فأرسل إلى أبي مسلم يخبره بذلك مع بكر بن هاني، فلمّا لقيه به قال له أبو مسلم: إن كنتم وكان صاحبكم على الحقيقة فيما أعطاني من نفسه فلست أكره [١٤٥ ب] أن يوادع نصرا على أن يشترط عليه أن يفرّق جموعه ويؤكد عليه في ذلك. فلن [١] تزداد إلّا كثرة ولن يزداد إلّا قلّة، وتخلو لك الطريق، ويأتيك أهل رأيك، ولا تكون بنصر قوّة على مكاثرتك. قال أبو مسلم:
قد نصحتنا وعلى الله جزاؤك، والتوكيد عليه إليكم، فإنّي لا آمن غدر نصر وأن يثب علينا وعليكم إذا تفرقت جماعتكم. وانصرف بكر [٢] فأخبر عليا بمقالة أبي مسلم، فلقي شيبان فقال له: قد رأينا الموادعة على أن يفرّق نصر جموعه، ونفرّق جموعنا، ويكون بيننا وبينه لنا عامل فيما يليه. فاصطلحوا على ذلك وكتبوا بينهم إلى انقضاء سنة ثلاثين ومائة، وعلى أن تكون الأعمال في أيديهم على حالها، وإلى من كان يليها أيام حربهم وغيرها، وعلى أن يجتمعوا على من اجتمع الناس إليه، وتكون أيديهم واحدة على من أرادهم
_________________
(١) هذا كلام بكر كما يظهر، ولعل العبارة تبدأ ب: «قال» .
(٢) في الأصل: «بكرا» .
[ ٢٩٦ ]
من المشركين، وعلى أن يتعاوروا [١]، ولا يتحاربوا، فإن بدأ أحد منهم بالغارة [٢] على صاحبه أو حاربه أو حارب من كان في حيّزه وعقده فقد حلّ قتله وقتاله ولا أمان له ولا عهد لما خالف ذلك، ففعلوا ذلك. وارتحل نصر من خندقه ومن كان معه، وكذلك علي بن الكرماني، وأقام شيبان في خندقه، وخلت الطرق لأبي مسلم وسهل السبيل لمن أراد اللحوق [١٤٦ أ] به، فانجفل الناس إليه، وجعل علي يمدّه بالرجال، ويقوّيه بالسلاح ويستر عليه، حتى غلظ أمره واستكثف من كان معه. ثم إنّ كاملا [٣] أشار على أبي مسلم أن يستمدّ ويستنهض عدة من ناحية الطالقان وبلخ ومروالروذ، ففعل، وأقبل عمرو بن أعين في ألف وخمس مائة رجل من الطالقان، وأقبل عبد الله بن شعبة من مروالروذ في ألف رجل ومعهم دوابّ ومواش من غنائم مروالروذ. وبلغ ذلك نصر بن سيّار، فبعث إلى شيبان: قد أظلك قوم قد وتروك، وقتلوا بعض أصحابك، فلو بعثت إليهم من يقاتلهم، وتجمع أهل الرستاق الّذي نزلوه عليهم، رجوت أن تدرك بغيتك، وتقطع قرنا من قرون الفتنة. فشاور أصحابه فقال بعضهم: ما يؤمنك ان تبعث خيولك إليهم أن يغدر بك نصر، فتأتيك خيوله، وأنت خلو من أصحابك فلا يكون لك مانع، وقال بعضهم: ما لنصر لا يبعث إليهم دونك، فأمسك شيبان عن البعثة إليهم. وبلغ أبا مسلم مراسلة نصر شيبان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: بلغني أن هذا الفاجر أراد البعثة إلى إخواننا، وحمل شيبان على ذلك، وأنهم إن فعلوا قصدنا لنصر دونهم ومن معهم، ففي الظفر بهم
_________________
(١) التعاور التناوب، ويجوز أن يكون النص «على ألا يتغاوروا»، أي لا يغير بعضهم على بعض.
(٢) الأصل: «الغار» .
(٣) في الأصل: «كامل» .
[ ٢٩٧ ]
وبما معهم عوض عن عمرو بن أعين ومن معه، وبلغ ذلك نصرا فكفّ عنهم. وأقبل عمرو بن أعين بمن معه حتى نزل النصرانية [١] . فلما رأى نصر [١٤٦ ب] إقبال الأمور على أبي مسلم، شاور أصحابه، فاجتمع رأيهم على الاحتيال لشيبان، واحتراز معونته بكل وجه، ففعل فاستماله [٢] . وتهيأ نصر وشيبان للمسير إلى أبي مسلم، فبعث علي إلى أبي مسلم يخبره بما أجمع الرجلان عليه، ويقول: إن شئت أتيتك فيمن معي، وإن شئت ثبّطت الناس عنك، فأرسل إليه أبو مسلم: قد تفرقت عنك أصحابك، فإذا ثبّطت عني فقد قوّيتني ونصرتني. فأقام علي بموضعه، وأقامت عشيرته، وربيعة معه، فلم يخرج مع نصر وشيبان منهم أحد خلا من كان مع شيبان منهم من أهل سرخس وغيرهم من الحرورية. ولمّا انتهى إلى أهل الخندق خبر نصر وشيبان اضطربوا وتضعضعوا له، فقال أبو مسلم: لا حاجة لنا في المرتابين، افتحوا بابي الخندق، فمن أراد أن يخرج فليخرج، فلعمري ما يخرج من ينتفع بإقامته، فجعل يخرج من يشك وتضعف نيّته، فخرج نحو من ألفي رجل، ولمّا أمسوا قال أبو مسلم: هل بقي أحد في قلبه شك يريد أن يخرج، فقيل: ليس يخرج أحد، فأمر بإغلاق البابين.
_________________
(١) انظر الطبري س ٢ ص ١٩٩٥.
(٢) في الأصل: «فاستمال به» .
[ ٢٩٨ ]