفا، ومن الله خائفا، وعن الموبقات صادفا، وعن المحارم جانفا [٣]، فيخال [٤] قلبه الدهر واجفا، وبالليل قائما، وبالنهار صائما، ومن دنياه سالما، وعلى عدل البرية عازما، وفي كل الأمور جازما، وبالمعروف آمرا، وعليه صابرا، وعن المهلكات [٥] زاجرا، وبنور الله ناظرا، ولنفسه في المصالح قاهرا، [٢٨ أ] فاق أصحابه ورعا وكفافا، وقناعة وعفافا، وسادهم زهدا وأمانة [٦]، وبرا وحياطة، فأعقب الله من طعن فيه الشقاق إلى يوم التلاق [٧] . قال:
فما تقول في عمر؟ قال: رحم الله أبا حفص، كان والله حليف الإسلام، وأبا [٨] الأيتام، ومحلّ الإيمان، ومنتهى الإحسان، وملاذ [٩] الضعفاء ومعقل الحنفاء، وكان للحقّ حصنا، وللناس عونا، قام بأمر [١٠] الله صابرا
_________________
(١) في الأصل بياض وما أثبتا من مروج الذهب وقد جاء فيه: «قال: رحم الله أبا بكر» .
(٢) في مروج الذهب: «وبذنبه عارفا»
(٣) في الأصل: «جايفا» .
(٤) في الأصل: «فيحال» .
(٥) في مروج الذهب: «ومن الشبهات» .
(٦) في مروج الذهب ج ٥ ص ١٢١ «وعفافا» .
(٧) ن. م. «فغضب الله على من أبغضه وطعن عليه» .
(٨) في الأصل: «أب»، وفي مروج الذهب ج ٥ ص ١٢٢ «مأوى» .
(٩) في مروج الذهب «وكهف» .
(١٠) ن. م. «بحق» .
[ ٧٠ ]
محتسبا، حتى أظهر الله الدين، وفتح الديار [١]، وذكر الله في الأقطار والمنازل، وفي الضواحي والبقاع، وعلى التلال واليفاع، عند نقض [٢] الحبى وقورا، وللَّه في الرخاء والشدة شكورا، وله في كل وقت وأوان ذكورا، فأعقب الله من [٣] تنقّصه الندامة [٤] إلى يوم القيامة [٥] . قال: فما تقول في عثمان؟ قال:
رحم الله أبا عمرو، كان والله أكرم الحفدة، وأفضل البررة، هجّادا بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، دائم التذكرة فيما يعنيه بالليل والنهار، نهّاضا إلى كلّ مكرمة [٦]، سعّاء إلى كل منجية، فرّارا [٧] من كل موبقة، حييّا عاش [٨]، وقتل [٩] أبيّا، صاحب جيش العسرة وختن النبيّ، فأعقب الله من ثلبه اللعائن إلى يوم التغابن [١٠] . قال: فما تقول في عليّ؟ قال:
رحم الله أبا الحسن، كان والله علم [٢٨ ب] الهدى، وكهف التقى، وبحر الندى، ومأوى الورى، وطود النهى، ونورا للسفر في ظلم الدجى، وداعيا إلى المحجة العظمى، ومستمسكا بالعروة الوثقى، وطاعنا إلى الغاية القصوى، وعالما بما في الصحف الأولى، عاملا بطاعة الله الملك الأعلى، عالما بالتأويل والذكرى، ومتعلّقا بأسباب الهدى، وجانفا عن طرقات الردى، وساميا إلى المجد والعلى، وقائما بالدّين والتقوى، وتاركا للجور
_________________
(١) ن. م. «حتى أوضح الدين وفتح البلاد» .
(٢) في الأصل: «نقض الجبّيّ» .
(٣) مروج الذهب «على من» .
(٤) ن. م. «اللعنة» .
(٥) ن. م. «الدين» .
(٦) ن. م. «سباقا إلى كل منحة» .
(٧) في الأصل: «هدّارا» .
(٨) زيادة وفي مروج الذهب «حييا أبيا وفيا» .
(٩) عين الفعل في الأصل مهملة.
(١٠) في مروج الذهب «فأعقب الله على من يلعنه لعنة اللاعنين إلى يوم الدين» .
[ ٧١ ]
والأذى، وخير من آمن واتّقى، وسيّد من تقمّص وارتدى، وأكرم من أخبت وسعى، وأفضل من صام وصلّى، وأخطب أهل الدنيا، وأفصح من شهد النجوى، سوى النبيّ المصطفى، صاحب القبلتين فهل يساويه من بشر؟ وأبو السبطين فهل يوازيه أحد؟ وزوج خير النسوان فهل يفوقه مخلوق؟
كان والله للأشداء قتّالا، ولهم في الحروب ختّالا، وفي الهزاهز شغّالا، لم تر عين مثله، ولا ترى إلى يوم القيامة، فعلى من تنقّصه لعنة الله والعباد، إلى يوم التناد. قال: فما تقول في طلحة والزبير؟ قال: رحمهما الله، كانا والله عفيفين، مسلمين، خيّرين، برّين، صادقين، فاضلين، طاهرين مطهّرين، شهيدين، عالمين باللَّه زلّا زلة والله غافر ذلك لهما، [٢٩ أ] للنصرة القديمة، والصحبة الكريمة، والأفعال الجميلة، فأعقب الله من نالهما بسوء اللعنة، إلى يوم الحسرة. قال: فما تقول في العباس؟ قال: رحم الله أبا الفضل، كان والله صنو أبي رسول الله ﷺ، وقرّة عين صفيّ الله، سيّد الأعمام، ولهميم الأقوام، حوى أخلاق آبائه، وأحلام أجداده الأمجاد، له علم بالأمور، قد زانه حلم، ونظر في العواقب وقد سدده فهم، كان دائبا يكتسب بسالة كلّ مهذب صنديد، ويجتنب محالفة [١] كلّ رعديد، تلاشت الأحساب دون فخر عشيرته، وتباعدت الأنساب عند ذكر فضيلته، صاحب البيت والسقاية، والمشعر والعلامة، ولم لا يكون كذلك، وقد ساسه أكرم من هبّ ودبّ، عبد المطلب، وأكرم من مشى وركب. قال: فقام إليه سراقة فقال: يا ابن عباس بم سمّيت قريش قريشا؟ قال: سألت عن علم مخزون، وأدب مكنون، إنما سمّيت قريش قريشا: إنّ في البحر حوتا يسمّى قريشا يأكل الحيتان
_________________
(١) في الأصل: «مخالفة» وهو تحريف.
[ ٧٢ ]
ولا يؤكل، ويعلوها ولا يعلى، فلذلك سمّيت قريش قريشا، ألم تسمع قول الشاعر:
إنّ قريشا هي التي تسكن البحر بها سمّيت قريش قريشا [١]
سلّطت بالعلوّ في لجّة البحر على ساكن البحور جيوشا
[٢٩ ب] يأكل الغثّ والسمين ولا يترك فيها لذي الجناحين ريشا
هكذا في البلاد حيّ قريش يأكلون البلاد أكلا كشيشا
ولهم آخر الزّمان نبيّ يكثر القتل فيهم والخموشا
يملأ الأرض خيله ورجال يحسرون المطيّ حسرا كميشا
فقال معاوية: أشهد أنّك كلمانيّ قومك. فلما خرج ابن عباس قال معاوية لسعيد: ما كلمته قط إلّا رأيته مستعدا.
قال: لمّا قدم معاوية المدينة في أول مقدمه تلقّاه الناس ولم يأته ابن عباس، فلمّا دخل المسجد ومعه عمرو بن العاص، نظر إلى ابن عباس في ناحية المسجد، وابن عمر قريب منه، فقال معاوية لعمرو: ألا تحرّك ابن عبّاس؟ قال عمرو: لا يا أمير المؤمنين، فإنه من قوم لم يفضحهم الله قطّ بألسنتهم، قال: عليّ ذاك، قال: أنت أعلم. فأقبل معاوية مع عمرو حتى وقفا على ابن عبّاس، فقال معاوية: يا ابن عبّاس! ما منعك أن تلقاني مع نظرائك من بني أبيك؟ قال: لم يقض ذلك. قال: فلعلّ الّذي كان بيني وبين ابن عمك منعك. قال: هو ذاك. قال معاوية: فإنّ الله قد نصرني عليه لما علم من نيتي. قال: وما علم من نيتك يا معاوية، أن آمن وكفرت، ونصر وخذلت، وقام وقعدت؟ قال: لا، ولكني لطلبي [٣٠ أ] بدم عثمان،
_________________
(١) ورد البيت في لسان العرب، مادة (قريش): وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا
[ ٧٣ ]
وقال الله ﷿ وَمن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا ١٧: ٣٣ [١] . قال:
أفبدم عثمان استحققت الخلافة؟ قال: نعم. قال ابن عباس: قد قتل أبو هذا- يعني ابن عمر- وهو خير من صاحبك، وهذا خير منك، فهو أحقّ بالخلافة. قال: أبو هذا قتله الكافرون، وإنّ صاحبي قتله المؤمنون. قال: فذاك والله أدحض لحجّتك، وأقل لعذرك. فانصرف وكأنه خاصي حمار.
قال [٢]: أقبل معاوية يوما على بني هاشم، فقال: ألا تحدثوني عن ادعائكم الخلافة من دون قريش، بم [٣] تكون لكم؟ أبالرضا والجماعة عليكم دون القرابة، أم للقرابة [٤] دون الجماعة والرضا، أم بهما جميعا؟ [٥] فإن كان هذا الأمر بالجماعة والرضا دون القرابة، فلا أرى القرابة [٦] أثبتت حقا ولا ثبتت [٧] ملكا. وإن كان بالقرابة دون الجماعة [والرضا] [٨]، فما منع العباس وهو عم النبي ﷺ، ووارثه، وساقي الحجيج وضامن الأيتام أن يطلبها وقد ضمن [٩] له أبو سفيان بني [١٠] عبد مناف؟ وإن كانت الخلافة
_________________
(١) سورة الاسراء، الآية ٣٣.
(٢) يروي ابن قتيبة هذا الخبر في كتابه عيون الأخبار (ط. دار الكتب) ج ١ ص ٥- ٦، عن الهيثم عن ابن عياش عن الشعبي، وبين الروايتين اختلاف في كثير من الألفاظ نشير إلى بعضه هنا.
(٣) في الأصل: «لم» وما أثبتنا رواية عيون الأخبار.
(٤) في عيون الاخبار: «بالقرابة» .
(٥) في ن. م. «أبالرضا بكم أم بالاجتماع عليكم دون القرابة، أم بالقرابة دون الجماعة، أم بهما جميعا؟» .
(٦) في الأصل: «للقرابة» .
(٧) في عيون الأخبار: «أسست» .
(٨) زيادة من عيون الأخبار.
(٩) في الأصل: «ظن» وهو تحريف.
(١٠) في الأصل: «ابن» .
[ ٧٤ ]
بالجماعة والرضا والقرابة جميعا، فإن القرابة خصلة من خصال الإمامة [لا تكون الإمامة] [١] بها وحدها وأنتم تدعونها بها [٢]، ولكنا نقول: أحق قريش من بسط الناس إليه أيديهم، ونقلوا إليه [٣٠ ب] أقدامهم للرغبة، وطارت أهواؤهم إليه للثقة، أو قاتل عليها بحقّها فأدركها من وجهها، إنّ أمركم لأمر تضيق به الصدور، إذا سئلتم عمّن اجتمع عليه الناس من غيركم قلتم اجتمعوا على حقّ، وإن [٣] كانوا على الحقّ فقد أخرجكم الحقّ من دعواكم، انظروا فإن كان القوم أخذوا حقكم فاطلبوهم [٤]، وإن كانوا أخذوا حقّهم فسلّموا لهم، فإنه لا يسعكم [٥] إن تروا لأنفسكم ما لا تراه الناس لكم. فتكلّم ابن عباس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: ندّعي هذا الأمر بحقّ من لولا حقّه لم تقعد أنت مقعدك هذا، ونقول [٦]: كان ترك الناس أن يرضوا بنا ويجتمعوا علينا حقّا ضيّعوه [٧]، وحظا حرموه، وقد اجتمعوا على ذي فضل فضّلوه [٨]، ولكلّ [٩] ذي فضل حظّه من ارتفاع درجته وقرب وسيلته. فأمّا الّذي منعنا
_________________
(١) زيادة من عيون الأخبار.
(٢) في ن. م. «بها وحدها» .
(٣) في رواية عيون الأخبار: «فان» .
(٤) في الأصل: «فظلموكم»، وما أثبتنا رواية عيون الأخبار.
(٥) في عيون الأخبار: «لا ينفعكم» .
(٦) في الأصل «يقول» وما أثبتنا رواية عيون الأخبار.
(٧) في الأصل: «ضيعتموه» وما أثبتنا رواية عيون الأخبار.
(٨) في الأصل «فضله» . وفي عيون الأخبار «وقد اجتمعوا على ذي فضل لم يخطئ الورد والصدور» .
(٩) عبارة «ولكل ذي فضل وسيلته» لا ترد في عيون الأخبار، ويرد محلها «لا ينقص فضل ذي فضل فضل غيره عليه. قال الله ﷿: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ١١: ٣.
(١٠) في الأصل: «يمنعنا»، وما أثبتنا رواية عيون الأخبار.
[ ٧٥ ]
من طلب هذا الأمر بعد رسول الله ﷺ فعهد من رسول الله ﷺ إلينا قبلناه بقبوله [١]، ودنا بتأويله، ولو أردنا [٢] أن نأخذه على الوجه الّذي نهانا عنه [لأخذناه] [٣] أو [٤] أعذرنا فيه، وما [٥] زدنا على أن أعفينا الناس من حقّنا حين التووا علينا، فلا يعاب أحد بترك حقّه، إنما يعاب [٣١ أ] بطلب ما ليس له [٦] . وأمّا أبو سفيان فأراد [٧]، ولو طلبنا هذا الأمر لاستعنّا به، وكلّ صواب نافع، وردّ خطأ غير ضائر [٨]، انتهت القضية إلى داود وسليمان فحصر عليها [٩] داود وفهّمها سليمان، فنفعت سليمان ولم تضرّ داود [١٠]، فأما القرابة فقد [١١] نفعت المشرك وهي للمؤمن أنفع [١٢]، قول رسول الله ﷺ لعمه أبي طالب: قل: لا إله إلّا الله
_________________
(١) في عيون الأخبار: «قبلنا فيه قوله» .
(٢) في عيون الأخبار، «ولو أمرنا» .
(٣) زيادة من عيون الأخبار.
(٤) في الأصل «و»، وما أثبتنا رواية عيون الأخبار.
(٥) عبارة: «ما زدنا التووا علينا» لا ترد في عيون الأخبار.
(٦) في عيون الأخبار: «إنما المعيب من يطلب ما ليس له» .
(٧) عبارة «وأما أبو سفيان لا تسعنا به» لا ترد في عيون الأخبار.
(٨) في الأصل: «ضرّاب» والتصويب من عيون الأخبار، ونصه كل صواب نافع وليس كل خطإ ضارّا.
(٩) في الأصل عليهما، وفي عيون الأخبار: «فلم يفهمها داود»، وحصر عليها أي أعيا في حل المشكلة.
(١٠) في عيون الأخبار: «وفهمها سليمان ولم يضر داود» .
(١١) في الأصل: «قد» والتصويب من عيون الأخبار.
(١٢) في عيون الأخبار إضافة هنا، إذ يروى «قال رسول الله (ص) أنت عمي وصنو أبي، ومن أبغض العباس فقد أبغضني وهجرتك آخر الهجرة كما أن نبوتي آخر النبوة، وقال لأبي طالب عند موته: يا عم قل » .
[ ٧٦ ]
أشفع لك بها يوم القيامة، ولم [١] يكن رسول الله ﷺ ليقول إلّا ما يكون منه على علم، وليس ذلك لأحد من الناس لأن الله يقول وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ٤: ١٨ [٢] إلى آخر الآية، ثمّ سكت، فقال نواس [؟] [٣] بن شبيب الفزاري وكان من وجوه قيس عيلان:
معاوي قد منيت بذي مطال عظيم القدر يحمل ما يقول
رمى فأصاب مقتلك ابن هند ومرميّ ابن عبّاس قتيل
ويثني بعد أسهمه بوطء منافيّ ووطؤهم ثقيل
جهلت جوابه فيكون عذرا يقال له من الجهل الجهول
ألم تعلم بأنّ له جوابا ثقيلا لا ينوء به الفيول
[٣١ ب] وعلما تقصر العلياء عنه يخال به- إذا فاض- السيول
فلو خفت الجواب كففت عنه وهذا ما تضمّنه العقول
نجوت ولم يكن [٤] بين المخازي وبين ظهورها إلّا قليل
فأولى ثم أولى ثم أولى ثلاثا إنّ أمركم جليل
فلا تهج ابن عباس مجيبا فإن لسانه سيف صقيل [٥]
قال: وفد معاوية [٦] بن عبد الله بن جعفر وعبد الله بن العبّاس على
_________________
(١) عبارة «ولم يكن رسول الله على علم» ليست في عيون الأخبار.
(٢) سورة النساء، الآية ١٨. هنا تنتهي رواية عيون الأخبار.
(٣) كذا في الأصل.
(٤) في الأصل: تكن.
(٥) انظر ص ٥٦ من هذا الكتاب.
(٦) انظر في شرح نهج البلاغة ج ٦ ص ٢٩٥ ملاحاة بين معاوية وعبد الله بن جعفر.
[ ٧٧ ]
معاوية ابن أبي سفيان، وكان معاوية بن عبد الله حدثا، فلما دخلا عليه رحّب بهما، وقرّب مجلسهما، فأقاما عنده، وهذا بعد وفاة الحسن بن علي. قال:
فدخلا عليه ذات يوم وعنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وعبد الرحمن ابن أبي الحكم، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، ورجالات من بني أمية ووجوه أهل الشام. فلما أخذا مجلسهما، وقد كان معاوية قال لهم: دونكم هذا الغلام فهجّنوه فإنّه حدث وليس يعرف عيوبكم ومساوئكم، وابن عباس فإنّه سينصر ابن عمه، ولكنكم إذا خجّلتم صاحبه انكسر [١] عنكم. فجمع لهم الناس رجاء أن يكون أشدّ لانكساره وأسرع لخجله، فلمّا أخذ القوم مجالسهم، قال عمرو: من الفتى [٣٢ أ] يا أمير المؤمنين؟ قال:
معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيّار. فقال عمرو: تناسلت والله بنو عبد المطلب بعد ما ظنّنا أن قد أفنيناهم بصفّين والمواطن، علونا والله عليكم يا معاوية بن عبد الله بالأفعال السنية، والأكف السخيّة، والأنفس الأبية عند الوغى، فليس لكم كفخرنا نحن السادة وأبناؤها. ثم قال مروان: أنعم يا أمير المؤمنين إذا قدرت، واعف إذا مننت، وأجزل إذا أعطيت، فقد قعدوا بين يديك قعود العبيد بين يدي مواليها، ما ظننتك يا ابن عبد الله تجسر على زيارة أمير المؤمنين، وقد علمت ما لقي قومك منّا، والغلبة لهم عند المخاطبة، والقهر عند المبارزة، ولكن حداثتك حملتك على ذلك فنحن نعذرك. ثم قال الوليد بن عقبة: لم تزل لنا الغلبة والرئاسة، وفينا الحماة والقادة، نصول في الحرب ونفتدي الأسرى من القتل، لا ينكر ذلك منكركم، وإن كنت تعرف غير ذلك فتكلم يا ابن عبد الله، وما أظنك تفعل لأنّه لا يقوم باطلك لحقّنا. فأراد ابن عباس أن يتكلم،
_________________
(١) في الأصل: «انكسر صاحبه عنكم» «وصاحبه» زيادة من الناسخ.
[ ٧٨ ]
فأقسم عليه معاوية أن يخلّي بينه وبين القوم، فكفّ، وبدره ابن عبد الله فقال: يا ابن عم:
إذا اجتمعوا عليّ فخلّ عنهم وعن ليث مخالبه دوامي
[٣٢ ب] ثم قال: أنا معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيّار في الجنة، الصحيح الأديم، الواضح البرهان، آبائي من العرب مصاصها، وفي الحروب لهامها، ومن الدين كاهلها وسنامها، نحن أهل بيت الرحمة ومعدن الحكمة.
زعمت يا عمرو أنكم أفنيتمونا بصفّين والمواطن، كذبت. لقد ورد عمّي بلادكم فقتل مقاتلكم، فلما همّ بالسبي رفعتم المصاحف، فمنّ عليكم بالعفو، وما كان ينبغي يا عمرو أن تنطق وقد شغرت [١] برجليك وسط العجاجة كالعاهرة تطلب فحلها، ثمّ تنطق في قريش فينبغي لك، هبلتك الهوابل، ألّا تفاخرنا بعد ذلك. أطمعت في حداثة سنّي فظننت ألّا أبصر عيوبكم! لأنا أحفظ لها منّي للقرآن. ثمّ التفت إلى مروان فقال: ما ظننت الرخمة تنطق في محافل العقبان. هيهات يا مروان! قصر خطوك، وضاق باعك عن مثل الشرف الأعلى، والمراتب الأولى، والنجباء الذين نطقوا بتأويل القرآن وتنزيله، فتقاوم فروعهم، وتفاخر آباءهم، أنت أذلّ حسبا وأوتح [٢] نسبا، قد أطلقك عمّي بعد ما أتي بك تقاد كما يقاد الجمل المخشوش [٣]، فمنّ عليك سيّد الأوصياء وأمير النقباء، ووصيّ الأتقياء بالعفو، وأنّى لك مثل رجالنا الذين كانوا جبال العزّ وأطواد [٣٣ أ] الفخر، يسطع نورهم فلا يخمد، ويقبل قولهم فلا ينفذ. نطحنكم في الحروب، ونذروكم فيها ذرو الريح يابس الهشيم، نورد فلا تصدرون، ونصدر فلا توردون، علونا عليكم
_________________
(١) في الأصل: «شعرت» .
(٢) في الأصل: «أوبخ» .
(٣) في الأصل: «المحشوش» .
[ ٧٩ ]
بالنّبوّة، وبالمقال في الجاهلية، وآباؤنا القدماء [١] القراسية، فزعمت أنّا قد قعدنا قعود العبيد بين أيدي مواليها وكيف يكون ويلك الذنب [٢] رأسا، ضربكم عمّي رسول الله ﷺ، ورجال قومي، على حقيقة هذا الدين والإقرار باليقين، ضربا أزال الهام عن مقيله وأثكل الأمهات أولادها، فأدخلكم في الدين كرها، فلما قيض رسول الله ﷺ، كنّا ورثة علمه وخزانة كتبه، فأمرنا الناس بالبيعة فبايعوا، ومنهم أبوك [٣]، لولا ذلك ضاقت به الأرض ولم تنجه البحار [٤]، وكانت حاله حالك يوم الجمل، حيث ولّيت غدرا [٥] وجبنا، فضاق عليك الفضاء الواسع. فأنّى أنت من آبائي القراسية الكبار، أطلب مذودا وكن راعيا، فلست من رجالات بني أمية، ولم تبلغ فخر بني عبد المطلب. ثم التفت إلى الوليد فقال: ما أنت يا وليد والكلام في قريش، ادّعيت والدا أنت أكبر سنا منه، وأبوك رجل من أهل صفورة [٦] يقال له [٣٣ ب] فروخ، فأثبت نسبك في العرب، فلمّا استمكنت ممّا أردت صرت لا ترضى حتى تجاري أبناء الأنبياء، وتذرع [٧] في منطقك وتقول بالإفك والخنا، ما لك في العرب أسّ فتبني عليه، ولا بنيت على أصل ثابت، فأنت كالمذبذب بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، تبّت يداك، عبت قوما لا يحلّ بساحتهم العار، ولا تجزي بفنائهم الدناءة والذل، نجب بها ليل، سراة مذاويد، يا لها وجوها عفّرت بالثرى، ما أكرم فعالها
_________________
(١) كررت كلمة «القدماء» في الأصل مرتين.
(٢) في الأصل: «الذيب» .
(٣) زيادة يقتضيها السياق، والإشارة التالية إلى الحكم بن أبي العاص بن أمية. انظر أنساب الأشراف (باعتناء محمد حميد الله) ج ١ ص ١٥١.
(٤) في الأصل: «ولم ينجه من البحار» .
(٥) في الأصل: «غادرا» .
(٦) في معجم البلدان ج ٣ ص ٤١٤: صفورية، كورة وبلدة من نواحي الأردن، بالشام، وهي قرب طبرية. وانظر ابن خرداذبه ص ٧٨.
(٧) في الأصل: «تدرع» وتذرع أي تفرط.
[ ٨٠ ]
في الدين، أنت بحرث الأرض وزجر الثيران أعرف وأبصر منك بنسبة بني هاشم وبذكر [١] فعالهم، فلا تجر في ميادين مضمارهم فيهلك غبارهم فلست منهم. فقال عبد الله بن عباس: حسبتموه أقطا فوجدتموه سمّا ناقعا، يرمي سوادكم بالحق فيبهتكم، وترمونه فلا تنفذ سهامكم، إنّ بني هاشم صغيرهم ككبيركم، فتزخر بحورهم، وتجمد بحوركم، لهم الرئاسة وإليهم السياسة، لهم النّبوة، فخروا بها عليكم آخر الأبد. فقال معاوية: إيها أبا العباس: فقد كفاك ابن عمّك، فسكت. وقاما فرجعا، فلما مضيا قال ابن عباس له: قد كنت حسبت أن تبقي [٢]، فيلحقنا منك عار أن تكون بنو [٣] أمية ناطقونا فضعفنا عن جوابهم. وقال معاوية: فكيف [٣٤ أ] وجدتني ورأيتني؟ قال: رأيتك أسدا باسلا، وسمّا ناقعا، وصاعقة مبيرة، أرسلك الله عليهم. فلما خرجا [٤] من عنده، قال لهم معاوية: ما صنعتم شيئا، لقد قال فأفحمكم، ورماكم فلم يخطكم، فما دفعتم ضيما، ولا أدليتم بحجة، يستنّ عليكم ويبذخ. فقال عمرو: والله ما بذخ علينا إلّا مثل الّذي بذخ عليك، وما قال فينا إلّا مثل الّذي قال فيك، عاب أمية وأنت من ذراها، ورفع رجال قومه حتى ألحقهم بالسماء. فقال معاوية: هم أهل بيت أعطوا الفخر واللسان ولا يقام لمفاخرهم.
قال: قدم عبد الله بن عباس على معاوية فقال له: يا ابن عباس! إنّ لك عندي قدرا لعظيم خطرك وشرفك، مع كريم منزلتك وعظيم حلمك، قد أردت مساءلتك ومناظرتك في أمور قد أهمّتني. قال: ما ذاك، لا يسؤك
_________________
(١) في الأصل: «يذكر» .
(٢) تبقي أي تعفو.
(٣) في الأصل: «بني» .
(٤) في الأصل: «خرجوا» .
[ ٨١ ]
الله؟ قال: تخلّف ابن عمّك عن البيعة ليزيد- يعني الحسين بن علي ﵉- فأمّا ابن الزبير فكأنّي به قد هوي، وأمّا الحسين فإن له قرابة قريبة، ونفسا حيية، وأحبّ ما سرّه وأبغض ما ضرّه. قال ابن عباس:
أمّا ابن الزبير فلا أدخل فيما بينكما، وأمّا الحسين فإنه قال وصدق وخفقت النعال خلفه، وهو رجل لا يملأ جنانه شيء [٣٤ ب]، وإنك لتعلم أنّه أتى أبا بكر وهو على منبر رسول الله ﷺ، فأخذ بردائه [١] فنتره نترا [٢] عنيفا ثمّ قال له: تنحّ عن مقام أبي. فقال أبو بكر: مقام أبيك لا مقام ابن أبي قحافة. فلم يمنعه من ذلك صغر سنّه، واجتماع الناس عليه وهيبتهم له، فكيف يهابك اليوم، وقد اشتدّ عضده وأزره، وكبر زنده، ولكن سأقول له ولا آلوه نفسي خيرا إن شاء الله. قال مروان: يا أمير المؤمنين! إني لأنهاك كثيرا عن هذه الاستكانة، ابعث إليهما فإن بايعا وإلّا فاضرب أعناقهما. فقال ابن عباس: لو كنت في موضع معاوية ما أوصيت نفسك بما أشرت به على معاوية، ولضاقت عليك إذن الأرض بما رحبت، ولو احتاج مع ذلك إلى نصرتك ما كانت نصرتك إيّاه إلّا نصرة أمة وكعاء، فهلّا أوصيت بذلك نفسك غداة قدمت البصرة ورأيت الحسرة وكانت عليك الدبرة، فعمدت إلى رجل من قريش بيعته في عنقك فرميته بمشقصك فقتلته [٣] ثمّ ولّيت هاربا غادرا، فأنت في كل ذلك تابع غير متبوع، لا ترى نفسك للرئاسة موضعا، ولا يرونك لها أهلا، فإن كنت إنّما أبغضت عليّا لقتله الوليد فقد قتله بأمر رسول الله ﷺ، وقتله رسول الله ﷺ
_________________
(١) في الأصل: «بردته» .
(٢) في الأصل: «ننثره نثرا» وهو تحريف، والنتر الجذب بجفاء.
(٣) إشارة إلى الرواية التي تتهم مروان بقتل طلحة بن عبيد الله في واقعة الجمل. انظر الطبري س ٤ ص ٢٣١٤.
[ ٨٢ ]
[٣٥ أ] بأمر الله ويرغم الله أنف من كان راغما، ورأس من لم يدفع ذلك والحجر. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين: مروان شيخ من مشايخنا، يستقبله غلام من بني هاشم بما استقبله، لا يرى لمجلسك وقارا، ولا يخاف منه حذارا.
فالتفت إليه ابن عباس فقال: يا عمرو عذر القراد فما بال الحلم [١]، والله إن رجلا في قريش ما كان [٢] إلّا سهما [٣] جال بأيدي الرجال لحقيق بالذلة، وإنك لمن لفقه [٤] وممن ختم بغير السنة. فقال معاوية، اعتديت على جليسي يا ابن عباس! قال: إنهما أسمعاني في ابن عمّي ما كرهت، وهذا مجلس يحكى عنّا، وكرهت أن يحكى عني ما لا يجمل بمثلي.
قال: لما قدم المأمون العراق، كتب إلى الكوفة وإلى البصرة يسأل عمن يروي له هذه الأربعة الأحاديث لجده عبد الله بن عباس ومعاوية بن أبي سفيان، فلم يكن أحد يعرفها غير عبد الله بن صالح الأسدي الكوفي، فحمل إليه، فحدّثه بها، فولّاه قضاء فارس حتى توفّي بها. فأحدها: خبره الّذي دخل إليه فنعى الحسن بن علي وأسامة بن زيد، وقد كتب. والثاني: خبره مع ابن الزبير في مجلس معاوية، وقد كتب. والثالث: عبد الله بن صالح يرفعه إلى ابن عباس قال:
قدمت على معاوية وعنده [٣٥ ب] وفود العرب، فأذن للوفود فدخلوا عليه ودخلت معهم، فتكلّم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا رسول الله ﷺ فإنه لم يخلق للدنيا ولم تخلق له، وأما أبو بكر فلم يردها ولم ترده، وأمّا عمر فأرادته ولم يردها، وأمّا عثمان فأخذ منها وترك، وأما أنا فمالت بي وملت بها، فأي امرئ إن [٥] يكن المصير إلى النار، قل
_________________
(١) انظر مجمع الأمثال (مطبعة السعادة ١٩٥٩) ج ٢ ص ٣٩.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) في الأصل: «سهم» .
(٤) أي على شاكلته، والأصل: «لمن لقبه» .
(٥) الأصل: «لم» . وانظر أنساب الأشراف ق ١ ص ٧٠٨ (إسطنبول) .
[ ٨٣ ]
يا ابن عباس! قال ابن عبّاس: أقول خيرا، إن كنت تريد الدنيا فقد أمكنتك ففي يديك ضرعها، وإن كنت تريد الآخرة فقد أمكنتك ففي يديك أسبابها، فإن أردت الدنيا فارتضع وإن أردت الآخرة فارتدع، واعلم أنّه ما نقصك من دنياك وزادك في آخرتك خير لك مما نقصك من آخرتك وزادك في دنياك، فلا يغرّنك من آخرتك غارّ، ولا يسرنّك من دنياك سارّ، ولعمري لقد حلبت الدنيا أشطرها وأرضعتها مرة بعد مرة، وشربت صفوها، فانظر أي امرئ تكون غدا، فبكى معاوية وأنشأ عبد الرحمن بن حسان [١] يقول:
قال ابن حرب مقالا مشفقا حذرا أرى الخروج من الدنيا إلى النار
[٣٦ أ] واقتصّ [زهد] [٢] أبي بكر وحقّ له الصدّيق ثاني رسول الله في الغار
واقتصّ زهد أبي حفص وقد عرضت دنيا يقسّم منها ألف قنطار
واقتصّ زهد أبي عمرو وقد سحبت له الذيول من الدّنيا بآثار
وقال: مالت بي الدّنيا وملت بها بئس المميل فيا للَّه من عار
قال ابن عبّاس المحمول حكمته قولا يعيه [٣] ذوو [٤] سمع وأبصار
قد أمكنتك فأمّا ما أردت فخذ والغبّ يعرف وردا بعد إصدار
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. راجع بعض أخباره في الأغاني ج ١٥ ص ١٠٧- ١٢١، الشعر والشعراء (دار الثقافة- بيروت) ص ٢٢٥، ٢٢٦، عيون الأخبار ج ٢ ص ١٩٨، ج ٣ ص ١٧٢.
(٢) زيادة دل عليها البيتان الثالث والرابع.
(٣) في الأصل: «يعييه» .
(٤) في الأصل: «ذو» .
[ ٨٤ ]