قال إبراهيم بن سلمة: فتناول محمد قرطاسا، فجعل يكتب بخطّه ويملي عليه ابن بجير، فكان أول من ذكر له سالم بن بجير الّذي يقال له سالم الأعمى [٢]، وإنّما كفّ بصره بعد ذلك، وأبو هاشم بكير بن [٣] ماهان.
فأمّا بكير فإنّ أباه كان مولى لرجل من بني مسلية سكن الشام بالأردنّ بعد، وكان بكير ابنه ينزله بنو مسلية من صليبتهم، وكان من أهل الديوان وغزا [مع] [٤] يزيد بن المهلب خراسان ودخل معه جرجان حيث افتتحت، وكان هو في عدّة من بني مسلية [٥] [٨٨ ب] قد شهدوا فتحها مع يزيد.
وحفص بن سليمان وهو أبو سلمة الخلّال، وحفص الّذي يدعى الأسير، وهؤلاء جميعا موالي بني مسلية، رهط [٦] عامر بن إسماعيل، وميسرة الرحال، وموسى بن سريج السرّاج [٧]، وزياد بن درهم الهمدانيّ، ومعن بن يزيد
_________________
(١) في الأصل: «يرى» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٤٩ ب.
(٢) في الطبري: «الأعين»، س ٢ ص ١٤٦٧.
(٣) انظر الطبري س ٢ ص ١٤٦٧.
(٤) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٤٩ ب.
(٥) في الأصل: «مسيلة» .
(٦) في كتاب التاريخ ص ٢٤٩ ب: «ورهط» .
(٧) في ن. م. ص ٢٤٩ ب: «موسى بن شريح السراج» .
[ ١٩١ ]
الهمدانيّ، والمنذر بن سعيد [١] الهمدانيّ، فكتب أسماءهم. وقد ذكروا أنّ فيمن سمّي له: أبا عمرو الأزدي، وأبا الهذيل حيّان السرّاج، وأبا إبراهيم محمد بن المختار أخا زياد بن درهم لأمّه، والوليد الأزرق. وقال له محمد ابن علي: لك سبقك في هذا الأمر، ولك فيه فضلك بنفسك وبما مضى عليه أبوك ﵀، ولكل رجل خاصة وخاصّتي من أهل مصركم أنت وقبيلك، فأقم وأقيموا جميعا، والقني أنت غبّا [٢]، وأظهروا أنّكم تريدون [الشخوص] [٣]، وأنكم تنتظرون رفقة تخرج فتخرجون، وسلوا عن الكري [٤]، وأظهروا العناية بالسفر لا يسترب بكم.
فأخبرنا محمد بن سالم عن أبيه أنّه قال: إنّما تأثّل أمر الدعوة في بني مسلية، وتولّوا أمرها والقيام بها من قبل أن تحير. فأخبرنا الحسن بن حمزة عن سالم قال: مرض ابن بجير بالشراة، ثم تهيّأ له ولأصحابه الشخوص فشخصوا في طريق المدينة، ورئيسهم والمطاع فيهم ابن بجير، واشتد به وجعه فهلك في طريقه حيث شارف المدينة بذي خشب، فأوصى إلى أبي رباح ميسرة النبّال، وقد تخلّف إبراهيم [٨٩ أ] بن سلمة، وهو يومئذ فتى حين بدا وجهه عند محمد بن علي فصار في حامّته، وخصّ به حتى جعل يقدّمه على عامّة أهله. وقد كان محمد بن علي أمرهم أن يكتموا اسمه، ولا يظهروا عليه إلّا من وثقوا بنيته وشدّة نصرته. وقدم أولئك الرهط الكوفة، وأبو رباح رئيسهم، وكان مجتمعهم في بني مسلية عند سالم وأصحابه، وستروا
_________________
(١) في ن. م. ص ٢٤٩ ب «سعد» .
(٢) في ن. م. ص ٢٥٠ أ: «والقني أنت غدا» .
(٣) زيادة من ن. م.، وعبارته: «وأظهروا أن جماعتكم تريد الشخوص» ص ٢٥٠ أ.
(٤) في ن. م. ص ٢٥٠ أ: «وسلوا عن الكراء لئلا يستراب بكم» .
(٥) في الأصل: «سيروا» .
[ ١٩٢ ]
أمرهم. وقد كان محمد بن علي قال لهم، حيث جدّ بهم مسيرهم وأتوه يودّعونه: إنّي لو قدرت على أن أكتب إلى كلّ رجل منكم على حياله لكان ذلك يسيرا في ما أوجبه لكم، فاختاروا رجلا منكم أكتب إليه ويلقي ما أكتب به إليكم. فقالوا جميعا: ابن بجير لك ولنا ثقة. فقال محمد:
جزاكم الله خيرا، بهذا رجوت أن يعزّكم الله ويعزّ بكم، نعم قد رضيت به فلا تخالفوه، وأمسكوا عن الجدّ في أمركم [١] حتى يهلك أشجّ [٢] بني أميّة- والوالي يومئذ سليمان، ولا يظنّ القوم [٣] ولا غيرهم أنّ عمر يلي شيئا من أمر الأمّة، لأنّه لم يكن من ولد عبد الملك. وكانت هذه من الأمور التي زادت الشيعة بصيرة في محمد بن علي، وقالوا: قال ذلك بفضل علمه- فإذا هلك أشجّ بني أميّة وانقضت سنة مائة وهي سنو صاحب الحمار، [فهناك أظهروا أمرنا] [٤] . قال بعضهم: وما سنو صاحب الحمار؟ قال: قول الله في كتابه: [٨٩ ب] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، قال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ الله بَعْدَ مَوْتِها، فَأَماتَهُ الله مِائَةَ عامٍ ٢: ٢٥٩ [٥]، فأمسكوا عن الجدّ في أمركم حتى تنقضي هذه المدّة، ولا تكثّروا من أهل الكوفة،
_________________
(١) في الأصل: «في أمرهم»، وفي كتاب التاريخ ص ٢٥٠ أ: «وأمسكوا عن الجد واستروا أمركم» .
(٢) هو عمر بن عبد العزيز.
(٣) في كتاب التاريخ ص ٢٥٠ أ «ولا يظن أحد أن عمر » .
(٤) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٥٠ أو عبارته «فإذا انقضت سنة مائة وهي سنو صاحب الحمار فهناك أظهروا أمرنا» . وانظر العقد الفريد ج ٤ ص ٤٧٦.
(٥) سورة البقرة الآية ٢٥٩ وتمامها « ثُمَّ بَعَثَهُ، قال كَمْ لَبِثْتَ قال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ، فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قال أَعْلَمُ أَنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ٢: ٢٥٩.
[ ١٩٣ ]
ولا تقبلوا منهم إلّا أهل النيّات الصحيحة. فانقضت سنة مائة وما تبلغ شيعة الكوفة ثلاثين رجلا، وما يعرف محمد بن علي بنسبه واسمه إلّا أولئك الرهط، وكانت دعوتهم إلى الرضا من آل محمد، فإذا سئلوا عن اسمه قالوا: أمرنا بكتمان اسمه حتى يظهر. ولمّا انقضت سنة مائة مرض أبو رباح [١]، وأتاه عدّة ممن لم يكن عرف محمد بن علي فسألوه وهو مدنف أن يخبرهم باسمه، قال، ورأسه في حجر موسى السراج: يخبركم بذلك موسى، ثم استوى قاعدا ونعله بين يديه فتناولها وألقى على ظهرها ترابا، ثم كتب فيه:
الإمام محمد بن علي. وقد قال لسالم قبل ذلك: يا أخي إني لما بي، وهذا الأمر إليك وصاحبنا وإمامنا محمد بن علي وكاتبه بمثل ما كنّا نكتب فيه إليه، وقم من أمره بما كان ابن عمّك يقوم به، وقد رأيته يعتمد عليكم ويثق بكم، جمعنا الله وإيّاكم في جنّة الخلد، وأغمي عليه فما نهضوا من عنده إلّا وهو ميّت.
وقام بأمر الشيعة سالم، وكتب [٢] وأولئك الرهط إلى محمد بن علي [٩٠ أ] يخبرونه بموت أبي رباح [٣] ميسرة النبّال، وسألوا بكيرا أن يخرج بكتبهم [٤]، فأجاب إلى ذلك وسرّ به ونشط له.
قال الحسن بن حمزة: فتهيّأ بكير للشخوص إلى محمد، ولمّا أزف ذلك منه ورد عليه كتاب من ابن عمّ له من السند يذكر أنّ أخاه يزيد بن ماهان توفّي وترك مالا جمّا كثيرا، وقد جمعوه، وسأله تعجيل القدوم عليه
_________________
(١) في الأصل: «أبو رياح» .
(٢) في كتاب التاريخ ص ٢٥٠ أ- ب «وكتب عن الشيعة إلى محمد علي »
(٣) في الأصل: «أبي رياح» .
(٤) في الأصل: «بهم»، والتصويب من تتمة الخبر. وفي كتاب التاريخ ص ٢٥٠ ب: «وسأل بكير بن ماهان أن يخرج إليه بكتابهم، فسر لذلك ونشط» .
[ ١٩٤ ]
لقبضه. قال الحسن: فلمّا أتاه نعي أخيه أتاه الحيّ يعزّونه بأخيه، وما هيأته وشغله إلّا بجهازه لسفره إلى محمد بن علي، فقال له سالم: ابدأ بوجهك في طلب ميراثك، ونبعث بكتبنا [١] مع موسى السرّاج، فقال بكير: ما كنت لأوثر الدنيا على الآخرة، بل أمضي إلى صاحبي، وألقاه، وأستأذنه، فإن أذن لي في طلب ميراثي شخصت [٢] في ذلك فما أسرع الإياب إن مدّ لي في الأجل. فشخص بكير حتى أتى دمشق ثم ابتاع بها عطرا، وحمله على بغل ابتاعه، وخرج حتى أتى الشراة في هيئة عطّار يبيع عطرة، وأتى بعض [٣] قراها فباع بعض ما معه حتى شهر بذلك، ثم توجّه إلى الحميمة، فلمّا دخلها طلب منزلا ينزله، فبصر بإبراهيم بن سلمة، وكان يعرفه بحيّان [٤] خاله بالكوفة، فقال له وهو متلثّم: يا فتى هل من منزل؟ قال: نعم، هذا منزل الضيفان. فخرج به حتى أدخله رحبة واسعة فيها منزل محمد بن علي [٩٠ ب] وقد أطاف بالرحبة منازل إخوته وولده ومواليهم، وفيها مسجد لهم فيه مجتمعهم ومتحدثهم وأكثر طعامهم، فأدخل بكيرا بيت الضيفان وأدخل متاعه، فلمّا وضع رحله أسفر عن وجهه، فلمّا رآه إبراهيم بن سلمة عرفه فسلّم عليه، وقال له بكير: لا تظهرنّ معرفتك بي. قال الحسن: فأخبرنا بكير قال: فكتمت أمري، وجعلت أعرض بضاعتي، وأساهل من أبايعه من آل علي، وجعلوا يذكرون ذلك لأبي عبد الله حتى [٥] أنسوا بي، وجعلت
_________________
(١) في الأصل: «بكتبا» .
(٢) في الأصل: «فشخصت» .
(٣) كررت في الأصل «بعض» .
(٤) في الأصل: «تحيان حاله»، وحيان العطار هو خال إبراهيم بن سلمة. انظر ص ١٨٤ من هذا الكتاب.
(٥) في الأصل: «حتى إذا» .
[ ١٩٥ ]
أصلّي معهم وأجلس إليهم. وكان بكير رجلا عاقلا لبيبا، قد جال الآفاق، قال: فقلت لإبراهيم: إذا خلا صاحبك فأعلمه مكاني وسمّني له ولا تذكرني له وعنده أحد. قال: فترقّب خلوته وأخبره بأمره وسمّاه له فعرفه بتسمية ابن بجير اسمه له، وقال: قل له: إذا صليت العتمة فليقم يتنفّل في المسجد حتى تدخل إخوتي حامّتنا منازلهم. قال بكير: ففعلت ذلك، ودخل محمد ابن علي منزله، ودخل أهل بيته منازلهم، حتى إذا لم يبق غيري عاد إليّ إبراهيم بن سلمة فأدخلني عليه فسلّمت تسليما خاصّا، وخبّرته بأمرنا وما صرنا إليه بعد موت أبي رباح [١]، ودفعت إليه كتاب سالم وكتب أصحابه فقرأها، وترحّم على ابن بجير فأكثر وتوجّع لموته وترحم على أبي رباح [١]، [٩١ أ] ثم قال: كم يبلغ أصحابكم بالكوفة؟ قلت: لا يكونون ثلاثين رجلا.
قال: سيكونون ويكثرون. فقلت: إنّا كنّا نتحفظ ونمسك عن الجدّ انتظار الوقت، فقال: قد أصبتم [٢]، وعليك بتجارتك هذه، أظهر الجدّ فيها لا يرى من أنت بين ظهرانيه أنّ شأنك غيرها. قال بكير: فدفعت إليه تسعين ومائة دينار جمعتها شيعة الكوفة. قال: ودفعت إليّ أمّ الفضل طوقا من ذهب وثوبا مرويّا من غزل يدها، وسألتني دفعهما [٣] إليه، فكان أول مال حملته الشيعة إلى محمد بن علي مع بكير بن ماهان. قال إبراهيم: فكان إذا تفرّق بنو علي وحامّتهم أرسل محمد إلى بكير فيدخله عليه ويكثر الخلوة به، فقال عبد الله بن علي: قد غلبنا هذا العطّار على أبي عبد الله، فقلت له:
إنّه حسن الحديث، وقد طوّف البلدان، وأخوك يعجبه حديثه. وأزف
_________________
(١) في الأصل: «أبي رياح» .
(٢) في كتاب التاريخ ص ٢٥٠ ب: «فقال: قد أصبتم، وعليك بالدخول إلى خراسان فإن دولتنا مشرقية» .
(٣) في الأصل: «دفعه» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٥٠ ب.
[ ١٩٦ ]
خروج بكير، قال عمرو بن شبيب المسلي: سمعت بكيرا وهو يحدّث سالما قال: قلت لمحمد بن علي: ما أعجب غفلتك، وأنت تريد ما تريد ويأتيك من يأتيك، عن اتخاذك [١] منزلا شاسعا تنفرد فيه لأمورك وغاشيتك، وتتنحّى فيه عن جماعة أهل بيتك، فو الله ما آمن السفهاء منهم أو من غيرهم من جيرتك أن يفشو شيئا سمعه أو ظنّه حتى يلقي [٢] بك [٩١ ب] فيما يكره، وأنت بين هذه الفراعنة. فقال لي: رحمك الله يا أبا هاشم! ما زلت أحدّث نفسي بذلك. قال: فاتخذ منزلا بكداد وبينه وبين منازل ولد أبيه بالحميمة نحو من ميلين. قال بكير: فقلت له: لو صيّرت بينك وبين شيعتك رجلا من أهلك، لا تنكر [٣] خلوتك به، تكون رسلهم تأتيه ويكون هو يؤدّي عنك إليهم. فقال: إنّي فاعل وغاز في سنتي هذه وأنت معي حتى نأتي دمشق فننظر في ذلك. فأقام بكير معه حتى خرج غازيا وخرج بكير معه، ومعه عدة من إخوته وعروة مولاه والمهلهل مولاه وزيادة مولاه، وشخص معه إبراهيم بن سلمة، فلما ورد دمشق نزل بفضالة بن معاذ [٤] مولاه، فكان نازلا عليه حتى تهيّأ له شخوصه. فلما اجتمع على الشخوص قال لبكير: ما ترى في فضالة أصيّره علما بيني وبينكم ترد عليه كتبكم فينفذها إليّ وترد عليه كتبي إليكم فينفذها إليكم؟ قال بكير: فقلت له: هذا رجل لا يتديّن بالائتمام بك وقد نال حظّا من تجارته مع أهل الشام ولست أثق به. قال:
إنّه مولانا وإنّه وإنه، قال: فقلت: لا أرى أن تفعل. قال: فأبى إلّا أن يفعل وألقى إليه أمره وجمع بينه وبين بكير وقال له: متى أتاك رسوله
_________________
(١) في الأصل: «اتخاذ منزلا شاسعا» .
(٢) في الأصل: «يلقيك بك» .
(٣) في الأصل: «لا ينكر» .
(٤) في الأصل: «معاد» .
[ ١٩٧ ]
أو رسول [٩٢ أ] صاحبه [١] أو كتبهم فأنفذها إليّ، ومتى كتبت إليهم بشيء وبعثت به إليك فعجّل إنفاذه [٢] إليهم. قال: نعم أفعل. قال بكير:
توكّد عليه وحلّفه ليناصحن، فحلف ليفعلنّ وليسترنّ أمره ولا يؤتى من قبله ولو كان هلاكه. فلمّا تهيّأ لبكير انصرافه إلى العراق، قال لمحمد بن علي: إنّي قد جوّلت الآفاق ودخلت خراسان وشهدت فتح جرجان مع يزيد بن المهلب، فما رأيت قوما أرقّ قلوبا عند ذكر آل الرسول ﷺ من أهل المشرق، ولقد لقيت رجلا من الحيّ يقال له قيس بن السري بجرجان فصادفت عنده رجلا من الأعاجم فسمعته يقول بالفارسية:
ما رأينا قوما أضلّ من العرب، مات نبيّهم ﷺ فصيّروا سلطانه إلى غير عترته [٣]، ثم بكى، فو الله ما ملكت نفسي أن بكيت معه، فقلت له: رحمك الله، وكم رأيت من باطل قد علا على حقّ، شبّه على العرب، ودعوا إلى الدنيا فمال إلى الدنيا من كان في الدنيا همّته، وقد أفاق كثير [٤] منهم وأبصروا خطأهم [٥] . قال: فما يمنعكم من الطلب لهم ورد الأمر فيهم، فأنا لكم على أهل بلادي ضمين، ينهضون معكم في ذلك، فقلت:
وتفعل [٦]؟ قال: نعم، ابسط يدك أبايعك على ذلك، فبسطت يدي فبايعني، وما لنا يومئذ أرب في نشر الدعوة بخراسان. [٩٢ ب] وقلت له: اكتم ما جرى بيني وبينك، قال: فضحك ثم قال: لسنا بسفهاء، إن شئت أمكنتك
_________________
(١) لعله: «أصحابه» .
(٢) في الأصل: «إنفاذها» .
(٣) في كتاب التاريخ ص ٢٥١ أ: «فصيروا الأمر في غير عترته» .
(٤) في الأصل: «كثيرا» .
(٥) في كتاب التاريخ ص ٢٥١ أ «رشدهم» .
(٦) في ن. م. ص ٢٥١ أ: «أو تفعل» .
[ ١٩٨ ]
من لساني تقطعه [١] حتى تأمن ناحيتي، ثم خرج، فقلت من هذا؟ هذا والله المؤمن حقّا. فقال إسماعيل أبو [٢] عامر، وكان حاضرا: هذا يزيد بن النهيد، وبينه وبين أمّ عامر قرابة، وقد ألقيت إليها شبيها بما ألقيته إليه، فهو يكثر مساءلتي عن قائم يقوم بأمر الأمّة من آل محمد، فلم أكشف له شيئا إشفاقا من أن يدفع ذلك فيكون فيه ضرر عليّ وعليه، وهلك قبل ظهور الدعوة، وقد خرج فيها أخ له يقال له بشر بن النهيد، وكان من قوّاد أبي عامر وممن خرج معه وشهد مقتل مروان. قال بكير: وأقبلت من جرجان ومعي أبو عبيدة قيس بن السري وأبو عامر إسماعيل وهما يريدان الحجّ، فلما صرنا الى الري خرج معنا قوم من حجاج خراسان فنازلنا رجل منهم يقال له سليمان بن كثير، ويكنى بأبي محمد، فتذاكرنا شيئا من حديث آل محمد فرأيت له رقة شديدة عند ذلك، فقلت: أفلا أحدّثك عن رجل من أعاجم جرجان، فحدثته بحديث ابن النهيد، فقال: وأنا والله أبايعك على ما بايعك عليه الجرجاني، وذكر لي أنّه من سكان مرو [٣] ومن أهل الديوان، فقد أرى [٩٣ أ] أن تبثّ دعوتك فيها وتكون دار هجرتك وشيعتك. فقال محمد:
يا أبا هاشم دعوتنا مشرقية وأنصارنا أهل المشرق وراياتنا سود، قال رسول الله ﷺ: إذا رأيتم الرايات السود مقبلة من خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج، وقال عبد الله بن العباس: إذا كانت سنة ثلاثين ومائة لم يظهر أحد بالمشرق يرفع راية سوداء إلينا إلّا نصر، وقد أذنت لك في بثّ
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٥١ أ «لتقطعه» .
(٢) في ن. م. «ابن» ص ٢٥١ أ.
(٣) وهي مرو الشاهجان، مركز المقاتلة. انظر الاصطخري ص ١٤٧، اليعقوبي- البلدان ص ٢٧٩، قدامة- الخراج ص ٢٠٩ وما بعدها، ابن خرداذبه ص ٢٤- ٥، وهي على خط طول ٤٢ ٤٧ شمال وخط عرض ٥٤ ٦١ شرق.
[ ١٩٩ ]
الدعوة بخراسان، واكتم ذلك فلا تظهر شيئا حتى ترد جرجان، ولا تلق أمرك إلّا إلى الثقات من أهلها فأنت بكر هذا الأمر وبك افتتاحه. قال عيسى بن حمزة الهمدانيّ ابن أخت بكير: سمعت بكيرا يقول: قلت لمحمد بن علي: أتاني عند شخوصي إليك نعي أخي من السند وترك مالا كثيرا أنا وارثه فإن أذنت لي في الخروج في طلبه خرجت ووافيتك عند أوان حاجتك إليّ. قال: قد أذنت لك فامض على بركة الله لوجهك ولا تظهرنّ جدّا، ولتكن دعوتكم وما تلقى به العامة أن تدعوهم [١] إلى الرضا من آل محمد، وتذكر جور بني أميّة، وأن آل محمد أولى بالأمر منهم، فإذا بلغك أنّ الأحول من بني أميّة قد ملك فعجّل الإقبال إليّ ولا تعرّج على شيء، وأبلغ أصحابك [٩٣ ب] ما ألقيت إليك ومرهم بالكفّ إلّا في مثل ما ألقيت حتى يأتيهم رأيي، وحذّر شيعتنا التحرك في شيء مما تتحرك فيه بنو عمّنا من آل أبي طالب، فإن خارجهم مقتول وقائمهم مخذول وليس لهم في الأمر نصيب، وسندرك بثأرهم وسنبتلى بسعيهم ثم لا يكون ضرر ذلك إلّا عليهم، واحذروا جماعة أهل الكوفة ولا تقبلنّ [٢] منهم أحدا إلّا ذوي البصائر فإنّهم لا يعزّ بهم من نصروه ولا يوهنون بخذلانهم من خذلوه. يا أبا هاشم أنتم خاصتي وعيبتي وثقاتي وأمنائي ومنكم القائم بأمرنا، ومنكم قاتل فرعون هذه الأمة عمرو أو عامر [٣]، واحد أبيه، شعاره في عسكره على عسكر [٤] اللعين أشدّ من لهيب النار، سر صاحبك الله وكفاك ووقاك. فذهب بكير إلى العراق ومحمد بن علي إلى الصائفة، وقد ولي عمر بن عبد العزيز، فلمّا انصرف
_________________
(١) في الأصل: «ندعوهم» .
(٢) في الأصل: «تقتلن» .
(٣) في الأصل: «عمرا وعامرا» .
(٤) في الأصل: «عكس» . انظر ص ١٨٢ من هذا الكتاب.
[ ٢٠٠ ]
ألفى ريطة [١] بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، وكانت تحت ولد عبد الملك فنازعها في شيء يوما من الأيام ففخرت عليه وذكرت سلفها وأيامها فأحفظه [٢] ذلك، فطلّقها [٣] . فكلّم محمد بن علي عمر بن عبد العزيز وهو الوالي يومئذ فقال: ابنة خالي كانت متزوجة فيكم وقد فرغت فأردت أن أتزوّجها وأحببت أن يكون ذلك بإذنك، فقال هي أملك [٩٤ أ] لنفسها [٤]، ومن يحول بينك وبين ذلك [٥]؟ فتزوّجها محمد بن علي، واشتملت [منه] [٦] على أبي العباس، وولد في ولاية يزيد بن عبد الملك. وقدم بكير الكوفة، ولقي سالما وأصحابه فأبلغهم رسالة محمد بن علي في إنفاذ كتبهم ورسلهم إلى فضالة، لما أحبّ من ستر أمره. وتوجّه بكير إلى خراسان مع سعيد الحرسي [٧] فحرّك فيها وقوّى أمر الدعوة بها، ثم مضى إلى السند آخذا على سجستان، وانحدر على السند، فصحب الجنيد بن عبد الرحمن، وصار ترجمانا له ولطفت حاله عنده، وكان الجنيد والي السند من قبل يزيد بن عبد الملك، وأصاب بكير مالا كثيرا من تركة أخيه وفي صحبته الجنيد.
وذكر عمر بن شبيب: أنّ بكيرا لمّا أتى خراسان بدأ بجرجان فلقي بها أبا عامر وأبا عبيدة فأقام عندهم شهرا ثم نفذ إلى مرو ومعه أبو عبيدة، فنزل على سليمان بن كثير للمعرفة التي كانت بينهما في طريقهما إلى العراق قبل ذلك، فلذلك كان يقال: أوّل من عرّف الدعوة بخراسان وبايع أبا هاشم
_________________
(١) في الأصل: «رابطة» . انظر جمهرة أنساب العرب ص ٢٠، وكتاب التاريخ ص ٢٥١ ب والطبري س ٣ ص ٨٨، وس ٤ ص ٢٤٩٩- ٢٥٠٠، وكتاب حذف من نسب قريش ص ١١.
(٢) في الأصل: «فاخفضه»، والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٥١ ب.
(٣) ويضيف كتاب التاريخ «وكان يقال إن الرجل الّذي يزول على يده ملك بني أمية تكون أمه حارثية، فكانت بنو أمية تمنع من التزويج بالحارثيات» . ص ٢٥١ ب.
(٤) في الأصل: «بنفسها»، والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٥١ ب.
(٥) انظر الكامل للمبرد ج ٢ ص ٢١٩.
(٦) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٥١ ب.
(٧) لعله: الحرشيّ.
[ ٢٠١ ]
يزيد بن الهنيد وأبو عبيدة قيس بن السري المسلي وسليمان بن كثير الخزاعي.
فأقام بكير بمرو نحوا من شهرين، وأتاه سليمان بن كثير بمالك بن الهيثم وعمرو ابن أعين وزياد بن صالح وطلحة بن زريق وأبي [٩٤ ب] النجم، وكان صديقه، وكان معلّما فبايعه، وأتاه بخالد بن إبراهيم أبي داود، وأتاه علاء ابن الحريث وعدة من خزاعة [١] فبايعوه.
وأخبرنا المهاجر بن عثمان قال: سمعت مالك بن الهيثم يقول: إنّي لجالس في المسجد بمرو وقد بايعت أبا هاشم، ومعي موسى بن كعب، ونحن نتحدث إذ طلع علينا بكير، ومعه أبو عبيدة، فلمّا بصرت به قمت إليه، فقال لي موسى: أين تذهب؟ فقلت: ألقى هذا الرجل، وأرجع إليك الساعة. فلقيت بكيرا فسلّمت عليه فصلى ركعتين ثم أقبل [٢] عليّ فقال: من جليسك؟ فقد رأيته كلّمك حيث قمت. فقلت: رجل من بني تميم، وهو لنا وادّ، وإنّه ليظهر حبّ آل محمد، وما فاوضته بشيء فيهم. فقال لي:
إن كنت تثق به فادعه وتوثّق منه، واحذر العامّة من قومه. ثم خرج من المسجد، وانصرفت إلى موسى، وهو في مجلسه الّذي كنّا جميعا فيه، فقال لي: من الرجل الّذي رأيتك قمت إليه؟ فقلت: أخ لنا، وإنّ معه لبضاعة، وهو يعرضها. فقال موسى: أرني بعض متاعه. فقلت: إنّه يستر ذلك.
قال: فنحن نستر عليه. فقلت: عليك عهد الله وميثاقه لتسترنّ عليه؟ فقال:
نعم. فأخبرته خبره وما قدم له فقال: أتعرف منزل الرجل؟ فقلت: نعم.
قال: فانهض بنا إليه، فقمنا، [٩٥ أ] فأتيناه، ولمّا وقفنا ببابه تقدمت فدخلت فأخبرته خبره فقال: أدخله عليّ، فأدخلته عليه، فبايعه، وتشمّر معنا في الدعوة.
_________________
(١) يضيف كتاب التاريخ «لصداقة بينهم» ص ٢٥٢ أ.
(٢) في الأصل: «عليه» .
[ ٢٠٢ ]