محمد بن عبد الله القطّان قال: حدّثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال:
حدّثني أبي قال: حدّثني حجر بن عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرميّ قال: سمعت عيسى بن علي، وذكر أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، فقال: كان قبيح الخلق قبيح الدابّة، فما ترك شيئا من القبح الّا نسبه إليه، وكان لا يذكر أبي، علي بن عبد الله، إلّا عابه، فبعث أبي ابنه محمد بن علي إلى باب الوليد بن عبد الملك، فأتى أبا هاشم وكتب عنه العلم، فكان إذا قام أبو هاشم يركب أخذ له بالركاب، فكفّه ذاك عن أبيه. قال: فكان يلطف ابنه محمدا بالشيء يبعث به إليه إلى دمشق فيبعث به محمد إلى أبي هاشم، فبعث أبي إلى محمد [١] ببغلة يركبها في عسكر الوليد، فبعث بها محمد إلى أبي هاشم، فكبرت عنده، وقال لمحمد: ما هذا؟ قال: بغلة بعث بها إلينا مولى لنا من مصر، فبعث بها إليّ فآثرتك بها.
وكان قوم من أهل خراسان يختلفون إلى أبي هاشم، فمرض مرضه الّذي مات فيه فقال له قوم من أهل خراسان: من تأمرنا نأتي بعدك؟ قال: هذا، وهو عنده، قالوا: من هذا؟ قال: هذا محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس، فقالوا: ما لنا ولهذا؟ قال: لا أعلم أحدا [٧٩ أ] أعلم منه ولا خيرا منه، فاختلفوا إليه. قال عيسى: فذاك سببنا بخراسان [٢] .
_________________
(١) في الأصل: «أبي محمد» .
(٢) انظر الكامل لابن الأثير ج ٥ ص ٥٣.
[ ١٧٣ ]
قال: وكان محمد بن علي يفد على الوليد أحيانا، ويغزو الصائف، ويرابط بالسواحل هو وإخوته وولده، فوفد على الوليد بن عبد الملك في آخر أيّامه فالفى عنده أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية.
وكان سبب [١] قدوم أبي هاشم على الوليد فيما ذكر إسحاق بن الفضل الهاشمي أنّ زيد بن الحسن بن علي [٢] بن أبي طالب صارت إليه صدقات علي، وهو يومئذ أسنّ ولد عليّ من فاطمة، فنازعه فيها أبو هاشم ورافعه إلى قضاة المدينة، وكان فيما احتج به [٣] أبو هاشم أن قال [٤]: أنا وأنت في النسب كفيّان، وقد جعل عليّ وصيته في صدقته إلى ذوي الفضل من أكابر ولده، فأنا أكبر سنّا منك، وأنا أعلم باللَّه وبكتابه وسنن نبيّه ﷺ منك، فعلام تحوز هذه المكرمة دوني، وإنّما الوصيّة لعليّ لا لفاطمة، فقبلت القضاة منه ذلك، ولم تدفعه [٥] عنه. ولما توجّه القضاء بالمدينة لأبي هاشم على زيد بن الحسن شخص زيد إلى دمشق وقدم على الوليد، فوشى بأبي هاشم، وذكر أنّ له شيعة من أصحاب المختار، وأنّهم يأتمّون به ويحملون صدقاتهم إليه. وزعم بعض من حكى حديث حبس أبي هاشم أن التشاجر بينه وبين زيد بن حسن بن علي قد كان تفاقم حتى شخص الوليد حاجا [٧٩ ب] سنة إحدى وتسعين، فلمّا قدم المدينة حضره أبو هاشم وزيد بن حسن، فقال الوليد لأبي هاشم: لقد أسرع إليك الشيب، فقال أبو هاشم: إنّه ليسرع إلى ذي السن، فقال زيد بن حسن بن علي: ذاك
_________________
(١) انظر كتاب التاريخ ص ٢٤٦ ب- ٢٤٧ أ.
(٢) زيادة. انظر جمهرة أنساب العرب ص ٣٨، وكتاب التاريخ ص ٢٤٦ ب.
(٣) في الأصل: «فيه»، وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص ٢٤٦ ب.
(٤) في كتاب التاريخ «أن قال لزيد» . ص ٢٤٦ ب.
(٥) في الأصل «يدفعه» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٤٦ ب.
[ ١٧٤ ]
يا أمير المؤمنين لغالية تهدى إليه من الكوفة يغتلف بها، فارتفع القول بينهما، إلى أن رماه زيد بانتماء من شيعته من أهل الكوفة، فلما صدر الوليد عن الموسم، فمرّ بالمدينة، أشخص معه أبا هاشم إلى دمشق، فحبسه بوشاية زيد ابن حسن. قال إسحاق بن الفضل: فشنّع، والله، زيد على أبي هاشم، وذهب إلى الوليد في أمره، فقبل ذلك منه، ورأى أن قد نصحه، فأقامه عليه وقرّب مجلسه. وذكروا أنّ الوليد تزوّج ابنة لزيد يقال لها نفيسة، وبعث إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، فقدم به عليه، وأمر بحبسه، وقدم معه أخوه عون بن محمد، فلقي في أمره قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وكان ذا منزلة من الوليد فقال له: إنّ أخي [١] حبس مظلوما بأمر لم يجنه، ونحن نسأل أمير المؤمنين أن يدعو به فيسأله عما قرف به، فإن تبيّن له عذر عذره، أو ثبت عليه قرف أخذه به. فكلّم قبيصة الوليد، وحكى له قول عون فقال الوليد: قد بلغني أنّه امرؤ جدل، ولا أحسب ابن عمّه كذب عليه، فخبّر عونا بذلك. وبلغ خبر حبسه، وما كان من قول الوليد فيه، عليّ بن الحسين [٨٠ أ] بن علي بن أبي طالب فوفد في أمره على الوليد ابن عبد الملك، فلما قدم عليه ألطفه، وقرّب مجلسه، وبلغنا أنّه قال: فيم تجشمت السفر على بعد الشقّة؟ قال: دعاني [٢] إليه عظيم القدر الّذي أكلمك فيه، والثقة مني برعاية حرمة أهلك [٣] . فقال له الوليد: وما ذاك؟ قال عليّ:
ما بال أقوام يتوسلون إليك بقرباتهم بأبي بكر [٤] وعمر وعثمان فترعى لهم
_________________
(١) في الأصل: «ابن أخي» . انظر جمهرة أنساب العرب ص ٦٦.
(٢) في الأصل: «عاني» .
(٣) في كتاب التاريخ ص ٢٤٧ أ «دعاني إليه أمر عظيم القدر أكلمك فيه ثقة برعايتك حرمة أهلك» .
(٤) في ن. م.: «بقراباتهم من أبي بكر..» ص ٢٤٧ أ.
[ ١٧٥ ]
حرمتهم [١] بهم، وأقربوك من آل الرسول يمتون [٢] إليك بقرابتهم به [٣] فلا تحفظ [٤] لهم حرمتهم ولا تكفّ الأذى عنهم. قال الوليد: وأيّ ذلك تعني؟ قال عليّ بن الحسين: بم حبست عبد الله بن محمد، وقرابته برسول الله ﷺ قرابته وحرمته بك حرمته، ولا نعلم في أهله رجلا نعدله به [٥] في فقهه وعلمه وطهارته وبعده من كلّ ما تكره. فقال له الوليد: زعم ابن عمك زيد بن حسن أنّه يسعى في تفريق الجماعة، وأنّه جعل نفسه إماما مفترض الطاعة، وأنّه قد اتخذ لنفسه شيعة من أهل العراق قد ائتمّوا به.
قال عليّ بن الحسين: والله ما بلغني هذا عنه، ولا ظننته به قط، ولقد تفاقم الّذي بينه وبين زيد حتى ما يؤمن زيد على الكذب عليه، وقد يكذب الرجل على ابن عمّه عند ما يقع من التنازع بينهما، وما خلا أهل بيت من أن يكون ذلك بينهم. قال الوليد: وكثيرا ما يكون. قال عليّ بن [٨٠ ب] الحسين: فالذي دعا زيدا إلى ما قرف به عبد الله بن محمد، فيما يظن، ذلك، ونحن نسألك برحم رسول الله ﷺ إلّا خليت سبيله. قال: اللَّهمّ [٦] قد فعلت على سوء ظنّ منّي به، فخلّى سبيله، وأمره بالمقام عنده.
وانصرف عليّ بن الحسين إلى المدينة، وأقام أبو هاشم بدمشق يحضر مجلس الوليد ويسامره، وربما مزح معه، فزعم إسحاق بن الفضل أنّ الوليد قال ذات ليلة، وأبو هاشم حاضره، في مجلس سمره: ما ترك رسول الله صلى
_________________
(١) في ن. م.: «فترعى حقهم وحرمتهم» .
(٢) في الأصل: «يمنون» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٤٧ أ.
(٣) في كتاب التاريخ ٢٤٧ أ «منه ومنك» .
(٤) في الأصل: «يحفظ» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٤٧ أ.
(٥) في الأصل وفي كتاب التاريخ ٢٤٧ أ «يعدله به» .
(٦) في كتاب التاريخ «اللَّهمّ إني» ٢٤٧ ب.
[ ١٧٦ ]
الله عليه وسلّم أن يتزوج في الأنصار إلّا رغبة عنهم، ولقد أصهر إلى غيرهم من العرب. فقال أبو هاشم: أو كلّ من لم يصهر إليه رسول الله ﷺ من العرب يشينه ذلك ويسبّ به، فها نحن- بني [١] هاشم- لم يتزوّج فينا رسول الله ﷺ، أفذاك سبّة علينا؟ ولقد حدّثني الثقة من أصحاب النبيّ ﷺ: أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك فقال: ما حيّ من العرب أحبّ إليّ من الأنصار، ولولا أنّ في الأنصار غيرة شديدة أكره لها نساءهم لأصهرت إليهم، فكانوا أحبّ من أصهر إليه. فقال له الوليد: لأنّك لشديد النصر للأنصار يا أبا البنات، ولم يكن لأبي هاشم ولد ذكر. فقال أبو هاشم: ما البنات بعار على ذي البنات، فقد كان نبيّ الله لوط أبا بنات، وكان نبيّ الله شعيب أبا بنات، وكان خير البرية محمد [٢] صلى الله عليه [٨١ أ] وسلّم أبا بنات، فبهم الأسوة لا بمن أذكر فلم يشكر. فعنت الوليد من قوله، ورأى أنّه قد استخفّ به في جوابه، وعرّض به، فقال: إنّك للخصم [٣] الألدّ، أرحل عن جواري. فقال أبو هاشم: أرحل والله عن جوارك فما الشام لي بوطن ولا أعرّج فيها على شجن، ولقد أطلت فيها حبسي، وكثر فيها ديني، وقلّت بها فائدتي، وما أنا لك بحامد، ولا- إن أعفيتني- إليك بعائد. فبلغنا أنّه قال له: فإنّي قد أعفيتك إلى يوم الحشر، فخرج عنه أبو هاشم. وكان الوليد أوّل ملوك بني أمية تكبّر في نفسه، وسار في الناس بالجبرية والخيلاء، خلا ما كان عليه من كان قبله، وما كان الناس يكلّمون به معاوية ويزيد وعبد الملك من دعائهم بأسمائهم، وانتصافهم منهم في
_________________
(١) في الأصل: «بنو» .
(٢) في الأصل: «محمدا» .
(٣) في كتاب التاريخ «للحضيم» ٢٤٧ ب.
[ ١٧٧ ]
كلامهم، وقام [١] بذلك خطيبا على منبره فقال: إنّكم كنتم تكلمون من كان قبلي من الخلفاء بكلام الأكفاء وتقولون [٢]: يا معاوية ويا يزيد، وإنّي أعطي الله عهدا يأخذني بالوفاء به: لا يكلّمني أحد منكم بمثل ذلك إلّا أتلفت نفسه، فلعمري إنّ استخفاف الرعية براعيها في مثل ذلك سيدعوها إلى الاستخفاف بطاعته والاستهانة بمعصيته. فبلغنا أن رجلا من بني مرة قال:
اتّق الله يا وليد فإنّ الكبرياء للَّه، فأمر به فتوطّئ حتى مات، واتعظ الناس به وهابوه لذلك.
وأخبرنا داود مولى سعيد بن [٨١ ب] عبد الملك قال: سمعت سعيد ابن عبد الملك يقول: إنّ أوّل من افتتح الجبرية في بني أمية الوليد، قال يوما لأهل بيته وأنا معهم: لا يحدّنّ الرجل منكم [٣] إليّ نظره في مجلس عامّة كأنّي وإيّاه متكافئان، فيوشك الرجل الأثير [٤] في نفسه عندي أن يفعل [٥]، فلا يرجع إليه نظره.
وأخبرنا إسحاق بن الفضل الهاشمي، وكان من أعلم الناس بأمورهم، قال: دخل أبو هاشم عبد الله بن محمد ذات يوم على الوليد، وعنده خالد ابن يزيد بن معاوية وهشام بن عبد الملك، فكلّمه في أمر من أمره، ثم خرج.
فقال الوليد ما رأيت في بني هاشم رجلا أعدله به، وإنّه لخليق لكلّ داهية، وإن كان الحزم عندي أن استودعه الحبس فيكون مثواه حتى يموت فيه، هل تجد يا أبا هاشم- يعني خالد بن يزيد- لهذا صفة في نقض علينا؟ قال خالد:
_________________
(١) في الأصل: «أقام» .
(٢) في الأصل: «ويقولون» .
(٣) في الأصل: «منهم» .
(٤) في الأصل: «الابثى» ولعل ما أثبتنا أقرب إلى سياق المعنى.
(٥) في الأصل: «تفعل» .
[ ١٧٨ ]
لا والله، ما وجدت ذلك، ولا هو بالمخوف، ولا أحد من بني أبيه، على دولتكم، ولكنّي أخاف أصلة [١] كامنة بناحية البلقاء تسعى لها أهل الشرق، يدوّخون لها البلاد، ويقتلون لها الجبابرة. قال: ومن هذه الأصلة؟ قال:
ولد علي بن عبد الله بن عبّاس. قال الوليد: غفر الله لك، ما بلغنا أنّ أولئك تحرّكوا في شيء من هذا الأمر، ولا دبّوا فيه. قال: أجل، وسيكفون ذلك. قال الوليد: فمتى يكون ذلك؟ قال: لست أخافه عليك [٨٢ أ] ولا على هذا القرن الّذي أنت فيه، وإنّما أخافه إذا قتل سميّك، ووقع [٢] الاختلاف بين أهل بيتك، وابتزّ الأمر منهم سميّ جدّك، فظهرت الرايات السود بالمشرق، فبؤسا لبني أميّة، عند ذلك يزول الأمر عنهم، وتسفك دماؤهم، ويرثي لهم من كان يتمنّى هلاكهم. قال الوليد: ما قضى الله كائن، وما على القوم من سبيل ما لم يظهروا خلافا، فمن هناك قال هشام، من وفدة وفدها عليه محمد بن علي يسأله قضاء دينه: إذا طلعت الرايات السود قضينا دينك.
وأخبرنا بهذا الحديث سعيد البرزي، مولى [٣] هشام: أن هشاما قال ذلك للأبرش، وكان يكلّمه في قضاء دين محمد بن علي، قال: وأنا قائم على رأسه، وذكره أيضا مصفّى ابن عمّ الأبرش أنّه سمع أباه يذكر عن الأبرش. وقدم في تلك الأيام محمد بن علي دمشق في بعض ما كان يقدم عليه فيه من أموره، فنزل بمولاهم فضالة بن معاذ، وألفى أبا هاشم نازلا عليه.
وكان فضالة بن معاذ تاجرا ينزل دمشق، وهو فضالة بن معاذ بن عبد الله، كان عبد الله جدّه أهداه ملك مصر إلى رسول الله ﷺ حيث
_________________
(١) حية قصيرة خبيثة، تثب فتهلك.
(٢) في الأصل: «دفع» .
(٣) في الأصل: «ومولى» .
[ ١٧٩ ]
أهدى إليه مارية والبغلة الشهباء، التي كانت تدعى دلدلا، فأعتقه رسول الله ﷺ، وكان ولاؤه بعده للعبّاس بن عبد المطلب، وكان عريف من في ديوان بني هاشم، وكان من [٨٢ ب] قدم الشام من بني هاشم ينزلون عليه، وكان منصور بن زياد الكاتب يزعم أنّه مولى فضالة بن معاذ.
وألفى محمد بن علي أبا هاشم نازلا على فضالة، وهو ينتظر رفقة تخرج فيخرج معها، إلى أن تهيّأ لمحمد بن علي فراغه من حوائجه فحضر شخوصه، فشخصا جميعا: محمد بن علي يريد منزله بالبلقاء، وأبو هاشم يريد المدينة، ومع أبي هاشم عدة من أصحابه فيهم رجل يقال له سلمة بن بجير من بني مسلية من رهط عامر [١] بن إسماعيل، وكان من أخصّ أصحاب أبي هاشم به، وكان أبوه بجير بن عبد الله من ذوي البصائر من أصحاب محمد بن الحنفية، وكان قد خرج مع المختار، فكان من أشدّ من كان معه في قتل قتلة الحسين وآل محمد، ولم يزل مع المختار حتى حصر في قصر الكوفة.
وكان المختار قد أراد أصحابه على أن يخرجوا إلى مصعب وأصحابه فيقاتلوا [٢] حتى يقتلوا، فأبوا عليه ذلك فقال [٣] لهم: إنّي خارج إليهم فمقاتلهم حتى أقتل، ولو قتلوني لم تزدادوا إلّا ذلّا وضعفا، ويستنزلونكم على حكمهم، فإذا نزلتم على حكمهم، دفع كلّ رجل منكم إلى رجل منهم ممّن قتلتم أباه وقريبه، فيقتلونكم. ولما قتل المختار، وبقي من بقي من أصحابه في القصر في حصارهم، قال لهم بجير بن عبد الله المسلي: قد كان صاحبكم أشار عليكم [٨٣ أ] بالرأي لو قبلتموه، يا قوم! إنّكم إن نزلتم على حكم القوم ذبحتم كما تذبح الغنم، فاخرجوا بأسيافكم فقاتلوا حتى تموتوا كراما،
_________________
(١) انظر جمهرة أنساب العرب ص ٤١٤.
(٢) في الأصل: «فيقاتلون» .
(٣) انظر أنساب الأشراف ج ٥ ص ٢٦١- ٢ (القدس ١٩٣٦)، ق ١ ص ١٠٦٧.
[ ١٨٠ ]
فقالوا: قد أمرنا بهذا من كان أطوع فينا منك فعصيناه، فوثب إلى سيفه فتناوله ليخرج فيقاتل فوثبوا إليه فقالوا: ننشدك الله أن تشأمنا، وانتزعوا سيفه من يده. وخرجوا إلى مصعب وأصحابه على حكمهم [١]، فأمر بهم فكتّفوا وقدّموا إلى مصعب، فتقدم بجير [٢] بن عبد الله المسلي فتكلم فقال:
الحمد للَّه الّذي ابتلانا بالأسر [٣]، وابتلاك ومن معك بأن تعفوا [٤] وتقسطوا [٥]، وهما منزلتان: إحداها للَّه رضى، والأخرى له سخط، ومن عفا عفا الله عنه، ومن عاقب لم يأمن القصاص، يا ابن الزبير! نحن أهل قبلتكم وعلى ملّتكم [٦] ولسنا بالترك [٧] ولا بالديلم، لم نعد أن خالفنا إخواننا من أهل مصرنا، فأمّا أن نكون [٨] أصبنا وأخطأوا، وإما أن يكونوا أصابوا وأخطأنا، فاقتتلنا بيننا كما اقتتل أهل الشام [٩] واختلفوا ثم اجتمعوا، وكما اقتتل أهل البصرة ثم اصطلحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فأسجحوا،
_________________
(١) في الأصل: «حكمنا»، وانظر أنساب الأشراف ج ٥ ص ٢٦٢ (القدس ١٩٣٦) وق ١ ص ١٠٦٨.
(٢) انظر ابن أعثم ج ١ ص ٣١.
(٣) في الأصل: «بالأمر»، وفي أنساب الأشراف «بالأمير»، والتصويب من ابن أعثم ونصه «وقد ابتلانا الله بالأسر وابتلاك بالعفو»، انظر روايته في ج ١ ص ٣١.
(٤) في الأصل: «تعفو» .
(٥) في الأصل «تسطو» .
(٦) يضيف أنساب الأشراف ج ٥ ص ٢٦٢ «ونحن قومكم» .
(٧) في أنساب الأشراف ج ٦ ص ١١٠ «لسنا بروم ولا ديلم» . والإشارة للترك في الأصل سابقة لأوانها.
(٨) في الأصل: «تكون» والتصويب من أنساب الأشراف.
(٩) انظر أنساب الأشراف ج ٥ ص ٢٦٢، وعبارته «كما اقتتل أهل الشام بينهم وكما اقتتل أهل البصرة بينهم، فقد افترقوا ثم اجتمعوا» .
[ ١٨١ ]
وقدرتم فاعفوا، فما زال بهذا القول ونحوه حتى رق له الناس ورق له مصعب، فوثب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال: قتل أبي وعمّي وخالي وأشراف أهل مصري ثم نخلي سبيلهم، اخترنا أو اخترهم [١]، ووثب [٨٣ ب] عدة [٢] فتكلموا بمثل كلامه، فلمّا رأى ذلك مصعب بن الزبير أمر بقتلهم. ولمّا قدّم بجير بن عبد الله [٣] المسلي ليقتل قال: إنّ حاجتي إليك ألّا تقتلني مع هؤلاء، فقد كنت أمرتهم أن يخرجوا فيقاتلوا حتى يموتوا كراما، حتى قتلهم الله لئاما.
وذكروا أن عمرو بن حريث قال لمصعب: إنّ هذا كان يزعم أنّه يقتل فرعون هذه الأمّة، فقال بجير: ليس هكذا قلت، ولكن حديث ممّا سمعت. قال مصعب وما سمعت؟ قال بجير: مرّ عليّ رحمة الله عليه ورضي عنه، ومعه الأشتر، فخرج إليه غلام منا بقدح فيه لبن وبكوز فيه ماء، فقال: اختر يا أمير المؤمنين، فتناول القدح والكوز، ثم صبّ الماء على اللّبن حتى روي ثم قال، ونحن مجتمعون في نديّ لنا: من الحيّ؟
فقلنا: بنو مسلية. فقال: بخ بخ، بنو مسلية تركوا الناس على ألوية شأنهم في آخر الزمان، يقتل فرعون هذه الأمة على يدي رجل منهم، شعارهم يومئذ في عسكره أشدّ عليه من حريق النار.
وكان سلمة بن بجير من ثقات أبي [٤] هاشم، ورأس الشيعة معه، وكانوا
_________________
(١) في ن. م. «فقام عبد الرحمن بن الأشعث فقال: أيها الأمير اخترنا عليهم أو اخترهم علينا» .
(٢) في أنساب الأشراف ج ٥ ص ٢٦٣ «وقام محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمدانيّ فقال: قد قتل أبي وأشرافنا وخمسمائة أو أكثر منا ونخلي سبيلهم ودماؤنا ترقرق في أثوابهم، اخترنا أو اخترهم، فأمر بهم أن يقتلوا» .
(٣) زيادة.
(٤) في الأصل: «بني»، والإشارة إلى أبي هاشم بن محمد بن الحنفية.
[ ١٨٢ ]
يسمونه ابن الشهيد، فلما شخص أبو هاشم، ومحمد بن علي، خلّف أبو هاشم سلمة بن بجير في حاجة له بدمشق، وقال له: اتبع أثرنا فإنّي آخذ على البلقاء مع ابن عمي محمد بن علي ولن أبرح منزله حتى تلحق، وأحسب القضاء سيحول دون [٨٤ أ] ذلك.
فأخبرنا الفضل بن سالم الأعجمي [١] عن سالم قال: أخبرني أبو رباح ميسرة النبّال، قال: لمّا خرج أبو هاشم من دمشق خرج معه ابن بجير مشيّعا له، فلما خرج من الغوطة وقف أبو هاشم فأوصى ابن بجير بما أوصاه به في حاجته، ثم ناجاه بشيء أخفاه لم نسمعه، ثم مضى ومضينا معه. وانصرف ابن بجير، وأبو هاشم يومئذ عليل، ولمّا تصرعه علّته، قال: وتزيّد مرضه، فلمّا أشرف على الشراة قال: ما أحسب منيّتي إلّا كائنة بهذا البلد، وما أمرضني إلّا ما دخلني من عتوّ الوليد، اللَّهمّ فأدل منه ومن بني أمية. ومرّضه محمد بن علي حتى توفّي ﵀، قال بعضهم، حيث أشرف على الشراة، وقال بعضهم، أقام في منزل محمد بن علي أيّاما مريضا، ثم هلك في منزله، ومعه عدّة من الشيعة، ورأسهم يومئذ سلمة بن بجير بن عبد الله لم يحضر وفاته لغيبته بدمشق في حاجته، وأبو رباح [٢] ميسرة النبّال مولى الأزد، وقال بعضهم مولى لبني أسد فأمّا داره فكانت في الأزد وصارت بعد لجبل بن يزيد الكاتب، وأبو عمرو البزّار، مولى بني مسلية، وكان يعتصر البزر، ومحمد بن خنيس [٣]، مولى لهمدان، وأبو بسطام مصقلة الطحّان، مولى بني الحارث
_________________
(١) لعله «سالم الأعمى» وسيرد ذكره.
(٢) في الأصل: «أبو الرياح»، ويرد بهذه الصورة في كتاب التاريخ ص ٢٤٩ أ، ٢٥٠ ب. ولكن الاسم جاء قبل هذا مضبوطا بالشكل.
(٣) في الأصل: «حبيس» . انظر الطبري س ٢ ص ١٣٥٨ وص ١٤٦٧ وص ١٤٨٨.
[ ١٨٣ ]
ابن كعب، وحيّان [١] العطّار خال إبراهيم بن سلمة، وذكر بعض الكوفيين أنّ حيّان كان في أيامه مولى النخع وزعم أنّه مولى لإبراهيم بن [٨٤ ب] الأشتر، وإبراهيم بن سلمة وهو يومئذ غلام حين بدا وجهه.