وأصبح أبو مسلم فخرج من خندقه يريد نصر بن سيّار فنزل قرية تدعى آلين [١] على فرسخين من نصر، وخندق على نفسه وأصحابه وكتب إلى طخارستان [١٤٧ أ] ومروالروذ يستنجد بقية أصحابه بهما. ولمّا رأى علي بن الكرماني ما صنع نصر وشيبان أتى شيبان فقال له: خدعك والله ابن الأقطع، إنّما يريد أن يباعدك من عسكرك لتعتزل، فيبيّتك وأنت غير محترس منه، وقد تعلم أنّك إذا سرت إلى أبي مسلم سرت في غير قرى قومك فيقطع عنك المادّة ويسير نصر في بلاد قومه، فموادّه وأعلافه مهيأة من قراهم، وعليك في مسيرك الوهن وله القوّة في مسيره، وافتعل [٢] كتبا على لسان نصر إلى ثقات شيبان يدعوهم إلى الوثوب على شيبان ويضمن لهم على ذلك الصلات الجزيلة، وبعث بها إليهم فلمّا قرأ [٣] أصحاب شيبان الكتب أتوا بها إلى شيبان فحققت تلك الكتب ما قاله علي، فأرسل إليه يقول: أظنّ ما ذكرت لي عن هذا الغادر حقّا وبعث إليه تلك الكتب. فلقي علي شيبان [٤] وقال له: قد خبّرتك أنّ نصرا غادر فاجر، ثم انّك تسير إلى قتال رجل داخل في طاعتك، ومظهرا الميل إليك من إقامة هذه الدولة العباسية. فأقام شيبان عمّا كان أجمع عليه من محاربة أبي مسلم مع نصر، فبلغ ذلك نصرا فانحلّ برم مكيدته وانتقضت عليه حيلته ورجع إلى عسكره بباب سرخس،
_________________
(١) في الأصل: «البر» انظر الطبري س ٢ ص ١٩٦٩.
(٢) في هامش الأصل: «افتعل أي زور» .
(٣) في الأصل: «قرءوا» وما أثبتناه أفصح.
(٤) في الأصل: «لشيبان» .
[ ٢٩٩ ]
ورجع أبو مسلم إلى خندقه بالماخوان [١] فلم يزل فيه. ورتب نصر المسالح [١٤٧ ب] فيما بينه وبين أبي مسلم مع قائد يقال له عاصم بن عمير [٢] ببلاشجرد [٣]، ووضع أبا الذيّال [٤] بطوسان [٥] وناحيتها، فنزلت جند نصر مع هذين [٦] القائدين على أهل بلاشجرد [٧] وطوسان فآذوا أهلها، وذبحوا أغنامهم وبقرهم، فشكوا ذلك إلى أبي مسلم فوجّه إليهم نصر بن عبد الحميد في خيل من خيله، وأمره أن ينفي أبا الذيّال عنهم، فسار إليهم فلقيه أبو [٨] الذيّال فهزمه نصر ابن عبد الحميد، وكان أول من لقوا من أصحاب نصر في الحرب، وأسر منهم خمسين رجلا، وأتى بهم إلى أبي مسلم، فكساهم وداوى جرحاهم وقال لهم: من أحبّ منكم أن يقيم معنا واسيناه، ومن كره ذلك فليلحق بوطنه، وحلّفهم ألّا يمالئوا عليه أحدا، وخلى سبيلهم، فأقام منهم نفر يسير، وانصرف أكثرهم إلى أوطانهم.
ثم إنّ أبا مسلم أرسل إلى شيبان وعلي الكرماني: إنّ أصحابي قد كثروا وإنّما أنا وهم أعوانكم، وقد يؤذون إذا [٩] دخلوا مرو، وتمنع الأسواق
_________________
(١) في الأصل: «بالماحواز» انظر الطبري س ٢ ص ١٩٦٧- ١٩٦٨.
(٢) في الطبري س ٢ ص ١٩٧٠: «عاصم بن عمرو» .
(٣) في الأصل: «ببلاد شيجرا» . انظر الطبري س ٢ ص ١٩٦٩ و١٩٧٠، ومعجم البلدان ج ١ ص ٤٧٧، وهي من قرى مرو على أربعة فراسخ منها.
(٤) في الأصل: «أبا الديال» . انظر الطبري س ٢ ص ١٩٧٠.
(٥) انظر معجم البلدان ج ٤ ص ٤٩ والطبري س ٢ ص ١٩٧٠. وطوسان على بعد فرسخين من مرو.
(٦) في الأصل: «هؤلاء» .
(٧) في الأصل: «شيجرد» .
(٨) في الأصل: «أبا» .
(٩) في الأصل: «إلى» .
[ ٣٠٠ ]
والميرة عنهم من مرو فلا تحمل إلينا، فأذنا لي [١] في توجيه رجل إلى مرو يذبّ عن أصحابي إذا دخلوا إلى مرو في حوائجهم وتخرج الأسواق فأذنا له في ذلك، وبعث إلى نصر بن سيّار بمثل ذلك، فأذن له، فوجّه شبل بن طهمان النقيب في خمس مائة رجل، فنزل قصر بخار خداه [٢]، فكان كل من دخل من المسوّدة يعز [١٤٨ أ] ويكرم بمكانه، ولا يقدر أحد على أن يؤذيهم لمكانه. ثم إن نصرا أرسل إلى شيبان: إن هذا الرجل غير شأنك، فساعدني على كشف أمره، فإنّه يقدم ويؤخر ويبعث إليّ بالموافقة ويبعث إليك بمثل ذلك. فاتفقا على أن بعثا إليه: إنّا قد اتهمناك وأنكرنا أمرك ودعوتك، ورأينا قلّة إبقائكم على الحرمة [٣]، فإن كنت تحب أن نكفّ عنك ففرق جمعك، واخرج عن بلادنا. فأرسل إليهما:
إن الله تعالى جمعنا على هدى فلن نرجع عنه حتى نموت دونه، ولكنّي أناظر أصحابي وندخل في بعض فرقكم هذه، وبعث لاهزا [٤] إلى نصر فقال له: قل لنصر إن صاحبي أمرني بالانضمام إليك وتأميرك على نفسي إن قمت بأمر دعوته وخلعت مروان، وأنا لك ناصح، فبادر هذا الأمر قبل أن تسبق إليه. فقال نصر [٥] للاهز: إن أريتني مصداق قولك قبلت، وما مثلي اختدعتموه عن نفسه، فانصرف إلى أبي مسلم فخبّره بذلك. وبعث أبو مسلم إلى علي الكرماني: إنّك قد أعطيتني من نفسك ما تعلم، وقد أمرنا بالجهاد، وأنت وقومك أنصار الحق قديما، فأنتم آويتم رسول الله صلّى
_________________
(١) في الأصل: «فاذن» .
(٢) في الأصل: «بخاذخذاه» انظر الطبري س ٢ ص ١٢٣٠ وص ١٥٠٣ وص ١٦٩٢.
(٣) في الأصل: «الحرية» .
(٤) في الأصل: «لاهز» .
(٥) في الأصل: «نصرا» .
[ ٣٠١ ]
الله عليه وسلم ونصرتموه، وقد أمرني صاحبي بأن استظهر بكم وألقي أمره إليكم، وقد نصب لي نصر، فإن أجبتني وعاقدتني على القيام بحق رسول الله [١٤٨ ب] ﷺ، أمّرتك [١] أميرا عليّ وعلى من أجابني، وأطعت أمرك، وقتلت عدوّك، وصار لك سناء هذا الأمر وشرفه. فردّ عليّ إليه الرسل [٢] فقال: قد أجبتك حيث عرضت عليّ أمرك، وهذي يدي عن نفسي وقومي جميعا، و[أنا] [٣] مرسل إليك أخي ووجوه أصحابي، وكاشف لك عن أمري في ذلك، ولا بدّ لنا من الترفّق بشيبان حتى يجتمع لنا أمرنا و[٤] ما نريد منه، فانصرف الرسل بذلك إلى أبي مسلم، فعظم سروره به. ثم أعاد الرسل إلى نصر استظهارا مرة بعد أخرى، فقال فيما بعث إليه: إنّي لست أعدل بك أحدا إن أجبتني فأنت الأمير وأنا عونك على من خالفك. فقال نصر للرسل: قولوا: قد أجبتك إن صححت مقالتك، إن كنت تفي بقولك فانضمّ إليّ، وفرّق جماعتك، وأنت في ذمّتي، لا يوصل إليك حتى يوصل إليّ، وإن أبيت إلّا مضيّا على ما يبلغني عنك من مقاربة عليّ وقومه استعنت الله عليك، وتفرّغت لحربك، فلا تغترّ بهذه اليمانية، فإنّي لو قد أقبلت عليك بجدي وحدّي قصمتك وتركتك كأمس الذاهب. فقال له عقيل بن معقل الليثي: والله ما كان جواب كلامه يرسل إليك، وقد قوي أمره، يدعوك إلى المقاربة، فترسل إليه تسترهبه وتهدده، يغتنمها منك الآن فيبعث إلى ابن الكرماني فيتودد إليه [١٤٩ أ] ويخبره بمنافرتك إيّاه فيجيبه ويستنصر معه من قومه في جهادك. فقال نصر: قد مضت
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٦٧ ب «صيرتك» .
(٢) ن. م. ص ٢٦٧ ب «فرد عليّ الرسول» .
(٣) زيادة من ن. م. ص ٢٦٧ ب.
(٤) زيادة.
[ ٣٠٢ ]
بما فيها. فقال له عقيل بن معقل: ترفّق بالرجل، وأعطه الرضا ما لم يحرجك، وكن على رأس أمرك من كيده واغتياله. قال: فبعث إليه من الغد: انّي عليك شفيق، وقد هجم عليك الشتاء على رقّة من معك وسوء حالهم، فانضمّ إلينا بطاعتك نواسك ونتحنّن عليك، فإنّ جنود أمير المؤمنين قد أقبلت إلينا، فيوشك من اجتمع إليك أن يتفرّق عنك، ومن وعدك نصره أن يخذلك والسلام [١] . فكتب إليه أبو مسلم في جوابه:
قد فهمت كتابك، وبلغتني رسالتك، ولست بوادّ ولا نصيح [و] [٢] ما استشرناك ولا شكونا خلّتنا إليك، فأمّا ما ذكرت من رقّتنا وسوء حالنا فقد صدقت وذاك يدعونا إلى مزاحمتك على ما في يدك والسلام. قال: فلما قرأ نصر الكتاب تعاظمه وقطّب ما بين عينيه، وتغيّر لونه، وكرر قراءة الكتاب ثم قال: هذا جواب أحسب أن يتلوه [٣] ما هو أشد منه.
وكان أبو مسلم يطمع نصرا في نفسه، ويعظمه ويبدأ به في كتابه إليه حتى أجابه عليّ إلى نصرته ومظاهرته وقبول دعوته، فكتب إليه كتابا [٤] بدأ فيه بنفسه وقال:
إنّ الله تباركت أسماؤه عيّر [٥] أقواما فلا تكن منهم، فقال ﷿:
وَأَقْسَمُوا ٣٥: ٤٢ [١٤٩ ب] بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ ٣٥: ٤٢
_________________
(١) انظر كتاب التاريخ ص ٢٦٧ ب.
(٢) زيادة من ن. م. ص ٢٦٨ أ.
(٣) من ن. م. ص ٢٦٨ أ «سيتلوه» .
(٤) انظر شرح نهج البلاغة ج ٣ ص ٢٨٠.
(٥) في الأصل «غير» وجاء في عيون التواريخ، حوادث السنة التاسعة والعشرون والمائة: «أما بعد فإن الله قد تخير أقواما فقال سبحانه..» .
[ ٣٠٣ ]
أَهْدى من إِحْدَى الْأُمَمِ، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا.
اسْتِكْبارًا في الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلًا ٣٥: ٤٢- ٤٣ [١] .
فثقل ذلك على نصر وكتب إليه: أمّا إنك لو قبلت نصحي لك لكان خيرا، وليس يمنعني من ذلك ما أرى من ميلك إلى غيري، وأيقن أنّ أسلم [٢] بن صبيح كاتبك يفشي عليك سرّك، ولا يكتم عنك، وقد كان في شيء من عملنا، وظهرنا منه على الغدر وإفشاء السر فتجنبناه لذلك.
فكتب إليه أبو مسلم: سرّنا مصون عمّن لا نثق به، وما يعلم أسلم من سرّنا شيئا نكره معرفتك ومعرفة غيرك به.
وجعل نصر يكتب إلى ابن هبيرة [٣]، وهو على العراق يستمده فيعده ويأمره بالمداراة، فلمّا تضايقت الأمور كتب إلى مروان الحمار، وهو آخر طغاة بني أمية يشكو له ابن هبيرة ويخبره بعظم الأمر من قبل أبي مسلم وكتب إليه:
أرى خلل [٤] الرماد وميض نار [٥] ويوشك أن يكون لها ضرام
_________________
(١) سورة فاطر، الآيتان ٤٢ و٤٣.
(٢) انظر الطبري س ٢ ص ١٩٦٨.
(٣) انظر كتاب التاريخ ص ٢٦٨ أ.
(٤) في الطبري س ٢ ص ١٩٧٣، والمسعودي- مروج الذهب ج ٦ ص ٦٢: «بين» وفي الدينَوَريّ- الأخبار الطوال ص ٣٥٧ «تحت» .
(٥) في المصادر السابقة وفي كتاب التاريخ ص ٢٦٨ أ «جمر» .
(٦) في الطبري س ٢ ص ١٩٧٣ «فأرجح بأن يكون له ضرام»، وفي الدينَوَريّ «ويوشك أن يكون له ضرام» .
[ ٣٠٤ ]
فإنّ النار بالعودين تذكى [١] وإنّ الحرب يبدؤها [٢] الكلام [٣]
فقلت [٤] من التعجّب ليت شعري أأيقاظ أميّة أم نيام [٥]
[١٥٠ أ] وكتب إليه يصف له أمر أبي مسلم، وكثرة الدعوة، وميل اليمانية وربيعة إليه. ثم أردف ذلك كتابا آخر وبعث فيه رسولا من وجوه أصحابه يخبره في كتابه أنّ من ظهر قبلنا لو كانت همتهم خراسان وحدها لهانت شوكتهم، ولكنهم يريدون الغاية الكبرى من التملك على الآفاق في جميع بلاد المسلمين، وإنّ أكثر ما يحاضّون عليه الطلب بثأر آل محمد من بني أمية، يتذاكرون ذلك في أحاديثهم ويدعون به إذا قضوا صلاتهم.
فأتى مروان كتاب نصر بذلك لأشهر مضت من سنة ثلاثين ومائة، فكتب إليه [٦]: أن أمر ناحيتك على بال أمير المؤمنين، وقد وجهت عامر بن ضبارة ونباتة بن حنظلة فعرض لهما دونك من كان أوضع [٧] في الفساد من أهل الفتن فقصدا لهم حتى استأصلاهم وأباداهم. وقد انتهى إلى أمير المؤمنين كتابك حين أتاه كتاب ابن هبيرة يذكر ظفر نباتة بن حنظلة بمن كان تلفّف إلى سليمان بن حبيب بالأهواز، ويذكر ظفر ابن ضبارة وداود بن يزيد بن
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٦٨ أ «بالزندين تورى» .
(٢) في الطبري س ٢ ص ١٩٧٣ «مبدؤها» وفي أنساب الأشراف ج ٨ ص ٤٨٦: «يقدمها» وفي كتاب التاريخ ص ٢٦٨ أ «أوله»، وفي الدينَوَريّ «وإن الشر مبدؤه كلام» .
(٣) في كتاب التاريخ ٢٦٨ أوفي العيون والحدائق ج ٣ ص ١٨٩ «كلام» .
(٤) في كتاب التاريخ ص ٢٦٨ أ، وفي مروج الذهب ج ٣ ص ٢٥٥: «أقول»، وفي الدينَوَريّ «وقلت» .
(٥) لهذه الأبيات تتمة في كتاب التاريخ ص ٢٦٨ أوفي مروج الذهب ج ٣ ص ٢٥٥ وفي الأخبار الطوال للدينوري ص ٣٥٧.
(٦) انظر كتاب التاريخ ص ٢٦٨ أ- ب، وأنساب الأشراف ج ٨ ص ٤٨٧.
(٧) أوضع في الفساد: أسرع فيه.
[ ٣٠٥ ]
عمر بن هبيرة بابن معاوية، ومن كان ضوى إليه من أهل الفتن بفارس وتوجيههما في اثر شيبان ومن بقي من الخوارج، وكتبت إلى ابن هبيرة آمره باستحثاثهما باللحوق بك ودخول خراسان عليك فيمن معهما من خيول أمير المؤمنين من ناحية [١٥٠ ب] الطبسين [١] وناحية سجستان، فكأنك بخيول أمير المؤمنين قد وردت عليك بأحسن عدة وأكثر عدد. فثق باللَّه وتوقع الأمداد والقوة فكأن قد غشيتك، وفيما كتب أبو مسلم، وفيما وعظك أمير المؤمنين من سنة الله الماضية فيمن خلا ممن كان أشدّ منك قوّة وأكثر خيلا ورجلا وتبعا وأكثر عدة وسلاحا عبرة مرشدة وعظة مسعدة ومخبر [٢] كاف، وَمن يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ من حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بالِغُ أَمْرِهِ ٦٥: ٢- ٣ [٣]، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنّة الله تحويلا [٤]، ولا لأمره معقبا وكان الله عزيزًا حكيمًا.
وكتب عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان إلى كامل بن مظفر في ذلك أيضا كتابا يصف له حاله ورياسته كانت في الكتابة، وما تعاظمه من أمره حين انتهى إليه دخوله في المسوّدة، ويسأله الإنابة والرجوع إلى طاعة مروان ويضمن له الثواب الجزيل منه على ذلك.
فأقام نصر ينتظر الأمداد أن تأتيه، وقد فسد عليه أهل خراسان إلّا من كان معه من مضر خاصة. فقدم على أبي مسلم رسول لأبي سلمة يقال
_________________
(١) انظر معجم البلدان ج ٤ ص ٢٠، ابن خرداذبه ص ٥٢.
(٢) في الأصل: «محبر» .
(٣) سورة الطلاق، من الآيتين ٢ و٣.
(٤) انظر سورة فاطر، الآية ٤٣.
[ ٣٠٦ ]
له مسرور [١] بكتاب إبراهيم الإمام يخبره فيه بما انتهى إليه من تفاقم الأمر بين ابن الكرماني ونصر و[إن] [٢] يدعوه إلى أمره فإن أجاب [٣] نصب الحرب لنصر ولم يؤخر ذلك، وكتب إليه [١٥١ أ] بانتهاز الفرصة في ذلك قبل أن يحدث أمر يصطلح الأمر له ويتفقون على مجانبته [٤]، فأتاه ذلك ورسله تختلف فيما بينه وبين علي ونصر. ثم أقبلت إلى أبي مسلم وجوه اليمن وربيعة ومضر ممن في عسكر نصر، فدخلوا في أمره وبايعوه. ثم أرسل علي الكرماني إلى أبي مسلم: أنا وأنت اليوم يد واحدة في هذه الدعوة، ومتى تظهر تلاقينا وتعاونّا وتوازرنا، يهدّ ذلك قرون شياطين، وقد أتاك أخي وأصحابي فدخلوا عسكرك وهم يغادونك ويراوحونك بالتسليم عليك والتعظيم لأمرك والمقاربة لأصحابك، فما الّذي يمنعك أن تزورني وتدخل عسكري فيضطرب بذلك الصوت فيقوى به وليّك وينكسر له [٥] عدوك. فأرسل إليه أبو مسلم:
هذا رأي وما كنت لأدعه، وأنا فاعل. فلما كان من الغد ركب أبو مسلم في جماعة كبيرة من أصحابه فرسان ورجّالة يريد عليّا في عسكره، فبلغ ذلك عليّا، فوجّه إليه أخاه عثمان في وجوه اليمن وربيعة وفرسانهم فتلقوه على الرزيق [٦]، ثم دخل الحائط، ثم خرج إلى عسكر علي وشيبان. فلما أشرف أبو مسلم على العسكر تلقّاه علي في أهل اليمن وربيعة، ثم أقبلا يسيران حتى
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٦٨ ب «إبراهيم» .
(٢) زيادة من ن. م. ص ٢٦٨ ب.
(٣) انظر ن. م. ص ٢٦٨ ب.
(٤) في ن. م. «في هذا الأمر وهذه الدعوة» ص ٢٦٩ أ.
(٥) ن. م. ص ٢٦٩ أ «به» .
(٦) في الأصل: «الزريق» . انظر معجم البلدان ج ٣ ص ١٤٠، والمسالك للاصطخري ص ١٤٨ وابن خرداذبه ص ١٧١، وهو نهر بمرو.
[ ٣٠٧ ]
دخلا حجرة علي، فجلس أبو مسلم معه ساعة ثم دعا بالغداء، وقد هيأ له طعاما كثيرا ولمن معه، فقال: لست أطعم اليوم شيئا [١]، ثم نهض، فقال له علي: [١٥١ ب] لو لقيت شيبان فإن في لقائك إيّاه كفّ عاديته، وما يدعوه نصر إليه من محاربتك، فقال: إني أكره أن أسلّم عليه بالإمرة [٢]، ولست أستحلّ ذلك، فتقدمني ثم اجلس فإنّي أسلم بالإمرة وأعنيك بذلك. فركب علي فدخل على شيبان وجلس معه، فأقبل أبو مسلم فدخل على شيبان فسلم عليه بالإمرة وجلس فدعا له شيبان بشربة عسل، فقال أبو مسلم: أنا صائم، فحمله شيبان على برذون أبلق من نتاج أبي نميلة الأزدي. وخرج أبو مسلم فأتى سرادق علي وجلس معه ساعة، وأظهر تأميره على نفسه وحمله على برذون. فبلغنا أنّ أبا مسلم قال لعلي: إنك قد أعطيت من نفسك في القيام بدعوة آل محمد ما أرجو أن يجمع الله [به] [٣] خير الدنيا والآخرة، ولك الولاية علينا، وعلينا طاعتك، وليس يلتئم بينك وبين أهل هذه الدعوة وبين شيبان، لأنّ أصل شيبان وما يدين [٤] البراءة من علي، ونحن نخالفه في ذلك، فإن لم تباينه فاعمل في ذهابه عنّا لنقبل على قتال نصر ومن معه، فإنّي لست آمنا أن يخدعه نصر ومن في هذه الكور التي في يدي شيبان من إخواننا، فيتغيّر لنا شيبان عمّا هو عليه، وقد اعتذرنا إليه من إيقاع أهل نسا بعاصم، ومن يأتيه بمثل ذلك من غير أهل تلك الناحية تبطل عنده ما اعتذرنا به ويرى [٥] أنا سنصول عليه. فقال له عليّ: أنا عامل [١٥٢ أ] ذلك وكافيك
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٦٩ أ: «إني قد نويت الصوم ولست آكل اليوم شيئا» .
(٢) انظر الطبري س ٢ ص ١٩٩٣.
(٣) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٦٩ أ.
(٤) في الأصل «تدين» .
(٥) في الأصل «سرى» .
[ ٣٠٨ ]
أمره حتى يتنحى عنك إن شاء الله تعالى. ثم إنّ عليّا [١] بعث بشدّاد بن جريجور [٢] كاتبه على الخراج بمرو، وأمره أن ينزل أبا مسلم قصر شيبة بن الحسن الأزدي [٣]، ورتّب له ما يصلح له، فنزله أبو [٤] مسلم أياما، ثم انصرف إلى عسكر الماخوان. قال: واجتمع علي وشيبان، فقال عليّ: قد شغل الله نصرا عنّا وعنك بهؤلاء القوم، وهذه الكور التي في يديك، فيما بينك وبين نيسابور وهراة وبوشنج [٥] ولست آمنا باشتغالك بالمقام هاهنا أن تضعف أعوانك فيها، فقد أرى أن تسير إلى سرخس وتوجّه عمالك وتجبي خراجك وتقوّي بذلك أهل طاعتك، فإذا قويت واستجمع لك ما تريد نهضت فيما تطلب من الحق، وقد رأيت أكثر من معك قد تسللوا عنك لهذا الشأن. قال شيبان: قد لعمري كان ذاك منهم، والرأي ما رأيت، وأنا شاخص عنكم في أيّامي هذه، وقد أجمعت على ذلك من اختلاط أموركم وخشيت أن أكون مقيما على ضلال، فثبّطني عن الشخوص علي بن معقل لما جرى بينه وبين نصر، فابعث أنت الآن إلى أبي مسلم لتوكّد عليه في الكفّ عنّا وحسن مجاورتنا حتى ينصرم الأمر بينكم وبين نصر، فإذا صحّ ذلك ناظرناكم فيما فيه صلاح ديننا ودنيانا. فأرسل علي إلى أبي مسلم بذلك، فأرسل أبو مسلم:
ليوكّد لنا ونوكد له على المسالمة ولا نخشى له غائلة ونكتب [١٥٢ ب] بيننا
_________________
(١) في الأصل: «علي» .
(٢) في الأصل: «جرنجوز» ويرد في الطبري س ٢ ص ١٦٨٨ ذكر اشبداد (أو شداد) بن جريجور.
(٣) في الطبري س ٢ ص ١٩٩٣ «محمد بن حسن الازدي» .
(٤) في الأصل: «أبا» .
(٥) في الأصل: «بوسبخ» وهي من قرى ترمذ، وهذه بوشنج وهي من نواحي هراة بينهما عشرة فراسخ، انظر معجم البلدان ج ١ ص ٥٠٨، والطبري س ٢ ص ٧٩، والاصطخري ص ١٥١، واليعقوبي ص ٢٨٠.
[ ٣٠٩ ]
وبينه كتابا بذلك، فإن رجع أحدنا عمّا أعطى من نفسه من الحق فقد حلّ لصاحبه مباينته ومحاربته، ففعل ذلك شيبان، وكتبوا بينهم بذلك كتابا وثيقا.
وتوجّه شيبان إلى سرخس في شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين ومائة، ومعه علي ابن معقل الحنفي وجميع من كان معه من قومه وأهل رأيه، وازداد أبو مسلم بذلك قوّة ونشاطا، وازداد نصر بذلك وهنا وضعفا [١] .